فتح البدء بمحاكمة رموز من حقبة حكم بشار الأسد ارتبطت أسماؤهم بسياسات القمع وجرائم إبادة، باب جدل بين القانونيين والمشتغلين في حقل حقوق الإنسان. فالقوانين السورية التي تجري على أساسها هذه المحاكمات، قاصرة ولا تتضمن توصيفات تتناسب والجرائم المرتكبة، وهو ما يُضعف الأدوات القانونية لملاحقة مجرمي الحرب، ولا يعزز الثقة بمسار العدالة الانتقالية. وتجري المحاكمات التي بدأت أولى جلساتها الأحد الماضي في القصر العدلي في العاصمة السورية دمشق، وفق قانون العقوبات السوري الصادر في عام 1949، ما يعني غياب الإطار القانوني الفاعل لمقاربة جرائم موصوفة ضد الإنسانية وجرائم إبادة جرت على مدى أعوام، وفق منهجية واضحة اتبعتها المنظومة العسكرية والأمنية في النظام المخلوع، بهدف قمع الثورة التي اندلعت ضده في عام 2011.
محاكمة رموز بشار الأسد
والمتهمون بارتكاب هذه الجرائم عددهم يقدر بالآلاف، جرى بالفعل القبض على مئات منهم منذ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، لم يُقدّم حتى الآن إلى القضاء أحد منهم، سوى عاطف نجيب وهو ضابط كان في الأجهزة الأمنية وارتبط اسمه بعمليات اعتقال وقمع في محافظة درعا في ربيع عام 2011. ونشرت وزارة الداخلية السورية قبل أيام جانباً من تحقيقات أجريت مع طيارين قاموا بعمليات قصف من عدة مطارات على أسواق ومناطق مكتظة بالمدنيين، ولا سيما في ريف العاصمة دمشق، أدت على مدى أعوام إلى مقتل آلاف المدنيين. وأعلنت الوزارة مساء الأربعاء القبض على أبرز الطيارين المتهمين بارتكاب مجزرة الكيميائي في غوطة دمشق الشرقية، منتصف عام 2013، وهو اللواء عدنان حلوة.
عمار عز الدين: الأفعال التي تعد جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية مجرمة وفق القانون السوري
كما تم القبض على متهمين بارتكاب مجازر، أبرزهم أمجد يوسف الذي ارتكب مع آخرين مذبحة بحق مئات المدنيين في جنوب دمشق في عام 2013 وكُشفت خيوطها بعد سنوات. هذه الجرائم وسواها لا يحيط بها قانون العقوبات السوري، والذي تقتصر مواده على جرائم جنائية مثل القتل والتعذيب، وهو ما ينسف طبيعة الجرائم الممنهجة التي ارتُكبت خلال حقبة نظام بشار الأسد مما دفع قانونيين إلى إبداء الاستغراب من تعجل وزارة العدل في الحكومة السورية البدء بالمحاكمات قبل تهيئة بيئة قانونية واضحة تحيط بهذه الجرائم المرتكبة. وقد أعدت “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، التي شُكلت العام المضي، مسودة قانون تجري على أساسه عمليات المساءلة والمحاسبة، ولكن عدم انعقاد المجلس التشريعي حتى الآن حال دون إقراره والعمل به في محاكمات رموز حقبة بشار الأسد البائدة.
وأوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في حديث مع “العربي الجديد”، أن المساءلة الجنائية في سورية “تعتمد حالياً على قانون العقوبات لعام 1949 وقانون أصول المحاكمات لعام 1950، وهما لا يُعالجان صراحةً جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولا يتضمنان أحكام المسؤولية القيادية”. وتابع: “الجرائم التي وثّقتها الشبكة على مدار 14 عاماً، من اعتقال تعسفي طاول أكثر من 156 ألف شخص، ووفاة أكثر من 14 ألف شخص تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، إلى الاستخدام الممنهج للأسلحة الكيميائية، وحصار المناطق المدنية، ارتُكبت بوصفها هجوماً واسع النطاق ومنهجياً موجهاً ضد المدنيين”. وأشار إلى هذه الجرائم “تستوفي العناصر التأسيسية للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما الأساسي”، مضيفاً: “حين تُحوَّل هذه الجرائم إلى تهم قتل وتعذيب بموجب قانون العقوبات العادي، يفقد السجل القضائي وصفه الأدق: أن ما جرى كان منظومة دولة، لا أفعالاً فردية منفصلة”.
وأفاد عبد الغني بأن “غياب أحكام المسؤولية القيادية من التشريع السوري يعني أن الادعاء يواجه عبئاً إثباتياً أشد في ربط من أصدروا الأوامر بمن نفّذوها”، مشيراً إلى انه “في القانون الجنائي الدولي، يكفي إثبات أن القائد عَلِم أو كان ينبغي أن يعلم بالجريمة، ولم يمنع وقوعها أو يعاقب مرتكبيها”. واسترسل: “أما في قانون العقوبات العادي، فيستلزم الأمر غالباً إثبات نيّة مباشرة أو اشتراك صريح. وهذا الفارق هو ما يفصل بين إمكانية إدانة بشار الأسد وماهر الأسد بوصفهما شريكين في منظومة قتل ممنهجة، وبين صعوبة إثبات وجود أوامر مكتوبة وموقّعة باسميهما في كل جريمة بعينها”.
وعن المطلوب تحديداً للتأسيس لمسار عدالة انتقالية صحيح، قال عبد الغني: حددت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في رؤيتها لمسار العدالة الانتقالية الصادرة في إبريل/نيسان 2025، ثلاثة إجراءات تشريعية لا غنى عنها: إصدار تشريع جنائي جديد يجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بصورة صريحة، وتشكيل محاكم هجينة متخصصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تضم خبرات محلية ودولية، وإنشاء لجان قانونية متخصصة لمراجعة التشريعات الموروثة من النظام السابق التي تتعارض مع معايير حقوق الإنسان الدولية وإصلاحها.
في السياق ذاته، أوضح المتخصص بالقانون محمد صبرا، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “منظومة قانون العقوبات في سورية صدرت عام 1949، وفي تلك الفترة لم تكن مفاهيم الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب قد تبلورت بشكل راسخ في القانون الدولي والقوانين الوطنية التي باتت تُكيّف منظوماتها القانونية مع القواعد الدولية ذات الصلة”. وتابع: “خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، ومطلع الألفية الحالية، شهدت المفاهيم القانونية المتعلقة بهذه الجرائم تطوراً هائلاً وسريعاً بعد المجازر والأهوال التي شهدتها رواندا ويوغسلافيا السابقة، وبالتالي فإن منظومة قانون العقوبات السوري بقيت قديمة ولم يتم دمج هذه المفاهيم فيها”. وأشار إلى أن عدم مصادقة سورية على اتفاقية روما المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، أدى إلى وجود ثغرات في الجوانب القانونية المتعلقة بهذا النوع الخطير من الجرائم، وهذا سيضعف الأدوات القانونية المتاحة لملاحقة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الفظيعة في سورية.
إلى ذلك، أوضح المحامي عمار عز الدين، عضو مجلس فرع نقابة المحامين في حمص، في حديث مع “العربي الجديد”، أن القاعدة الأساسية في القانون الدولي تجزم أن القانون الوطني، هو حجر الأساس في المحاكمات، لافتاً إلى أن “الاختصاص للقانون الدولي لا يكون إلا في حال كانت الدولة غير راغبة أو غير قادرة على إجراء المحاكمات”. وأشار إلى أن “الدولة السورية ممثلة بوزارة العدل صاحبة الاختصاص القانوني عملت على تشكيل محكمة العدالة الانتقالية مكونة من قاضي التحقيق وقاضي الإحالة ومحكمة الجنايات حسب أصول المحاكمات الجزائية وفق القانون السوري مع العلنية وحضور مراقبين محليين ودوليين وصون حق الدفاع للمتهمين مما يتوافق مع تحقيق شروط المحاكمات العادلة التي نص عليها القانون الدولي”.
وأوضح عز الدين أن المحاكمات “تتم بالاستناد لقانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات السوري الذي يغطي كثيراً من الأفعال التي تم ارتكابها من المتهمين من جهة التجريم، والتي تعد العديد منها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الجنائي الدولي”. وتابع: هذا التوصيف لا يوجد في النصوص التشريعية في القانون السوري وبالتالي لا يمكن تجريم المتهمين بجرائم بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولكن الأفعال التي تعد جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية مجرمة وفق القانون السوري كالقتل والتعذيب والاغتصاب وبعض منها تصل عقوبته للإعدام. وأشار إلى أنه “يمكن للمحكمة أن تذكر في قرار الاتهام وصف سياق هذه الجرائم بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لحفظ الذاكرة الوطنية”، مضيفاً: لكن في التوصيف الجرمي يجب أن تعتمد على نصوص قانون العقوبات السوري فالقاعدة الأساسية: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
فضل عبد الغني: المساءلة الجنائية في سورية تعتمد حالياً على قانون العقوبات لعام 1949 وقانون أصول المحاكمات لعام 1950
جرائم لا تسقط بالتقادم
وبيّن عز الدين أن “الإعلان الدستوري في المادة 49 أكد أنه تستثنى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين، كما نص على أنه لا تسقط جرائم التعذيب بالتقادم. وأضاف: جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم. هذا المبدأ القانوني الدولي راسخ، ويعني أن الملاحقة القضائية للمسؤولين عن هذه الجرائم، مثل القتل والتعذيب والإخفاء القسري، تظل قائمة بغض النظر عن مرور الزمن. وأشار إلى أن “بعض الجرائم التي ارتكبها مجرمو النظام البائد ما زالت مستمرة بآثارها كجريمة التعذيب والاختفاء القسري واغتصاب الممتلكات ومصادرتها، مما يوقف التقادم ولا تسري قانوناً أحكام التقادم عليها.
كما لفت عز الدين إلى أن “روسيا ليست طرفاً في ميثاق روما، وبالتالي لا يوجد ما يلزمها قانونا بتسليم بشار الأسد وأركان نظامه الموجودين في موسكو”، مستدركاً: لكن هناك اتفاقية تسليم المجرمين موقعة بين الحكومة السورية ودولة روسيا، يمكن التعويل عليها قانوناً من الحكومة السورية لإلزام روسيا بتسليم المجرمين بعد صدور أحكام قضائية بحقهم وهي أكثر جدوى ضمن المعطيات والظروف السياسية الحالية من مذكرة التوقيف الصادرة عن محاكم أوروبية. وبرأيه، فإن محاكمة رموز حقبة بشار الأسد “لها أهمية قصوى كونها تنصف الضحايا”، مضيفاً: مشاركة الضحايا في المحاكمات عامل أساسي في موضوع العدالة الانتقالية، وهذا لا يمكن تحقيقه في المحاكم الأوروبية والدولية. وتابع: في ظل عدم صدور قانون العدالة الانتقالية بسبب عدم تشكيل مجلس الشعب لظروف سياسية وعسكرية، البدء بالمحاكمات ضمن هذه المحكمة يشكل أولى خطوات طريق العدالة الانتقالية، وتعد طوق النجاة في ظل الاحتقان الشعبي من تأخر عملية المحاسبة لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة بحق السوريين، وأهم عوامل العبور لمرحلة المصالحة الوطنية والسلم الأهلي.
- العربي الجديد

























