ملخص
يطرح السوريون تساؤلات عن موقع القواعد العسكرية والحاجة إليها بعد انتهاء الحرب ضد النظام السوري السابق. ومع انسحاب أميركي كامل وتحجيم القوات الروسية وانتشارها بقاعدتين بحريتين وبدور محدود جداً، يظل الحديث عن الرؤية المستقبلية للقواعد التركية.
من الخطر المحدق في سوريا أن تتموضع قاعدة أو قطعة عسكرية بالقرب من منزل سكني، فالأهوال التي يقاسيها من يقطنون بالقرب من هكذا مراكز أمنية ومقاتلة، لا تعد ولا تحصى، فكيف إذا ما كانت قاعدة تركية تحاول أن تحمي محيطها من أي أخطار محتملة، فإن الأمر يصل لجرف البيوت والأراضي والممتلكات. وهذا ما دفع عشرات العائلات من أبناء منطقة الشيخ عقيل الواقعة في ريف مدينة الباب، شمال شرقي حلب، لمواصلة احتجاجهم الشعبي والسلمي إثر ما يعيشونه من أوضاع إنسانية صعبة، في ظل فقدان منازلهم وممتلكاتهم منذ أعوام.
وطالب المحتجون من السكان المحليين في الجبل باستعادة ممتلكاتهم بعد حادثة تجريف شهدتها المنطقة في عام 2017، خلال معارك التحرير مدينة الباب من تنظيم “داعش” ضمن عملية “درع الفرات”، التي شارك فيها الجيش التركي وفصائل المعارضة في ذلك الوقت.
وفي حديث مع مصدر أهلي أكد حدوث تصعيد ميداني في هذه القضية، إذ أقدمت القاعدة على تجريف المزيد من الأراضي في انتهاك واضح لحقوق السوريين، ضاربة بعرض الحائط الأصوات التي نادت بحق العودة.
وطاولت عمليات التجريف الأراضي والممتلكات في المنطقة ذاتها، والتي احتج الأهالي على المساس بها وفق بيان للمركز السوري لحقوق الإنسان، ما أدى إلى تصاعد حالة التوتر وارتفاع مستوى الغضب الشعبي، وعمقت حالة الاحتقان بين السكان المحليين، بينما لم يصدر عن الحكومة السورية أي تعليق على حادثة تجريف نحو 400 منزل عبر آليات تابعة للقاعدة التركية.
عودة الحق
في غضون ذلك، تجمع أهالي الجبل بالقرب من القاعدة يحملون العلم السوري ويرفعون شعارات تطالب بعودة الحقوق، كذلك طالبوا المنظمات الدولية الحقوقية بالتدخل لوقف ما وصفوه بـ “الانتهاكات”. وشدد الناشط الحقوقي، أحمد السيد عمر على أهمية النظر بهذه الحادثة والتفات الحكومة في دمشق لمطالب الناس، لا سيما أنها تأتي بعد وقفات احتجاجية عدة بدأت منذ 18 أبريل (نيسان) الجاري. وأكد عدم تراجع الأهالي عن مطالبهم وأن هدم منازلهم لا يلغي حقهم التاريخي بالأرض، وذلك وسط تجريف المزيد من الأراضي في محيط القاعدة، وهذا ما يخلق حالة توتر و”استفزاز” للمحتجين السلميين، على حد قوله.
وفي أواخر عام 2016، سيطرت فصائل الثوار المدعومة من تركيا، والذين يتبعون للجيش الحر في ذلك الوقت، على جبل الشيخ عقيل (موقع استراتيجي يطل على كامل مدينة الباب)، بالتوازي مع تمكنها من السيطرة على الطريق الدولي الواصل من الباب إلى حلب، وانتزعت المنطقة من تنظيم “داعش” بدعم تركي في سياق عملية واسعة اشتهرت باسم “درع الفرات”.
في المقابل، تحدث الباحث السياسي التركي، علي الأسمر، في معرض تعليقه على الحادثة إلى عدم صدور حتى لحظة كتابة التقرير أي تصريح رسمي أو بيان من وزارة الدفاع أو الخارجية التركية بخصوص هذا الموضوع، وأن عملية إجلاء سكان حي جبل عقيل بالكامل لأسباب أمنية، إذ كانت المنطقة خط مواجهة مباشر مع “داعش”، وبعد خروج التنظيم مباشرة جرى تجريف المنطقة بهدف إنشاء قاعدة عسكرية وإقامة محيط أمني حولها. وبحسب رأيه، هذا الإجراء يُعدّ طبيعياً في سياق العمليات العسكرية، حيث تكون الأولوية للاعتبارات الأمنية، وما حدث لم يكن خياراً بل ضرورة فرضتها مواجهة الإرهاب في تلك المرحلة.
وأضاف “أيضاً يجدر التذكير بأن العديد من المناطق المهددة في سوريا شهدت تهجيراً لسكانها، ولا يزال عدد كبير منهم حتى اليوم غير قادر على العودة إلى منازلهم، وبالتالي فإن هذه الحالة ليست استثناءً”.
ولفت الباحث التركي الانتباه إلى كون مسألة الملكية في هذه المنطقة غير واضحة ومحل خلاف، إذ تشير وجهة نظر الأوقاف إلى أن الأرض (وقفية) أساساً، ما يعني أن الأهالي لا يملكون الأرض نفسها، وقد يحق لهم المطالبة بتعويض عن الأبنية فقط.
ويتابع القول “يبدو أن القضية ذات جذور تاريخية سابقة لدخول تركيا إلى سوريا، وهي محل خلاف قديم، وليس وليد المرحلة الحالية فقط. وبالنظر إلى أن الوجود التركي في سوريا يكون بالتنسيق مع الحكومة السورية، فإن معالجة هذا الملف، في تقديري، يجب أن تحصل عبر المؤسسات الرسمية في دمشق، باعتبارها الجهة المعنية قانونياً بحسم قضايا الملكية والنزاعات المرتبطة بها”.
التعويض والانسحاب
إزاء هذا كله، يطرح بعض الأهالي رواية مفادها بأن الأرض كانت ملكاً خاصاً، وجرى تسجيلها باسم الأوقاف خلال العهد العثماني أو الفرنسي لتجنب الضرائب أو الالتزامات، غير أن هذه الرواية تفتقر إلى إثباتات قانونية واضحة مثل سندات الطابو أو الوثائق التاريخية.
وثمة عدة أنواع للملكية العقارية في جبل “عقيل” كما يروي الناشط الحقوقي، السيد عمر، منها أن تكون الأرض وقفاً أي تتبع لوزارة الأوقاف، وبالتالي هناك جهود سابقة في مجلس مدينة الباب للفصل في هذه الملكيات، لتعويض المتضررين إثر احتجاجات سابقة في عام 2021، وحددت محاضر في ذلك الوقت كوقع أرض بديلة للتعويض، وليس معروفاً بعد ما مصير بقية المستفيدين المحتجين.
وتابع “ما يقارب 400 منزل تعرضت للتجريف بكل الممتلكات التي بداخلها فور إنشاء القاعدة، ما يعد انتهاكاً خطيراً، ولكن باب التعويض ما زال مفتوحاً لهؤلاء عبر مقاسم وأراض جديدة، وهذا ما يمنح المنطقة استقراراً وعودة آمنة إليها بعد طول انتظار. كذلك لا بد من تسليط الضو على خطورة تأزم الموقف حين أقدمت آليات من القاعدة العسكرية ذاتها بتجريف المزيد من الأراضي بعد ساعة من انتهاء الوقفة الاحتجاجية للأهالي”.
مقابل ذلك، عبّر المحتجون عن صدمتهم بعد تخلي المجالس المحلية عن وعودها والتزاماتها “بمنح الأهالي القسم الغربي من محضر جبل عقيل الواقع غرب القاعدة كتعويض. لكن الأمر تجاهلته البلدية بالعمل على تنفيذ مشاريع على الأرض المخصصة للتعويض، في خطوة تمثل تعدياً واضحاً على حقوقنا المكتسبة، ونسفاً للقرارات الرسمية السابقة”، وفق بيان للمحتجين.
وأضاف “إننا نتمسك بكامل حقوقنا المشروعة، نرفض رفضاً قاطعاً أي تعد على الأراضي التي خصصت لنا كتعويض، ومطالبتنا الفورية بإيقاف جميع الأعمال والمشاريع المقامة على الأرض المذكورة”.
وكان المجلس المحلي بمدينة الباب خصص أرضاً في عام 2021 كتعويض للسكان المتضررين، وحدد محاضر تابعة لمديرية الأوقاف من المنطقة العقارية الأولى ومخصصة للبناء. وقالت البلدية في ذلك الوقت “قسمت المنطقة لمحاضر، ودراسة تزويدها بكافة الخدمات المناسبة”.
قواعد تركية
إلى ذلك، ومع هذا التصعيد الشعبي الجديد في الشمال، يطرح السوريون تساؤلات عن موقع القواعد العسكرية والحاجة إليها بعد انتهاء الحرب ضد النظام السوري السابق، الذي سقط في عام 2024 والحاجة إليها، وسط تقليص لحجم هذه القواعد ودورها. ومع انسحاب أميركي كامل وتحجيم القوات الروسية وانتشارها بقاعدتين بحريتين وبدور محدود جداً، يظل الحديث عن الرؤية المستقبلية للقواعد التركية.
ويجيب الباحث السياسي التركي الأسمر قائلاً إن وجود القواعد العسكرية التركية في سوريا يُعدّ ضرورة في ظل الانسحاب الأميركي، واستمرار خطر تنظيم “داعش” وخطر أنصار النظام السابق، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية. كذلك الجيش التركي لديه انتشار عسكري في دول عدة حول العالم، مثل العراق وليبيا وقطر وأذربيجان وألبانيا والصومال وكوسوفو والبوسنة والهرسك، فضلاً عن وجوده في بعض الدول الغربية ضمن إطار حلف “الناتو”، فكيف لا يكون له حضور في سوريا التي ترتبط مع تركيا بحدود مشتركة تمتد لنحو 911 كيلومتراً؟
ويضيف “لقد أثبتت الأعوام الماضية أن أمن تركيا مرتبط بصورة مباشرة بأمن سوريا، وأن أنقرة دفعت ثمناً أمنياً كبيراً خلال أعوام الانتفاضة السورية بسبب حالة عدم الاستقرار. ومن هذا المنطلق، يصبح التعاون العسكري بين تركيا وسوريا أمراً منطقياً وضرورياً لحماية الأمن القومي لكلا البلدين، بخاصة في ظل مرحلة تشهد تشكّل تحالفات جديدة وظروفاً معقدة ومتغيرة في منطقة الشرق الأوسط”.
ولوح الأسمر إلى السياسة التركية تجاه دول الجوار والتي تقوم على مبدأ “نربح معاً” وليس على منطق التوسع أو فرض الأمر الواقع “لا توجد مؤشرات فعلية على نوايا تركية لضم أراضٍ سورية كما يقال من قبل البعض”.
- إندبندنت






















