في خطوة غير محسوبة العواقب، أعلنت وزارة الاقتصاد في سورية عن تسعيرة طن القمح للفلاحين لموسم 2026 بسعر متدنٍ، 46 ألف ليرة سورية جديدة (335 دولاراً حسب سعر الصرف وقت صدور القرار)، ما استدعى اعتراضاً واسعاً من مزارعي القمح في أكثر من محافظة، نزولاً إلى الساحات، ولقاءات بالمحافظين، واعتراضاً من اتحاد الفلاحين في درعا، وعبر وسائل الإعلام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، على اعتبار أن هذا السعر لا يتناسب مع كلفة إنتاج طنِّ القمح التي تراوح بين 500 و600 دولار، كما اعترضوا على تسعير القمح باللّيرة السورية، التي تتراجع قيمتها دراماتيكياً، في حين أنّهم يدفعون تكاليف الوقود والزراعة والحصاد بالدولار. حتى ساعة كتابة هذا النص، لم تعدِّل الوزارة قرارها، كما لم تصدر عنها أي ردود؛ إلا أن الرئيس أحمد الشرع أصدر مرسوماً يقضي بمنح مزارعي القمح مكافأة تشجيعية إضافية قدرها تسعة آلاف ليرة سورية جديدة عن كلِّ طن من القمح يتمّ تسليمه، ليبقى سعر طن القمح والمكافأة دون المردود المقبول للفلاحين. وجاء قرار الوزارة ضمن سياسات اقتصادية عامة تنتهج تحرير الأسواق كليّاً، والتخلي عن أي دعم للمنتوجات الزراعية، ومنها القمح، وتراجع تمويل برامج الدعم الدولية والمنظمات غير الحكومية المعنية بالأمن الغذائي. وكانت السلطة الجديدة قد رفعت سعر ربطة الخبز مرّات، أوّلُها منذ وصولها إلى دمشق من 250 إلى 4000 ليرة سورية، ثم في فبراير/ شباط 2025، قلصت وزن الربطة من 1500 إلى 1200 غرام، وقبل أيام أعادت الكرة بإنزال الوزن إلى 1050 غراماً.
وفق ما تعتبره السلطة تحريراً للأسواق، تتعاطى مع القمح والخبز كسلعة تخضع لمنطق الربح والخسارة؛ وهي هنا لا تدرك أهمِّيَّتهما المحورية في تحقيق الأمن الغذائي في سورية (40% من غذاء السوريين، وخلال الحرب أصبح 54%)، ودورهما ضمن القطاع الزراعي الذي من الصعب أن يحقق نموّاً واستدامة ويساهم في تحقيق الأمن الغذائي والسيادة الغذائية دون دعمٍ من الدولة يشمل كلَّ مراحل الإنتاج الزراعي والحيواني والنقل والتوزيع والصناعات المرتبطة بهما. ولطالما اعتُبر الخبز في نظر السوريين رمزاً لمسؤولية الدولة في إطعام مواطنيها، وبالتالي دعم المزارعين جزء من هذه الثقافة، خصوصاً أن غالبيَّتهم العظمى من الفقراء، وهم أيضاً من يستهلكون الخبز المدعوم. إلَّا أن لقصَّة الخبز والقمح السوريين أبعاداً أعمق من هذه الاعتبارات، إذ كان توفير الخبز أداةً سياسية لإخضاع السوريين قبل الثورة، وأداة حرب ضدّهم خلالها.
الحرمان من الخبز أصبح من أكثر أدوات الحرب فعالية في تحديد قدرة صمود المناطق المحاصرة
طوال عقود، تبنّت السياسات الحكومية السابقة شبكة معقَّدة من الدعم للقمح باعتباره محصولاً استراتيجياً، شمل البذار والمبيدات والأسمدة والمياه والمحروقات وخطوط ائتمان وتأمين ضد الكوارث، مقابل احتكار الحكومة المحصول وشرائه بالكامل، فبعد الإصلاحات الزراعية في الخمسينيات والستينيات، أصبح الفلاحون مقاولين لسياسات الدولة الزراعية، بوصفهم أصحاب الأراضي الخاصة، والقطاع العام يحتكر شراء القمح وطحنه ونقله. لذلك تبنَّت الحكومة تشجيع الاكتفاء الذاتي عن طريق سياسات الدعم. وهذا جعل الأمن الغذائي في السبعينيات عند حدود الكفاف، وشهدت العقود اللاحقة تقلُّبات وتراجعات في قطاع الزراعة بسبب سوء إدارة الموارد، خصوصاً المياه، وعدم اتِّباع طرق الرّي الحديث، ومواسم الجفاف، وسياسات الانفتاح الاقتصادي منذ الثمانينيات باتجاه الصناعات الخدمية، ما قلَّص حصة القطاع الزراعي من الناتج المحلي من الثلث في السبعينيات إلى الخمس في بداية الألفية، قبل أن تنهار إلى مستوياتٍ أقل قبيل احتجاجات 2011. وأصبحت سياسات الدَّعم مكلفة في ظلِّ سوء إدارة الموارد وتراجع عدد المشتغلين في الزراعة، ما دفع الأسد الابن إلى تبنّي سياسات الرفع التدريجي للدعم عن الكيماويات المستخدمة (الأسمدة والمبيدات)، ثم صدمة رفع الدعم عن المحروقات في 2008 التي أثَّرت مباشرة على أسعار القمح، وأحدثت اضطرابات في المخابز، قبل تسوية الأمر بتخصيص حصصٍ من الوقود المدعوم للمخابز. كانت السياسات الحكومية في العقد الأول من عهد بشار الأسد تتَّجه بتسارع إلى انفتاح اقتصادي أكبر غير محسوب العواقب، في خطوة أعادت تنظيم العقد الاجتماعي وتوزيع الثروة والسلطة. ومنذ 2005، تم تطبيق سياسات التقشّف التي آلمت الفقراء والضعفاء. ولم يكن الخبز والجوع عنوان انتفاضة 2011، إلّا أنَّ من صمدوا أمام وحشية نظام الأسد وحملوا السلاح في فصائل مختلفة التوجهات هم أبناء الريف الأكثر فقراً.
الحلول الترقيعية التي هدَّأت الشارع في إدلب يوماً لا تنفع مع كل الجغرافية السورية اليوم
وإذا كانت سياسة الدعم المعقّد الذي تبنَّاه النظام السابق في مراحل متعاقبة قبل الثورة، تراعي تأمين حدود الكفاف، إلا أن الحرمان من الخبز أصبح من أكثر أدوات الحرب فعالية في تحديد قدرة صمود المناطق المحاصرة، وقدرة تلك المناطق على الحكم الذاتي؛ بدليل استهداف الأفران من الطيران الروسي 174 مرّة، قتلت 806 أشخاص خلال سنوات الصراع. كما أن قرابة 2.5 مليون سوري عانوا من الحصار بين 2015 و2018، وذروتها 970 شخصاً خلال 2017، وكان لذلك دورٌ كبير في خيار المصالحات وتسليم المناطق، إضافة إلى تفشّي الفساد واحتكار الموارد من الفصائل المسيطرة على تلك المناطق. يضاف إلى هذا أن تقنين الدعم عبر البطاقة الإلكترونية للمواطنين في مناطق النظام كان لا يشمل المطلوبين منهم أو غير الملتحقين بالخدمة العسكرية، إضافة إلى كل السوريين المقيمين في مناطق خارج سيطرته. وكذلك استُخدِم الخبز والقمح أداة سياسية بين أطراف الصراع المختلفة، عبر محاولة الحصول على القمح ومنع آخرين من ذلك، وحرق الحقول، وشراء القمح بأسعار أعلى من الأسواق المحلية، والاستيلاء على الأراضي الخصبة في المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها، ونشاط شبكات التهريب، فيما كان دور المساعدات الدولية استجابة طارئة لا تحمل حلولاً ذات أثر كبير.
بالعودة إلى قرار وزير الاقتصاد ومرسوم مكافأة الرئيس، الذي لم يعلن عنه إلا بعد ثلاثة أيام من صدوره، فإن سياسة السلطة الحالية تحاكي شكل التعاطي مع القمح والخبز في إدلب خلال سنوات سيطرة هيئة تحرير الشام عليها، فقد أثّر غياب الدعم عن الزراعة على منتوج القمح بشكل حادّ، بدا واضحاً بانهيار نسبة الطحين المحلي المستخدمة في صناعة الخبز من 32% إلى 10% بين عامي 2020 و2021، وباقي النسبة يتم استيرادها. وبات نصف السكان لا يستطيعون الحصول على الخبز بسبب غلائه، ما قاد إلى غضب شعبي وتظاهرات، اضطرت الرئيس الشرع إلى التعهد بثلاثة ملايين دولار لدعم الطحين والوقود في 85 مخبزاً. إلّا أن الحلول الترقيعية التي هدَّأت الشارع في إدلب يوماً لا تنفع مع كل الجغرافية السورية اليوم في ظل الاحتياجات الكبيرة التي تتجاوز عتبة الأمن الغذائي إلى مطالب تحتاج انفتاحاً ومشاركة واسعة في القرار، من أجل انطلاق عجلة الاقتصاد باتجاه يحقق الاستدامة ويصيغ عقداً اجتماعياً أكثر تشاركية وعدالة وشفافية، ويحقق السيادة الغذائية التي تضع حدّاً لأي تسييس محتمل لقوت السوريين. لا يبدو أن تفكير صانعي القرار السوري يدور في هذا الإطار، فقرارات رفع أسعار الطاقة بأنواعها كفيلة بتعطيل كل أفق الحلول الاقتصادية التنموية، وهذا الانتقال من سياسة دعم الدولة لمواطنيها إلى سياسة منحهم المكافآت محاولة تبدو بائسة في ظل شحّ الموارد وسوء إدارتها، وفي العودة إلى سياسة استخدام الخبز أداةً لإخضاع السوريين.
- العربي الجديد






















