تشهد العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة والدول الأوروبية والغربية، تحولاً لافتاً في طبيعة الملفات المطروحة على طاولة اللقاءات الرسمية، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت قضايا الحريات العامة والانتقال السياسي والانتخابات الديمقراطية لا تزال تحتفظ بموقعها التقليدي في الأجندة الغربية، أم أن التطورات الأمنية والاقتصادية دفعت تلك الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها بما يتوافق مع مصالحها المباشرة.
ويرى محللون سياسيون أن كثيرين لا يزالون يتوهمون أن العواصم الأوروبية والغربية تضع في مقدمة لقاءاتها مع المسؤولين السوريين، ملفات الحريات العامة والانتقال السياسي والانتخابات الديمقراطية وحقوق الأقليات وملف اللاجئين، إلا أن الواقع، حسب توصيفهم، يبدو مختلفاً إلى حد كبير، إذ تكاد الأجندة الأوروبية تنحصر اليوم في ملفين رئيسيين هما الأمن والاقتصاد.
ويؤكد هؤلاء أن هذا التوجه يعكس “المنطق التقليدي للسياسة الدولية”، حيث تتقدم المصالح الاستراتيجية والاستقرار الأمني على الاعتبارات الأخرى، خصوصاً في مرحلة إقليمية مضطربة تشهد تحولات متسارعة في ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي.
أولويات جديدة تتقدم على الخطاب السياسي
وحسب محللين، فإن الأولويات الغربية الحالية تجاه سوريا ترتبط بشكل مباشر بمصالح الدول الأوروبية، وفي مقدمتها منع عودة الفوضى وضبط الحدود والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، إلى جانب البحث عن فرص اقتصادية واستثمارية محتملة في مرحلة إعادة التعافي.
ويرى المحللون أن الحديث عن آليات الحكم والانتخابات الديمقراطية والتمثيل السياسي، لم يعد يحتل سوى مساحة محدودة ضمن النقاشات السياسية الراهنة، مقارنة بالملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار الاقتصادي.
كما يشدد محللون على أن المرحلة الحالية تتطلب مشاركة السوريين أنفسهم في بناء أولويات تتقاطع مع المصلحة العامة، عبر التركيز على ملفات مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وتوسيع المشاركة المجتمعية في قطاعات التعليم والثقافة والخدمات، إضافة إلى العمل على بناء عقد اجتماعي أكثر تماسكاً.
ويعتبر مراقبون أن وجود حياة سياسية فاعلة لا يقتصر على الصراع حول السلطة وآليات الحكم فقط، بل يشمل أيضاً تطوير أدوات الرقابة المجتمعية وتحسين الإدارة العامة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
اللاجئون في صدارة الاهتمام الأوروبي
ويبرز ملف اللاجئين السوريين في أوروبا كأحد أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة للعواصم الأوروبية، لا سيما في ظل تصاعد الضغوط الداخلية التي تواجهها الحكومات الأوروبية بسبب ملفات الهجرة والاندماج والأمن الاجتماعي.
وباتت قضية “العودة الطوعية” وآليات تنظيمها، تحتل موقعاً متقدماً في النقاشات الأوروبية المتعلقة بسوريا، بالتوازي مع محاولات تقييم البيئة الأمنية والخدمية داخل البلاد ومدى قدرتها على استيعاب العائدين.
كما ترتبط هذه المقاربة الأوروبية، بمخاوف متزايدة من تنامي التيارات اليمينية في أوروبا، والتي تستخدم ملف اللاجئين كورقة ضغط داخلية في الانتخابات والنقاشات السياسية.
البراغماتية تحكم الموقف الغربي
وقال الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، الدكتور سمير العبد الله، في حديثه لـ “المدن”: “أعتقد أن الدول الغربية تتعامل مع الملف السوري بقدر كبير من البراغماتية، إذ إن هناك ملفات تعتبرها أولوية، وعلى رأسها الملف الأمني وقضية اللاجئين والمهاجرين ومسألة المقاتلين الأجانب، إضافة إلى ملف المخدرات، بعدما كانت سوريا في عهد النظام البائد من أبرز الدول المرتبطة بتصديرها”.
كما برز مؤخراً عامل جديد يتمثل في أمن الطاقة، والبحث عن مسارات بديلة لنقلها، خصوصًا بعد الحرب على إيران، وهو ما أعاد تسليط الضوء على الموقع الجغرافي لسوريا وأهميته الاستراتيجية، حسب العبد الله.
وفي المقابل، “لا تغيب عن الاجتماعات والنقاشات مع الجانب السوري ملفات حقوق الإنسان والأقليات والحريات العامة ومسار الانتقال السياسي، إذ تبدي تلك الدول خشية واضحة من عودة الفوضى وعدم الاستقرار إلى سوريا”، حسبما يقول العبد الله، ولذلك، “تحاول الدول الغربية ممارسة قدر من الضغط على الإدارة الانتقالية لدفعها نحو التقدم في هذه الملفات، باعتبار أن تحقيق الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتم فقط عبر المعالجات الأمنية، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة سياسية وقانونية أكثر توازنًا”.
وتابع العبد الله: “بشكل عام، لا يبدو أن الحكومة السورية تعارض التقدم في بعض هذه الملفات، كالجوانب الخدمية والإدارية أو ملفات الحريات العامة نسبيًا، إلا أن ملف الانتقال السياسي والتمثيل السياسي ما يزال ضبابيًا وغير واضح المعالم حتى الآن”.
وختم بالقول: “تبدو الدول الأوروبية اليوم أكثر ميلاً إلى البراغماتية وتغليب اعتبارات الأمن والاستقرار ومصالحها المباشرة على الخطابات السياسية التقليدية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة أن بعض هذه الدول كانت قد أعادت تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد قبل سقوطه، رغم سجله المعروف في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب”.
القيم الأوروبية لم تختفِ بالكامل
من جهته، قال الكاتب في الشأن السياسي عبد الرحيم خليفة، في حديثه لـ”المدن”: “كلّ هذه الملفات تُعدّ بالغة الأهمية في إطار العلاقة والشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، ولا شكّ في أنّ هناك قضايا أخرى تحظى أيضاً بدرجة عالية من الأهمية، ولها أولوياتها الخاصة، لكنّ هذه الملفات ليست جميعها على الدرجة نفسها من الاهتمام لدى الجانبين، فربّما تتقدّم اليوم قضية عودة اللاجئين من أوروبا على سائر القضايا، باعتبارها وثيقة الصلة بالأمن والهوية والاندماج”.
ومن ثوابت السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي ودوله، حسب خليفة، الاهتمام بقضايا الحريات العامة وحماية الأقليات وحقوق الإنسان في الدول الأخرى، إذ تُعدّ هذه الملفات معايير أساسية في تقييم مدى صلاحية الحكم ورشده.
وأضاف: “في الوقت نفسه، يدرك الاتحاد الأوروبي أنّ سوريا تمرّ بمرحلة انتقال سياسي قد لا ترقى بالكامل إلى معايير التمثيل والشفافية والمصداقية المطلوبة، وهو ما يفرض على الطرفين مقاربة واقعية تراعي تعقيدات المرحلة”.
وختم قائلاً: “تبقى المصالح الاستراتيجية والاستقرار ركيزتين أساسيتين في العلاقات، من دون تغييب قضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الأقليات، بوصفها جزءاً من المنظومة القيمية التي يستند إليها الاتحاد الأوروبي في سياسته الخارجية”.
توازن بين المصالح والاستقرار
ويبدو من مجمل المواقف والتحليلات أن العلاقة بين الغرب والحكومة السورية الجديدة تتجه نحو صيغة أكثر براغماتية، تتقدم فيها اعتبارات الأمن والاستقرار والاقتصاد والطاقة على الشعارات السياسية التقليدية، مع استمرار حضور ملفات الحريات والانتقال السياسي ولكن بدرجات متفاوتة.
وفي ظل التعقيدات الإقليمية والدولية الحالية، تبدو العواصم الأوروبية أقرب إلى تبني مقاربة الإدارة الواقعية للملف السوري، عبر البحث عن شريك قادر على ضبط الحدود والحد من تدفقات الهجرة وتحقيق قدر من الاستقرار، بالتوازي مع الإبقاء على ضغوط سياسية محدودة مرتبطة بحقوق الإنسان والإصلاح السياسي.
- المدن






















