تؤسس العدالة الانتقالية لفكرة بسيطة، لكنها جوهرية: أن الجريمة لن تمر بلا حساب، والعقاب ليس مجرد خيار، بل ملزم، إنه ضرورة أخلاقية، مع أنه ليس من المحتم أن يُنصف الضحايا كما ينبغي تماماً، ولا تعويض ما فقدوه فعلاً، لكنها تمنع إهانتهم مرة أخرى عبر النسيان أو الإنكار. الأهم بالنسبة إلى السوريين، أنها تُعيد إليهم ثقتهم بإمكانية تفعيل العدل، لا بوصفه وعداً مثالياً، بل بوصفه ممارسة لم تصبح بالمتناول فقط، بل ممكنة، وقابلة للتحقق، حتى لو كانت الظروف معقدة. إنها فرصة لفرض نوع من الإنصاف كان غائباً، وحضوره ليس كلحظة عابرة، وإنما من خلال مسار طويل.
ثمة جانب مهم أيضاً، لا ينبغي إغفاله، وهو أن في تحقيق العدالة، منع طيّ صفحة الضحايا والصمت عنها، أو الامتناع عن النبش في الماضي، وعدم قسر الذاكرة على النسيان باسم الاستقرار أو الواقعية، كما قد يدعو إليه البعض، بل هو فعلٌ مدان من أفعال المحو.
حين تُدفع العدالة إلى الهامش، لا يجري فقط تجاهل آلام الناس الذين سُحقت حياتهم، بل يُعاد ترتيب التاريخ ذاته على نحوٍ يسمح بتجاهل الطغيان باعتباره مرحلة مضت، لا يصح التوقف عندها، بذريعة التفكير في المستقبل، وبدعوى أن ما جرى من أخطاء يقتصر على ما مضى، بينما هي دونما تزيد، جرائم تخص ما هو قادم أيضاً. إن الصمت عما ارتكب، ولو كان يخص ما سبق، يجعل من التاريخ مقبرة للآلام، صالحة لدفن الجرائم.
إن أخطر ما في تجاوز العدالة، هو أنه يفتح الباب لتجاوز ما تلقناه من أكاذيب طوال عقود، إن التاريخ الذي لا يُسائل نفسه، يتحول إلى سردية من الدجل، لا تُعنى بالحقائق، وتحول الذاكرة، إلى مأوى لتكريس النسيان، إن لم تكن الذاكرة نقدية، فلن يكون الاستبداد انحرافاً يجب فضحه، بل تجربة مختلف عليها، ويصعب التحقق منها، ويستحسن تقييمها بإنجازاتها الاقتصادية والسياسية فقط، كما يتردد في أوساط مشبوهة، ما يسمح بتلافي فسادها على أنه مجرد أخطاء.
العدالة دفاع عن معنى التاريخ بوصفه فعلاً عبر منح الضحايا الحق في كتابته
التلاعب بالتاريخ يعني أن من الممكن طمس حقبة كاملة من الطغيان، بينما تحقيق العدالة، يعني إدانة مطلقة للاستبداد، تقول بوضوح لا لبس فيه، إن الاستبداد ليس خياراً سياسياً بين خيارات، بل هو جريمة في حق البشر. بهذا المعنى، تتحول العدالة إلى إدانة مطلقة للطغيان، لا بوصفه حدثاً تاريخياً منتهياً، بل بوصفه إمكانية لا يجوز أن تتكرر، ويجب إغلاقها نهائياً؛ سياسياً وقانونياً.
لا تكتفي العدالة، في هذا السياق، بإدانة الماضي، بل ترسم حدود المستقبل. فهي تضع خطاً فاصلاً بين ما يمكن قبوله وما لا يمكن التسامح معه، وتُعيد تعريف السلطة بوصفها مسؤولية لا امتيازاً. من دون هذه الحدود، يبقى كل حديث عن المستقبل هشاً، لأن الأسس التي يقوم عليها لم تُحسم بعد. فالعدالة لا تنصف الماضي فقط، بل ترسم مسار التاريخ القادم بإعادة التأسيس للمعايير التي سيُقاس بها المستقبل.
بهذا المعنى، لا يكون إنصاف الضحايا مجرد رد اعتبار لهم فقط، بل دفاعاً عن معنى التاريخ كفعل. فإما أن يكون سجلاً للقوة وحدها، أو يصبح مجالاً للمساءلة. والعدالة، حين تعمل حقاً، تختار المعنى الثاني، وتُصرّ عليه كشرط لبناء مستقبل، لا يُعاد فيه إنتاج القديم. إنها الطريقة الوحيدة لتحويل الألم من عبء صامت إلى وعي فاعل، ومن ذاكرة مجروحة إلى قوة تُحصّن المجتمع.
ما يجب ترسيخه هو أن الجرائم لا تُنسى، ولا يمكن طيّ صفحة ما ارتكب من جرائم دون تصفية الحساب، وأن المستقبل لا يُبنى إلا على مواجهة صريحة مع الماضي. وأن انتصار الضحايا يعني الانتصار للتاريخ الحقيقي.
التاريخ لا يكتبه دائماً الأقوياء، إن العدالة تمنح الضحايا الحق في كتابته.
* روائي سوري
- العربي الجديد






















