على الرغم من بدء الإسرائيليين تنفيذ خطط إقامة المنطقة العازلة جنوب لبنان وسوريا، والتي واظب قادة الكيان الإسرائيلي على الحديث عنها طويلاً، إلا أنه تَبيَّن أن هذه المنطقة لن توقف الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية بحق الدولتين. ويستند هذا الافتراض إلى حقيقة أن الإسرائيليين لن يحققوا الهدف الإستراتيجي المبتغى من هذه المنطقة، وهو إبعاد الأخطار الأمنية عن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، وبذلك سيستمرون بضرب المناطق اللبنانية والسورية وتهديد استقرار البلدين بشكل دائم بحجة الدفاع عن النفس. لذلك يحتاج هاذان البلدان لخطة استراتيجية لمواجهة المنطقة العازلة التي أعلن الإسرائيليون صراحة إنهم سينفذونها، لتكون منطلقاً لخططٍ توسعية في المستقبل.
من الواضح أن المنطقة العازلة التي تمتد من جنوب نهر الليطاني إلى جبل الشيخ ومنطقة حوض اليرموك، قد أصبحت واقعاً، مع التوسع الإسرائيلي في سوريا وفي المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وتدمير وهدم كل أبنية القرى والبلدات التي تقع داخلها، مع إحراق الغطاء النباتي برشه بمبيدات من الجو. وبعدما كانت الخطط الخاصة بتلك المنطقة سرية، أصبح قادة العدو يجاهرون بعزمهم على تكريسها وتعزيزها وزيادة مساحتها. وفي هذا السياق، لم يجد رئيس مجلس الحرب الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو حرجاً بالقول، خلال فترة التفاوض بين كيانه ولبنان في واشنطن، بين 14 و23 نيسان/أبريل الجاري: “أوعزتُ للجيش بالاستمرار في تعزيز المنطقة العازلة في جنوب لبنان وتوسيعها شرقاً حتى جبل الشيخ”.
انتهاك للقوانين الدولية
وتنتهك المنطقة العازلة التي شرع الإسرائيليون في إقامتها، على مساحات تصل إلى مئات الكيلومترات المربعة من جنوب لبنان وسوريا، القوانين الدولية، وكذلك الاتفاقات التي وقعها البلدان مع الإسرائيليين. والاتفاقات هي اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بين سوريا ودولة الاحتلال، وكذلك الخط الأزرق الذي وضعته الأمم المتحدة، سنة 2000، ليكون خط فصل بين الحدود اللبنانية والفلسطينية المحتلة. كما أنها تشكل تهديداً لمستقبل البلدين، بسبب تهديدها الاستقرار عبر خطط التوسع الإسرائيلية التي لا تتوقف، وعبر العمليات التي ستنطلق منها لضرب كل ما يصنفه الإسرائيليون تهديداً، سواء كانت عمليات بناء مدنية بمحاذاة هذه المنطقة، أو تعزيز الجيش في البلدين قواتهما، أو حتى اتفاقيات تعاون دفاعي مع دول أخرى إن وجدت. وليس كلام نتنياهو عما سماه “حرية العمل” الممنوحة لجيشه، بموجب مذكرة التفاهم الموقعة من الوفدين المفاوضين، اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، سوى تبرير لما سيقوم به جيشه من تعديات، وربما توغلات إضافية مستقبلاً، بحجة استهداف المناطق التي يشك بتواجد ما لحزب الله فيها، سواء كان أفراداً أو مواقعاً. وهو ما يحدث يومياً عبر اعتداءات إسرائيلية خارج المنطقة العازلة، على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار بين الطرفين.
أما حدود التدابير، وما يمكن أن تتخذه حكومة الاحتلال وفق البند الفضفاض القابل لتأويلات كثيرة، والذي يقول بحقها “في اتخاذ ما تراه ضرورياً من تدابير للدفاع عن النفس في مواجهة أي تهديدات وشيكة أو قائمة”، فليس معروفاً للمتابعين، ولكنه متوقع من حكومة الاحتلال. لذلك، قد يصبح التقدم داخل الأراضي اللبنانية، وتدمير عدد من البلدات وضمها للمنطقة العازلة، تدابيراً ضرورية بعرف الإسرائيليين من أجل الدفاع عن النفس، وهم الذين شنوا الحرب على إيران التي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، انطلاقاً من تلك “التدابير” الضرورية.
والأمر ذاته ينطبق على الجانب السوري، مع الفارق أن الإسرائيليين لم يجدوا ما يدفعهم لتوقيع مذكرة تفاهم مع السوريين، لتنفيذ المنطقة العازلة على الجانب السوري، والتي بدأت عبر احتلال منطقة حوض اليرموك، وتزداد يومياً عبر قضم مزيد من الأراضي السورية وضمها إليها. كما لم يتوصل الطرفان إلى اتفاقية تعيد الإسرائيليين إلى الحدود التي حددتها اتفاقية فض الاشتباك. ويبدو أن الإسرائيليين لا يبالون باتفاقية كهذه، بعد الذي لمسوه من تهاونٍ سوري تجاه تقدمهم في أراضي البلاد، وهم الذين شنوا آلاف الضربات العسكرية لتدمير قدرات سوريا العسكرية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
أمام هذا الواقع، وفي ظل الضعف الذي وصل إليه كل من لبنان وسوريا، على كافة الصعد؛ الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بل والاجتماعية، قد تستمر الضغوط العسكرية والسياسية الإسرائيلية على حكومتي البلدين، من أجل تكريس هذه المناطق أمراً واقعاً. غير أن الخطورة تكمن في إمكانية أن يتحول احتلالها، مع مرور الأيام، إلى ضمٍّ دائمٍ، بالتوافق مع الأميركيين، كما حصل مع مرتفعات الجولان السورية. هنا يطرأ السؤال إن كان يمكن لهذا الواقع أن يدفع حكومتي البلدين للتنسيق من أجل مواجهته، عبر الدخول في مسار موحد لتقوية موقفيهما.
خيارات أحلاها مر
لبنان وسوريا هذه الأيام أمام خياراتٍ أحلاها مر، بسبب العدوانية الإسرائيلية، والضغوط الأميركية التي لا تتوقف، لفرض اتفاقية سلام مع الإسرائيليين تحقق لهم الكثير، وتحرم اللبنانيين والسوريين من الكثير. أما إذا قررت حكومتا البلدين المواجهة، فبداية من المفترض إصلاح البيت الداخلي، للخروج أمام المجتمع الدولي ومؤسساته بموقف قوي يستند إلى شرعية شعبية، ومجتمع متماسك واقتصاد جيد. ولكن الأهم من ذلك كله، قرار سياسي إجماعي، يعكس حال البلد من توافقٍ بين السلطة وقوى المجتمع السياسية والأهلية على السياسات والممارسة. وإذ يتشابه الواقع في البلدين، من ناحية الانقسام الطائفي والمجتمعي والفشل الاقتصادي والضعف السياسي، تكون الخطوة الأولى هي الخروج من هذا الواقع عبر مؤتمرات للحوار الوطني والمصالحة والشراكة السياسية والاقتصادية، والشفافية في التعاطي مع الملفات المصيرية.
حين يتعافى البلدان بعد البت بالملفات والقضايا الخلافية داخلياً، يمكن للحكومتين أن تخرجا بموقف واحد لمواجهة المنطقة العازلة والانتهاكات الإسرائيلية والتعديات اليومية. عندها يمكن للدول العربية أن تتبنى موقف البلدين، ويمكنها المساعدة في طرحه وتبنيه في المحافل الدولية، من مؤسسات الدول الإسلامية إلى المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، وصولاً إلى الضغط من أجل عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، لحشد مواقف دول العالم للاعتراض على الممارسات الإسرائيلية، وفرض قرارات دولية عليها تلزمها بالانسحاب منها واحترام سيادة البلدين.
- المدن























