تمر الجمهورية الإسلامية في إيران بلحظة تاريخية فارقة، يمكن وصفها بأنها “مخاض عسير” لإعادة تعريف هوية الدولة ونظام الحكم.
هذا المخاض ليس مجرد انتقال روتيني للسلطة، بل هو صراع عميق بين رؤيتين: الأولى تتبنى “العسكرة الإستراتيجية” كنهج وحيد لضمان بقاء النظام ومواجهة التهديدات الخارجية، والثانية هي “الاعتدال الديني” أو البراغماتية السياسية التي بدأت تتوارى خلف جدران المؤسسات الأمنية والسيادية.
لم تكن الضربات العسكرية الأخيرة مجرد خرق أمني أو عسكري، بل مثلت عامل تعقيدٍ جوهريا في بنية اتخاذ القرار الإيراني.
لقد أدت هذه الهجمات إلى “تسميم” البيئة السياسية أمام أي محاولة لإعادة إحياء نهج الاعتدال؛ فحينما يصبح الوطن في مواجهة وجودية مباشرة، تتواری أصوات الدبلوماسية لصالح منطق “خندق الحرب”.
هذا التعقيد يتجلى في تحول شرعية الدولة من “الإنجاز الاقتصادي” إلى “الصمود الأمني”، مما منح الجناح العسكري تفويضا مطلقا لتجاوز الأطر القانونية والسياسية التقليدية بحجة حالة الطوارئ.
ولذلك، فإن الضربات لم تضعف النظام بنيويا، بل دفعت به نحو “وحدة قسرية” خلف القيادة الجديدة، وأغلقت الأبواب أمام أي مناورة سياسية كان يمكن للمعتدلين استخدامها لفتح قنوات اتصال مع الغرب، مما جعل المشهد الإيراني اليوم أكثر راديكالية وأقل قابلية للتنبؤ.
أولا: أفول الاعتدال الديني.. نهاية عصر “المرونة البطولية”
لقد شكل تيار “الاعتدال الديني”- الذي مثله تاريخيا أقطاب مثل هاشمي رفسنجاني ثم لاحقا حسن روحاني- جسرا بين الراديكالية الثورية والمجتمع الدولي.
كان هذا التيار يؤمن بأن بقاء النظام مرهون بقدرته على الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي. بيد أن هذا النهج بدأ بالتآكل تدريجيا نتيجة حزمة من العوامل:
1- الفشل الاقتصادي المرتبط بالاتفاقيات الدولية: خيبة الأمل من الاتفاق النووي وعودة العقوبات أضعفا حجة المعتدلين بأن الدبلوماسية هي الحل.
2- التهميش المؤسساتي: شهدت السنوات الأخيرة، وخاصة منذ انتخابات 2021 وما تلاها، عملية “هندسة سياسية” أدت إلى إقصاء الرموز المعتدلة من مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام.
3- تغير مفهوم الشرعية: انتقلت الشرعية من “صندوق الاقتراع” الذي كان يراهن عليه المعتدلون، إلى “الشرعية الثورية” التي تستند إلى الولاء المطلق والقدرة على الصمود في وجه “الاستكبار العالمي”.
ومع رحيل جيل المؤسسين المؤمنين بضرورة التوازن بين “الجمهورية” و”الإسلامية”، صعد جيل جديد أكثر راديكالية، يرى في الاعتدال نوعا من “التراجع الإستراتيجي” الذي يغري الأعداء ولا يحمي الدولة.
ثانيا: العسكرة الإستراتيجية.. الدولة داخل الثورة
في المقابل، برزت “العسكرة الإستراتيجية” كبديل بنيوي لإدارة الدولة. لم تعد القوات المسلحة، وبالأخص الحرس الثوري (سپاه پاسداران)، مجرد قوة عسكرية، بل تحولت إلى فاعل اقتصادي وسياسي واجتماعي مهيمن.
هذه العسكرة تتجاوز التواجد الميداني؛ إنها “عقيدة حكم” تقوم على:
- الأمننة الشاملة: تحويل القضايا الاجتماعية والاقتصادية إلى ملفات أمنية لا تقبل المساومة.
- الاقتصاد المقاوم: إسناد مفاصل الاقتصاد الكبرى إلى مؤسسات تابعة للمؤسسة العسكرية؛ لضمان الالتفاف على العقوبات وتوفير التمويل الذاتي للعمليات الإستراتيجية.
- الردع العابر للحدود: التركيز على تطوير البرنامج الصاروخي والطائرات المسيرة وشبكة الحلفاء الإقليميين كخط دفاع أول، وهو ما يعتبره أنصار هذا التيار الأسلوب الوحيد الذي يفهمه الخصوم في واشنطن وتل أبيب.
ثالثا: تحولات القيادة وشرعية “الخلافة” السياسية
جاءت الأحداث الأخيرة في عام 2026 لتضع هذا الصراع في ذروته. اغتيال آية الله علي خامنئي في ظل عدوان خارجي مثل صدمة كبرى للنظام، لكن سرعة ترتيب البيت الداخلي كشفت عن غلبة كفة “الجناح الصلب”.
تعيين آية الله مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا من قبل مجلس الخبراء في مارس/آذار 2026، لم يكن مجرد انتقال وراثي أو ديني، بل كان تتويجا لتحالف وثيق بين القيادة الدينية الشابة والمؤسسة الأمنية والعسكرية.
هذا التعيين يعكس رغبة النظام في:
- الاستمرارية: ضمان عدم حدوث هزات سياسية في مرحلة ما بعد المؤسسية.
- الحسم: إنهاء الصراع بين التيارات لصالح رؤية موحدة تتبنى “المقاومة” كخيار إستراتيجي لا رجعة عنه.
- المواجهة: القيادة الجديدة تأتي في سياق عدوان مباشر (الأحداث التي بدأت في فبراير/شباط 2026)، مما يعزز من منطق “العسكرة” ويجعل من صوت الاعتدال صوتا نشازا في وقت الحرب.
رابعا: التحديات البنيوية والاجتماعية
رغم سيطرة تيار العسكرة الإستراتيجية، فإن هذا المخاض يواجه تحديات جسيمة:
- الفجوة الجيلية: هناك انفصام واضح بين تطلعات الشباب الإيراني، الذي يطمح للحريات والرفاه، وبين التوجه الرسمي نحو المزيد من الانغلاق الأمني.
- الضغوط الاقتصادية: العسكرة الإستراتيجية مكلفة ماليا، والاستمرار في مواجهة المنظومة المالية العالمية يضع ضغوطا هائلة على الطبقات الوسطى والفقيرة، مما قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية داخلية.
- العدوان الخارجي: المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تفرض تحديا عسكريا وتقنيا قد يختبر حدود “العسكرة الإستراتيجية” وقدرتها على الصمود طويل الأمد.
خامسا: آفاق المستقبل.. نحو “دولة أمنية ثورية”
إن أفول الاعتدال الديني لا يعني اختفاءه تماما، بل يعني تحوله إلى “معارضة صامتة” داخل أروقة الحوزة العلمية وفي أوساط التكنوقراط. ومع ذلك، فإن المشهد الحالي يشير إلى أن إيران تتجه نحو نموذج “الدولة الأمنية الثورية” التي تمزج بين السلطة الدينية المطلقة والقبضة العسكرية الفولاذية.
في هذا النموذج، يتم تهميش “السياسة” بمعناها التنافسي لصالح “الإدارة الأزموية”. المخاض الحالي سينتج نظاما أكثر تجانسا في قمة الهرم، لكنه قد يكون أكثر عرضة للهشاشة من القاعدة إذا لم يستطع معالجة الأزمات المعيشية.
إن صراع العسكرة والاعتدال في إيران حُسم مؤقتا لصالح “الإستراتيجية الصلبة” مدفوعا بظروف الحرب وضغوط المرحلة الانتقالية.
آية الله مجتبى خامنئي يقود الآن سفينة الدولة في أمواج متلاطمة، حيث أصبحت “العسكرة” هي الشراع، بينما بقي “الاعتدال الديني” ذكرى لمرحلة سياسية طواها النزاع الإقليمي والدولي المحتدم.
إن نجاح هذا النهج أو فشله سيعتمد على قدرة القيادة الجديدة على الموازنة بين متطلبات الأمن القومي وضرورات الاستقرار الاجتماعي في بيئة عدائية للغاية.
- الجزيرة نت






















