مع مضي قرابة عام ونصف على حكم الإدارة السورية الجديدة للبلاد التي أنهكتها سنوات طويلة من الحرب، اتضحت معالم السياسة الخارجية السورية الجديدة بشكل أكبر، خاصة مع خضوعها لاختبارات مهمة من شأنها أن تعزل بين ما هو تكتيكي واستراتيجي، على غرار الحرب الإيرانية الأميركية التي حافظت سوريا خلالها على موقف يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية.
إعادة تموضع مع الحفاظ على التوازن
أعادت الحكومة السورية الجديدة بشكل واضح تموضع سوريا بعد سقوط الأسد، فبعد عقود طويلة من الارتباط بالمعسكر الشرقي، والانخراط ضمن مشروع إيران الإقليمي، دخلت سوريا بتحالف وثيق مع دول الخليج العربي وتركيا والأردن، مع جهود واضحة لتطوير العلاقات مع المعسكر الغربي سواء الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الصعوبات التي تعترض مسار تطوير العلاقات مع الغرب.
إعادة التموضع في السياسة الخارجية لم يدفع سوريا الجديدة إلى نهج القطيعة مع المحور الآخر، فلا تزال تحافظ دمشق على علاقات مهمة مع روسيا في مجالات عديدة، لكن ضمن رؤية جديدة لا تقوم على التبعية الكاملة كما في السابق.
كما أشارت التصريحات المتكررة الصادرة عن الرئيس السوري أحمد الشرع أن المشكلة مع إيران كانت بسبب دورها في سوريا وليس عداءً مطلقاً، وقد تكررت هذه التصريحات في ظل التفاوض مع إسرائيل من أجل صياغة اتفاقية أمنية، وفي وقت أطلقت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران، مما أعطى مؤشراً واضحاً على أن عملية التفاوض لا يعني أن دمشق ستكون جزءا من المواجهة مع إيران وأذرعها خارج إطار الجغرافيا السورية.
قد سرعت الحرب الإيرانية والاضطرابات في مضيق هرمز التعاون السوري العراقي في مجال الطاقة، حيث باتت العراق تصدر يومياً عبر سوريا قرابة 500 صهريج من النفط الخام من خلال إرسالها إلى مصفاة بانياس عبر الطريق البري.
أمن الطاقة محدد رئيسي للسياسة الخارجية
لا تبدو أن عملية إعادة التموضع مع الحفاظ على التوازن في العلاقات الخارجية مجرد رغبة بتجنب الاستقطاب من طرف سوريا، رغم أنه اعتبار مهم، لكن من الواضح أن هذه السياسة لا تهدف فقط إلى تجنب التهديدات بل البحث عن الفرص، وخاصة في مجال أمن الطاقة في سوريا، والسوق الدولية عموماً بالنظر إلى الموقع المؤثر لسوريا على البحر المتوسط.
بكرت الحكومة السورية الجديدة بإجراء اتصالات مع العراق، وقامت وزارة الطاقة بزيارة لبغداد صيف عام 2025، مع اتصالات مكثفة من أجل نقاش إعادة تفعيل خط كركوك – بانياس ليكون خط تصدير رئيسي تعتمد عليه العراق في إيصال نفطها إلى الأسواق الأوروبية، وقد سرعت الحرب الإيرانية والاضطرابات في مضيق هرمز التعاون السوري العراقي في مجال الطاقة، حيث باتت العراق تصدر يومياً عبر سوريا قرابة 500 صهريج من النفط الخام من خلال إرسالها إلى مصفاة بانياس عبر الطريق البري.
تشير البيانات وتتبع حركة السفن إلى أن صادرات النفط الروسية إلى سوريا ارتفعت بنسبة 75% خلال عام 2026، وبلغت 60 ألف برميل يومياً، في مسعى واضح من دمشق للحفاظ على استقرار في إمدادات الطاقة إلى حين رفع إنتاج الحقول النفطية السورية إلى المستوى السابق قبل عام 2011 والذي بلغ قرابة 400 ألف برميل يومياً، حيث تحتاج هذه الحقول إلى إعادة صيانة بالإضافة إلى توسيع القدرة الاستيعابية للمصافي النفطية وبناء مصاف جديدة.
إن ضمان تدفق إمدادات النفط مهم للاستهلاك المحلي الفردي والتجاري، ولتحقيق عائدات مقابل العبور، كما أن توفير الغاز بشكل دائم سيسهم بشكل كبير في استقرار وصل التيار الكهربائي.
تبذل سوريا جهوداً مستمرة من أجل تطوير العلاقات مع مصر، وقد بادر الرئيس السوري الشرع في قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة بقبرص آواخر عام 2026 إلى إجراء محادثة سريعة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تلاها مطلع أيار/ مايو الجاري زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى القاهرة، برفقة وزير الاقتصاد نضال الشعار.
من المتوقع أن تعمل دمشق على تذليل العقبات من أجل إعادة تفعيل خطة الغاز العربي الذي ينطلق من مصر باتجاه الأردن وسوريا وصولاً إلى لبنان، حيث من الممكن أن يوفر هذا الخط لسوريا كميات جيدة من الغاز بصيغة رسوم بصفتها دولة عبور، وسيكون تفعيل هذا الخط مهماً للقاهرة الطامحة لأن تكون منصة لتصدير الغاز إلى أوروبا، فمن الممكن تطويره لاحقاً بحيث لا تبقى حدوده عند لبنان فقط.
إن ضمان تدفق إمدادات النفط مهم للاستهلاك المحلي الفردي والتجاري، ولتحقيق عائدات مقابل العبور، كما أن توفير الغاز بشكل دائم سيسهم بشكل كبير في استقرار وصل التيار الكهربائي، الذي بات يستمر في مناطق ضمن العاصمة السورية على مدار 24 ساعة، لكن الحكومة أمام تحدي الحفاظ على هذا المنجز لما للكهرباء تأثير مباشر على الصناعة والاقتصاد عموماً.
- تلفزيون سوريا

























