أخذت سوريا اليوم مكانها داخل مسار أوسع لإعادة تعريف موقعها ودورها في التوازنات الإقليمية، وهي قناعة تتقدم تدريجياً داخل حسابات عدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين، في مقدمتهم الولايات المتحدة.
وباستثناء المقاربة الإسرائيلية، تتجه غالبية القوى الإقليمية والدولية إلى التعامل مع سوريا الجديدة بوصفها ساحة لإعادة التموضع والتوازن، أكثر من كونها مجرد مساحة صراع مفتوح أو تصفية حسابات إقليمية.
يعود التحول في النظرة إلى سوريا، من أزمة مفتوحة ومهددة إلى مركز فاعل في الحسابات الجيوسياسية، إلى الدور الذي أدته قيادة المرحلة الانتقالية خلال الفترة الزمنية القصيرة التي أعقبت وصولها إلى السلطة.
وقد فتحت مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، والسياسات والممارسات والمواقف التي اعتمدتها القيادة السياسية الجديدة، الطريق أمام هذا التحول في قناعات الفاعلين الإقليميين والدوليين ونظرتهم إلى ما يجري.
من هنا، لا يعد التبدل اللافت في المقاربة الأميركية تجاه الملف السوري مجرد تعديل تكتيكي، بل انتقالاً أعمق في إدراك واشنطن لموقع سوريا داخل منظومة التوازنات الجديدة التي يجري بناؤها في المنطقة.
فإعادة قراءة المشهد السوري لا تنطلق فقط من مراجعة ما يجري داخل الساحة السورية، إنما من تغير جذري في مفهوم الهندسة الجيوسياسية التي قادت واشنطن إلى قبول سوريا اليوم جزءاً من منظومة الربط والتوازن الناشئة في الشرق الأوسط.
لكن هذا التحول في الرؤية الأميركية يحمل معه مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تشكل المدخل الطبيعي لفهم أسباب ودوافع التغيير في المقاربة الأميركية تجاه سوريا، فكيف تعاد صياغة موقع سوريا داخل الحسابات الجيوسياسية الأميركية الجديدة؟ وهل ما يجري هو مجرد إعادة ترتيب لأدوات إدارة الملف السوري بالمنظار الأميركي؟ أم أن هناك تحولاً أعمق في طريقة إدراك دور سوريا وموقعها داخل الإقليم؟
شكلت “ساعة الصفر” السورية، انطلاقاً من إدلب في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قدرات “حزب الله”، العمود الفقري لصمود النظام، الترجمة الميدانية الأولى لتحول في القراءة الأميركية للملف السوري.
بدأ يظهر داخل التفكير الأميركي سؤال مختلف: ألم يحن وقت منع إسرائيل من تحويل الساحة السورية إلى حرب مفتوحة تربك الحسابات الأميركية والإقليمية معاً؟
وقد دفع تصاعد ارتدادات النفوذ الإيراني والروسي في دمشق واشنطن إلى إعادة صياغة تموضعها في التعامل مع سوريا. وكان هذا التحول من بين الأسباب التي قادت الإدارة الأميركية إلى تجاهل جزء كبير من العمليات الإسرائيلية، وربما توفير غطاء سياسي غير مباشر لها.
بدت المقاربة الأميركية في البداية كأنها تتجه نحو خلق فراغ جيوسياسي يسمح بإعادة تشكيل التوازنات داخل سوريا. لكن مع تطور المشهد، بدأ يظهر داخل التفكير الأميركي سؤال مختلف: ألم يحن وقت منع إسرائيل من تحويل الساحة السورية إلى حرب مفتوحة تربك الحسابات الأميركية والإقليمية معاً؟
تتقاطع الإجابة مع مقاربة أميركية ترى أن استمرار الوضع السوري يحمل مخاطر عودة الفوضى وتفاقم عدم الاستقرار الإقليمي، في وقت تظهر فيه واشنطن انفتاحاً على مسار التغيير في سوريا والتعامل مع السلطة السياسية الجديدة، انطلاقاً من أن الاستقرار بات جزءاً من الحساب الاستراتيجي لا نتيجة له.
لم يعد الموقع السوري يختزل في الجغرافيا التقليدية، بل تتزايد أهميته ضمن مسارات جديدة تعيد تشكيل حركة التجارة والطاقة بين شرق المتوسط والخليج العربي والفضاء التركي.
ويعكس ذلك واقعاً جديداً، إذ بدأت واشنطن تنظر إلى الوضع السوري الجديد باعتباره فرصة لإعادة تشكيل التوازنات داخل الإقليم، وهو ما سرع ولادة مقاربات أميركية جديدة تميل إلى تسهيل إعادة تموضع سوريا داخل محيطها العربي والإقليمي، بما يقود واشنطن إلى التعامل مع واقع تتداخل فيه اعتبارات عدة:
- دعم إعادة دمج سوريا داخل محيطها العربي والإقليمي بعد سنوات من العزلة والتباعد.
- تأمين استقرار سوريا بما يسهم في إعادة توازن الإقليم، وتخفيف التوترات، وإعادة فتح قنوات التواصل.
- ترتيب أوسع لمعادلات الشرق الأوسط، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية وممرات الربط الجيوسياسي، من دون تجاهل حصة سوريا وموقعها فيها.
لم يعد الموقع السوري يختزل في الجغرافيا التقليدية، بل تتزايد أهميته ضمن مسارات جديدة تعيد تشكيل حركة التجارة والطاقة بين شرق المتوسط والخليج العربي والفضاء التركي.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك، التي تحدث فيها عن “تقدم ملحوظ” في العلاقات مع دمشق، واعتبار سوريا “مختبراً لتوافق إقليمي”، بوصفها التعبير الأهم عن تحول جذري في اللغة السياسية الأميركية المستخدمة تجاه سوريا.
تحتل سوريا موقعاً جغرافياً حساساً يجعلها جزءاً من شبكة معقدة من التداخلات الإقليمية، حيث تتقاطع فيها مسارات النقل البري، وممرات الطاقة المحتملة، والامتدادات الجيوسياسية بين المشرق وشرق المتوسط.
وتكشف هذه الإشارات أن التبدل في المقاربة الأميركية تجاه سوريا لا يمر فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل عبر إعادة صياغة تدريجية للغة السياسية المستخدمة في توصيف المشهد السوري.
من هنا، فالموقع السوري لا يُختزل في الجغرافيا التقليدية، بل تتزايد أهميته ضمن مسارات جديدة تعيد تشكيل حركة التجارة والطاقة بين شرق المتوسط والخليج العربي والفضاء التركي.
ولم يعد الموقع السوري الجديد يقرأ من زاوية الجغرافيا أو الاصطفاف السياسي فقط، بل من زاوية الدور الذي يمكن أن يؤديه داخل منظومات الربط الاستراتيجي في الإقليم، بما يمنح سوريا موقعاً محورياً في إعادة صياغة توازنات الشرق الأوسط، ويعيد تعريف موقعها في الحسابات الاستراتيجية الأميركية.
وبهذا المعنى، فالسؤال لن يبقى مرتبطاً بما يجري داخل سوريا فحسب، بل بموقعها في هندسة الإقليم المرتقبة داخل العقل الاستراتيجي الأميركي.
- تلفزيون سوريا
























