ست محطات إشكالية متتالية في أداء السلطة السورية – مفارقات ومؤشرات خطيرة من الاقتصاد إلى السياسة إلى العدالة

علي العبدالله

 

    • أثارت مواقفُ وإجراءاتٌ اتخذتها السلطة السورية الجديدة خلال الشهر الماضي أسئلة حول مدى اتّساقها مع متطلبات اللحظة الراهنة، كما أثارت التبريراتُ التي لجأت إليها السلطة وأنصارها، بهدف تزيين هذه القرارات والمواقف، تحفظات قطاعات واسعة من السوريين، نتيجة ما تَضمّنته من مفارقات صادمة رفعت حدة القلق والتوتر والخوف العام بشأن المستقبل.

      أول هذه المفارقات مشروع «رحلة قاسيون» التنموي والسياحي على جبل قاسيون، الذي أطلقته محافظة دمشق ووزارة السياحة بهدف تحويل الجبل إلى مركز ترفيهي واستثماري. ويشمل المشروع إنشاء تلفريك من حديقة الأمويين (تشرين سابقاً)، وممشى سياحي، وأجنحة قاسيون، وغابة الفطر، وصندوق الشام، ومدرجات ومنشآت للترفيه مدفوعِ الأجر، مع ترك مساحة صغيرة من الجبل لتنزُّه غير القادرين. يمكن اعتبار هذا المشروع امتداداً لتركيز الاهتمام على وسط العاصمة، حيث حركة الترميم والتزيين للساحات وواجهات الوزارات والدوائر الرسمية والأرصفة، والترويج للمولات والإعلان عن مشاريع سكن برجية فاخرة، بينما تعيش بقية المدينة في الفقر وتردي مستويات المعيشة والخدمات. الأمر الذي يُذكِّرُ بفترة حكم هيئة تحرير الشام في إدلب، حيث ثمة منطقة خضراء تُشكِّلُ لوحات بصرية تُبهر الناظرين وتُخفي وراءها الشوارع المُحفَّرة وأكداس القمامة والفوضى وباعة الخبز المنتشرين بالعشرات على الطرق بجانب كل فرن، وانتشار المشردين والشحاذين الذين دفعهم العوز إلى امتهان مدَّ اليد طلباً للإحسان.

      ثاني هذه المفارقات إعلانُ السلطة السورية الجديدة أنها مع نزع سلاح حزب الله اللبناني؛ وهو موقفٌ يفتقر إلى الحصافة السياسية من ناحيتين؛ فهو من جهة أولى تَدخُّلٌ في شؤون دولة عربية، ولا يغيّرُ من ذلك تطابق الإعلان مع موقف السلطة اللبنانية، وهو من جهة ثانية يتعارضُ مع المصالح الاستراتيجية للسلطة السورية، التي يصبُّ اشتباك الحزب المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي – الذي يعتدي وبشكل شبه يومي على الأراضي السورية توغلاً واحتلالاً، واضعاً السلطة في موقف حرج – في مصلحتها وهي تخوض مفاوضات مع الأخير حول اتفاقية أمنية، تُعيد الأوضاع في الجنوب السوري إلى اتفاقية فصل القوات عام 1974 والانسحاب من أرض سورية احتلها بعد إسقاط النظام البائد. لا يُغيّر ذلك من الموقف من الحزب على خلفية دوره في العدوان على الشعب السوري، فالضغطُ على الاحتلال الإسرائيلي وحشره في الزاوية سيسمح للسلطة باستثمار مأزقه العسكري والسياسي في المفاوضات لتحقيق مطلبها بعقد اتفاقية أمنية، وهي فرصة لا تُقدَّرُ بثمن. عَكَسَ موقفُ السلطة من حزب الله رغبتها في التموضع ضمن توجهات عربية ودولية تسعى إلى إخراج الحزب من المعادلة السياسية والعسكرية اللبنانية رغم عدم تطابقه (التموضع) مع المصلحة السورية، وكان الأَنسبُ أن تقول إنها مع ما يتفق عليه اللبنانيون، وأن تستثمر في مقاومة الحزب في المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي.

      ثالثها ما كرره الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، في كلمته أمام منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026، الذي عُقِد في مدينة أنطاليا التركية من 17 إلى 19 نيسان (أبريل) الماضي، وكذلك في قمة الاتحاد الأوروبي غير الرسمية التي عُقِدت في العاصمة القبرصية نيقوسيا يومي 23 و24 من الشهر نفسه، حول ما جرى في المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث قال إنها تعثّرت لكنها لم تصل إلى طريق مسدود؛ مشيراً إلى أنها تجري بصعوبة بسبب إصرار الاحتلال على التواجد على الأراضي السورية. وقال الشرع في حوار على هامش مشاركته في منتدى أنطاليا إن «إسرائيل قابلت سورية بوحشية، واحتلت جزءاً من الأراضي المحاذية للجولان المحتل»؛ وبالمقابل اختارت دمشق «طريق الدبلوماسية، وإقناع المجتمع الدولي بالمساعدة حتى لا تتأزم الأمور»، ودعا الدول الأوروبية في نيقوسيا لاتّخاذ موقف حازم من الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية؛ ورفضَ اعترافَ أي دولة بضم دولة الاحتلال للجولان السوري المحتل. لقد اكتفى بعرض ما حصل دون أن يقترح مَخرَجاً أو حلّاً للتوغّلات المتواترة والاحتلال الجديد لمساحة معتَبرة من الأرض السورية التي فاقت الـ 665 كيلو متراً مربعاً، من قبيل خطة عمل يعرضها على المجتمع الدولي ويطلب من دول العالم تبنيها ودعم سورية من أجل تحقيقها، أو أن يُعلن على الأقل وقف مشاركة وزير الخارجية في المفاوضات مع الإبقاء على مفاوضات أمنية وعسكرية فقط.

      رابعُ المفارقات ما شهده اعتصام «القانون والكرامة» في ساحة يوسف العظمة وسط العاصمة دمشق يوم 17 نيسان الماضي من احتكاكات وما عكسته من انطباعات سلبية. الموقف الأول كان وقوفَ قوات الأمن الداخلي في بداية الاعتصام بعيداً عن بؤرة الاحتكاك، في حين تجوّلَ عنصر أو أكثر بين المعتصمين دون تحريك ساكنٍ ردّاً على الهتافات والتجاوزات التي قام بها موالو السلطة، الذين مَرّوا حيث كنتُ أقفُ مع المعتصمين. سمحَ هذا لمُوالي السلطة ليس فقط برفع أصواتهم بالهتاف ضد المعتصمين، «شبيحة برا برا» و«فلول فلول»، بل وبضرب بعضهم وتمزيق لافتات كرتونية كانت تُجمِلُ مطالب المعتصمين، وبعد ذلك شكّلت قوات الأمن حاجزاً بين الطرفين. والموقف الثاني كان رفعَ راية «هيئة تحرير الشام» من قبل الموالين، والتي قالت السلطة إنها حلّتها ضمن عملية تأسيس «جيش سوري جديد». هل أرادت السلطة من موقفها المُتفرِّج في بداية الاعتصام ترهيبَ المعتصمين والتدخُّلَ لاحقاً بالفصل بين التجمُّعين لتشكيلِ انطباع لدى المعتصمين أنها قادرة على إخلاء المجال للموالين للبطش بهم، وألّا يعتمدوا بالتالي على حلمها وصبرها، وأن يبتعدوا عن التحدي لأنهم يخوضون معركة خاسرة؛ وهل رُفِعَت راية «الهيئة» لتخويف المواطنين عبر الإعلان عن وجود «الهيئة» وجاهزيتها للتحرّك؟

      وخامسها المهرجان الذي نظّمته السلطة السورية الجديدة احتفالاً بعودة القيادي في جيش الإسلام، عصام البويضاني، من محبسه في الإمارات، من استقباله في القصر الجمهوري إلى الاستقبال الشعبي في دوما بحضور الشرع ومعظم الوزراء، والكلمة المُفعمة بمديح دوما، التي ألقاها الشرع، والوعود التي أطلقها بإعادة إعمارها، دون اعتبارٍ لما جَرّه جيش الإسلام على أهالي دوما خلال صراعه للسيطرة على المنطقة مع بقية الفصائل، حيث قُتِل من شباب المدينة أكثر من 500 مقاتل، بالإضافة إلى جريمة اختطافه لمناضلين ومناضلات من النواة الصلبة للثورة في دوما، رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وانقطاعِ أخبارهم وأثرِهم. كان لافتاً وقوفُ الشرع إلى جوار رئيس الهيئة الشرعية في جيش الإسلام، سمير كعكة، وهو يمسك بيده تعبيراً عن متانة العلاقة رغم أن بينهما ما صنع الحداد، حتى أنه ثمة فتاوى للأخير خلال مرحلة الصراع للسيطرة على الغوطة الشرقية ومرحلة الانتشار في ريف حلب تتهم «هيئة تحرير الشام» بالخيانة والعمالة وتصف قيادتها بالخوارج الجدد. هل أراد الشرع تسويق جيش الإسلام وقيادته في دوما مُجدَّداً، إذ من المعلوم أن البويضاني مرفوض من كثير من أهالي دوما وقد تَجنَّبَ العودة إليها بعد إسقاط النظام البائد؛ أم أرادَ تطمين قاعدته في «الهيئة» إلى أنه لم يُغادر ساحة السلفية الجهادية من خلال مَدِّ خيوط الودّ مع جيش الإسلام السلفي الجهادي.

      وسادسها محاكمة العميد عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا عند انطلاق ثورة الحرية والكرامة عام 2011، على جرائمه بحق المواطنين، خاصة الأطفال/الأبطال الذين كتبوا على جدران المدارس في درعا البلد ضد رئيس نظام الاستبداد والفساد، «إجاك الدور يادكتور». بدأت المحاكمة أمام محكمة جنايات، في تَعارُض تام مع ترتيبات السلطة لملف العدالة الانتقالية، بِدءاً بتشكيل هيئة خاصة بها وتكليفها بدراسة تجارب العدالة الانتقالية في دول مرّت بفترات صراع، وصياغة برنامج يُناسب الحالة السورية. إن إحالةُ عاطف نجيب إلى محكمة جنايات يقلب مسار العدالة الانتقالية رأساً على عقب، إذ يقتضي المنطق أن يُوضَعَ قانونٌ للعدالة الانتقالية، ويُعرَض نجيب في ضوئه على هيئة العدالة الانتقالية لتُحقِّقَ في ما نُسِب إليه من جرائم بحضور أهالي الضحايا، ثم تُقدَّم نتيجة التحقيق لغير الحاضرين منهم وللرأي العام السوري قبل إحالته إلى القضاء المناسب، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود احتمال قوي بأن توجه إليه تهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، التي يفتقر قانون العقوبات السوري إلى مواد تتعلق بها ما يستدعي وضع قوانين تُغطي هذه الثغرات، وإلا سيجدُ القضاة أنفسهم في موقف دقيق وحرج. هل أرادت السلطة من فتح المحاكمات التغطية على مآزق واجهتها مؤخراً؟ أم أنها عادت إلى طبيعتها الشمولية من حيث أنها غير قادرة على التعايش مع حالة تقاسم السلطات، ومنح أُطُرٍ مستقلة – حتى تلك التي شكلتها بنفسها – دوراً في معالجة مشكلات يُواجهها المجتمع السوري، لذا استرجعت ملف العدالة الانتقالية من الهيئة التي شكلتها لهذا الغرض، في مسعى واضحٍ لتجييرِ ملف محاكمة هؤلاء الذين أجرموا بحق الشعب لصالحها؟

      تتالى هذه المواقف في أسابيع قليلة، فيما يبدو تَسارُعاً في تدهور أداء سلطة تُثير كثيراً الهواجس والمخاوف بشأن مستقبل البلاد والعباد، وما يبدو نمطاً من سوء الإدارة والانشغال بمتطلبات الاستحواذ على السلطة قبل أي شيء آخر.

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

مايو 2026
س د ن ث أرب خ ج
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist