النشاط الإسرائيلي بات يمتد إلى نقاط حساسة في ريف درعا الغربي، بما يعزز الانطباع بأن الجنوب السوري يتحول تدريجياً إلى فضاء مفتوح للحركة العسكرية الإسرائيلية.
تتحول التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا من خروقات أمنية متفرقة إلى مسار أكثر اتساعاً وانتظاماً، يلامس الجغرافيا والبنى الاجتماعية المحلية معاً. فالمشهد الممتد من القنيطرة وجبل الشيخ إلى ريف دمشق الغربي والجولان المحتل ودرعا، يوحي بأن إسرائيل تنتقل من سياسة المراقبة والردع إلى سياسة حضور مباشر، تختبر من خلالها حدود الفراغ السوري، وتبني وقائع جديدة على الأرض.
تأتي زيارة اللواء في الجيش الإسرائيلي غسان عليان إلى قرية الريمة في ريف دمشق الغربي كإحدى أبرز علامات التحول في الحركة الإسرائيلية داخل الجنوب السوري. فالزيارة لا تقف عند حدود التواصل مع وجهاء قرية سورية، بل تكشف محاولة إسرائيلية لفتح قنوات مباشرة مع مجتمعات محلية داخل الأراضي السورية.
وتكتسب القرية أهميتها من موقعها الجغرافي؛ فهي تقع على السفح الشرقي لجبل الشيخ، قرب الحدود السورية اللبنانية، وتتبع إدارياً لمنطقة قطنا في ريف دمشق، لا لمحافظة القنيطرة، كما أنها خارج المنطقة العازلة لاتفاقية عام 1974. بهذا المعنى، لا تبدو الزيارة مجرد توغل محدود، بل اختباراً لمدى قدرة إسرائيل على نقل حضورها من تخوم الجولان إلى عمق أكثر حساسية في ريف دمشق.
ويُعتبر غسان عليان من أبرز الضباط الدروز في الجيش الإسرائيلي، وقد استُحدث له منصب خاص لإدارة العلاقة مع الدروز في سوريا ولبنان. وهذا المنصب يكشف أن تل أبيب تتعامل مع الملف الدرزي بوصفه ملفاً استراتيجياً، لا مجرد تفصيل اجتماعي أو طائفي. ومن خلال زياراته المتكررة إلى قرى الريمة وعرنة وحضر، منذ توليه المنصب مطلع شباط/فبراير، يبدو أن عليان يعمل على بناء شبكة علاقات مباشرة مع وجهاء وفعاليات محلية، مستفيداً من خلفيته الدرزية ومن موقعه الرسمي في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
والرسائل التي حملها عليان إلى سكان الريمة لا تقل أهمية عن الزيارة نفسها. فقد تحدث، حسب مصادر محلية، عن التزام الجيش الإسرائيلي بحماية الدروز في جنوب سوريا، وعن بحث إمكانية السماح لعمال من المنطقة بالدخول إلى إسرائيل، بما يساعد في تنشيط الوضع الاقتصادي للسكان. أي إن الوعود الاقتصادية، في الحسابات الإسرائيلية، غير منفصلة عن الحساب الأمني، بل هي جزء من محاولة بناء نفوذ محلي ناعم إلى جانب الحضور العسكري.
صمت في دمشق
في المقابل، دخول مسؤول عسكري إسرائيلي إلى قرية سورية، ولقاؤه وجهاء وسكاناً، ثم تكرار زيارات مشابهة في مناطق أخرى، من دون موقف سياسي معلن أو رد عملي من دمشق، يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة. ويصعب الجزم بما إذا كان هذا الغياب يعكس عجزاً عن المواجهة، أم رغبة في تجنب التصعيد في منطقة شديدة الحساسية. وليس المقصود هنا الرد على إسرائيل وحدها، وإنما غياب أي مسار حكومي واضح للتحرك وفتح قنوات اتصال مباشرة مع السكان الدروز في قرى سفح جبل الشيخ الشرقية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح علاقة السكان بالقوة المسيطرة على الأرض علاقة قسرية ومعقدة، لا يمكن اختزالها في الولاء أو الرفض، بل تُفهم أيضاً من زاوية الحاجة والخوف والبحث عن الأمان.
ولا يمكن فصل تحركات عليان عن التوتر الأوسع في علاقة دمشق ببعض البيئات الدرزية، خاصة بعد أحداث السويداء وما تركته من شرخ سياسي واجتماعي. ويبدو أن إسرائيل وجدت في هذا الشرخ فرصة للتحرك؛ فهي لا تنشط فقط على خط القنيطرة أو جبل الشيخ، بل تحاول تحويل العلاقة مع الدروز إلى مدخل دائم نحو الجنوب السوري، عبر خطاب الحماية، وقنوات التواصل المباشر، وتقديم نفسها كضامن في مواجهة تراجع الثقة بين هذه البيئات والسلطة المركزية.
الخروقات والتوغلات الإسرائيلية
يظهر الوجه الآخر لهذه السياسة في القنيطرة ومناطق الجنوب عموماً، حيث تنتقل إسرائيل من أدوات النفوذ الناعم إلى الضغط العسكري المباشر. خلال الأيام الماضية، توزعت الخروقات بين قصف مدفعي، وحواجز مؤقتة، وعمليات تفتيش واعتقال، بما أبقى القرى الواقعة قرب خط وقف إطلاق النار تحت ضغط دائم. وقد استهدفت القذائف الإسرائيلية محيط قرى الحميدية والحرية وجباثا الخشب وطرنجة، وطالت الأراضي الزراعية في أكثر من موقع. وعدم سقوط ضحايا لا يلغي هدف القصف: إبقاء المنطقة تحت الرقابة، وتذكير السكان بأن إرباك حياتهم ممكن في أي وقت.
وفي قرى وبلدات، مثل صيدا وكودنا وأوفانيا وخان أرنبة وجباثا الخشب، تتكرر الصورة ذاتها: دوريات عسكرية إسرائيلية تتوغل، وحواجز مؤقتة تقام على الطرق، وتفتيش للمارة، ومداهمات للمنازل، واعتقالات قد تستمر ساعات أو أياماً. وقد أقام الجيش الإسرائيلي حاجزاً على طريق أوفانيا ـ خان أرنبة، تزامناً مع إلقاء قنابل مضيئة وتحليق للطيران الحربي، في مشهد يعيد إلى سكان القنيطرة ذاكرة الاحتلال المباشر، ويجعل حياتهم اليومية معلقة على حركة دورية أو قرار ضابط ميداني.
ووفق ما أفادت شبكة «درعا 24» المحلية، توغلت الجمعة قوة إسرائيلية مؤلفة من ست آليات في منطقة وادي الرقاد بريف درعا الغربي، وتوقفت عند جسر الوادي من دون توضيح وجهتها أو أسباب توغلها، قبل أن تتحرك باتجاه بوابة تل أبو الغيثار القريبة من خط وقف إطلاق النار. ويُظهر هذا التوغل أن النشاط الإسرائيلي لم يعد محصوراً بالقنيطرة أو سفوح جبل الشيخ، بل بات يمتد إلى نقاط حساسة في ريف درعا الغربي، بما يعزز الانطباع بأن الجنوب السوري يتحول تدريجياً إلى فضاء مفتوح للحركة العسكرية الإسرائيلية.
ولا تبدو هذه الممارسات معزولة عن أعمال التحصين التي تقوم بها إسرائيل في قرى مثل العشة وبريقة، ولا عن مد أسلاك شائكة إضافية واستكمال الحفر في مناطق قريبة من خط وقف إطلاق النار. وما يزيد القلق أن هذه الأعمال تجري بالتوازي مع استقدام غرف مسبقة الصنع إلى بعض المواقع، ومنها تل أحمر شرقي. ومع تراكم هذه الإجراءات، يصبح الأمر أقل ارتباطاً بكل حادثة منفردة، وأكثر اتصالاً بما يمكن أن تتركه من آثار طويلة المدى.
عملياً، تبدو التحصينات والغرف المسبقة الصنع مؤشرات على محاولة تثبيت حضور ميداني قابل للتحول لاحقاً إلى نقاط ثابتة أو بؤر ذات طابع استيطاني. فالتجربة التاريخية مع إسرائيل تشير إلى أن ترتيبات كهذه تبدأ غالباً بذريعة أمنية، ثم تتحول مع الوقت إلى بنية سياسية وعمرانية يصعب تفكيكها. وفي الجولان المحتل وفلسطين، بدأت بعض الوقائع بنقاط عسكرية أو مواقع مراقبة، قبل أن تتحول إلى وجود دائم. لذلك، فإن الحديث عن احتمال تحوّل بعض هذه النقاط إلى حضور طويل الأمد ذي طابع استيطاني ليس مبالغة، بل قراءة تستند إلى سوابق معروفة في السلوك الإسرائيلي.
الجولان المحتل.. الطاقة كأداة ضغط
وإذا كانت القنيطرة تمثل وجه التوغلات والحواجز، فإن الجولان السوري المحتل يقدم وجهاً آخر: النزاع على الأرض تحت عنوان التنمية والطاقة. فملف التوربينات الهوائية جزء من سياسة ضغط طويلة الأمد تمس الأرض والزراعة والصحة والهوية. وقد أثارت محاولات تنفيذ المشروع اعتراضات شعبية واسعة، وصلت إلى حد إقدام محتجين على إحراق معدات استقدمتها الشركة المنفذة، قبل أن ترد سلطات الاحتلال بحملة اعتقالات طالت عدداً من الناشطين الدروز من مجدل شمس ومسعدة وعين قنية.
يرفض أهالي الجولان المشروع لأسباب متعددة، بينها الأضرار الصحية والبيئية المحتملة، والتعدي على مساحات زراعية واسعة، وتغيير طبيعة العلاقة بين السكان وأرضهم. وقد استعان الأهالي بباحثين ومعاهد متخصصة للحصول على تقارير حول مخاطره، لكن السلطات الإسرائيلية تمضي في مسارها رغم الاعتراضات. وهنا يظهر منطق ضغط غير مباشر، لا يقوم على التهجير القسري المباشر، بل على جعل البقاء في الأرض أكثر كلفة وصعوبة تحت وطأة الخسائر الاقتصادية والبيئية والمعيشية.
الأمر لا يتعلق بمشروع التوربينات فقط، بل بجزء من السيادة والذاكرة الوطنية السورية وما يمثله الجولان في ضمائر السوريين. ومع ذلك، لم يتحول ملف التوربينات ولا اعتقال الناشطين إلى قضية سياسية سورية كبرى، ولم يسلَّط الضوء عليه رسمياً، ولم يأخذ حصته الوافية في الإعلام الرسمي أو النقاش العام والسياسي على مستوى البلد.
في المحصلة، لا تبدو هذه الوقائع أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من سياسة إسرائيلية تعمل على مستويين: ضغط عسكري مباشر عبر التوغلات والحواجز والتحصينات، واختراق اجتماعي واقتصادي عبر الزيارات والوعود بالحماية والعمل. وبين المستويين، يتراجع الحضور السوري الرسمي، ما يسمح بتوسيع مساحة رمادية تتحول فيها الخروقات اليومية إلى واقع قابل للاستمرار.
لذلك، يحتاج ما يجري في القنيطرة وجبل الشيخ والجولان المحتل وريف درعا الغربي إلى موقف سوري واضح، سياسياً وإعلامياً وقانونياً على الأقل. فالصمت لا يحمي السيادة ولا يطمئن السكان، والانتظار في مناطق الحدود ليس حيادياً؛ فكل يوم يمر بلا موقف قد يتحول إلى حجر إضافي في واقع يصعب هدمه.
- القدس العربي

























