عند الحديث عن مرحلة انتقالية، وخصوصا ما بعد سقوط أنظمة الاستبداد، فهو حديث عن مرحلة مفصلية ملتبسة شديدة الحساسية لأن المآزق والعقبات التي تواجهها الحكومات الانتقالية تكاد تكون حتمية لا مفر منها رغم تكرارها هنا وهناك. بمعنى أن الشعوب لا تستفاد من خبرات غيرها، وكأن مخاطر المراحل الانتقالية قدر محتوم.
سياسات انتقالية ملتبسة
تشهد الدول التي تسقط فيها أنظمة استبدادية وانتقال السلطة إلى قوى ثورية جديدة هيمنة أجواء التفاؤل الثوري، ويرتفع سقف التوقعات وسط المطالبة بالتخلص الشامل من جميع رموز الاستبداد واستعجال جني ثمار الثورة. إلا أنه في ظل التدهور الاقتصادي بسبب محدودية الموارد الاقتصادية، واتساع الانفلات الأمني في مرحلة ما بعد الثورة تنقلب مشاعر التفاؤل إلى مشاعر بعدم الأمان والسخط الناتج عن الإحساس بعدم الوفاء بالوعود وعدم استشعار تغير حقيقي بعد الثورة.
وهكذا تبدأ الفجوة بين ضخامة الانتظارات وتواضع المكاسب الثورية بالتعاظم، وتبدأ مشاعر الناس تنقلب إلى مزيج من الغضب والاستياء من فشل الأنظمة الانتقالية في ترجمة أهداف الثورة وشعاراتها وعلى رأسها العدالة الاجتماعية إلى واقع؛ على الرغم من جميع التضحيات والأرواح التي أزهقت. نتيجة ذلك؛ تنشأ بيئة سياسية واجتماعية محتقنة وهشة يصعب التحكم بها، وهو ما ينتج عنه سياسات انتقالية ملتبسة تفتقر إلى الهندسة الذكية والحس الاستشرافي.
إن المبالغة في تصيد هفوة لفظية لمسؤول ما، وهفوة سلوكية لمسؤول آخر، والتعليق على الملبس تارة والمأكل تارة، وموكب المسؤول تارة أخرى ربما هو ظاهرة صحية تساعد في ضبط سلوك هؤلاء.
الرقابة الشعبية
يترجم الناس استياءهم بأساليب مختلفة، وهذه الأساليب بالعموم سلوك مربك للحكومة؛ يدفعها لاتخاذ قرارات وإجراءات لم تكن في سياق برنامجها. صحيح أن الرقابة الشعبية تسهم في تحسين الأداء العام وتساعد في الكشف المبكر عن الثغرات والفساد، وتوفر تغذية راجعة مستمرة لقياس مدى نجاح السياسات، إلا أن هذه الرقابة عندما تكون ناتجة عن سخط واستياء تتحول إلى ما يمكن أن نسميه “الرقابة الكيدية” بحيث ينطبق عليها قول الشافعي:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
إن المبالغة في تصيد هفوة لفظية لمسؤول ما، وهفوة سلوكية لمسؤول آخر، والتعليق على الملبس تارة والمأكل تارة، وموكب المسؤول تارة أخرى ربما هو ظاهرة صحية تساعد في ضبط سلوك هؤلاء. لكن الأمر ليس دائما على هذا المنوال، ففي فترات الانتقال السياسي قد يؤدي الضغط الزائد إلى تغول المجتمع على حساب الدولة، وغلبة شرعية الشارع على حساب شرعية المؤسسات؛ ما يؤدي إلى تراجع الوظائف التوزيعية للدولة على مستوى الأمن والتنمية وفرض سيادة القانون.
مأزق الخبرة الإدارية
في كثير من الأحيان تكون المرحلة الانتقالية أشبه بحقل ألغام يحتاج تجاوزه لمزيد من الحنكة والخبرة، إلا أن طبيعة المرحلة تجعل من مسألة الخبرة مأزقا حقيقيا، فالثورة التي أطاحت بنظام الاستبداد تنقل السلطة إلى قوى ثورية جديدة، ومع وصول هؤلاء إلى السلطة، يواجهون تحديًا مزدوجا؛ فالحماس الثوري من جهة، ونقص الخبرة الإدارية من جهة أخرى. وأمام الحاجة الملحة إلى الخبرة تجد القوى الثورية نفسها في مواجه تحد جوهري لا مجال للمناورة أمامه.
إن الخيارات المتاحة أمام القوى الثورية التي تبوأت السلطة محدودة جدا، فإما الاعتماد على خبراء من النظام السابق ممن يمتلكون الكفاءة الإدارية، أو المخاطرة بإدارة الدولة بمستوى محدود من الخبرة. وفي كلا الحالتين يبقى مأزق الخبرة مصدر قلق للحكومة، فهي إن اعتمدت على رموز النظام القديم أثارت غضب الشارع الذي سيرى في ذلك خيانة للقيم الثورية، بينما عدم الاستعانة بهم قد يعرض الدولة للفراغ الإداري، بالتالي للفوضى وضعف الأداء.
إن التحديات التي تواجه الحكومات الانتقالية بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية ليست دليلا على فشل الثورات، بل هي جزء من تعقيدات الانتقال من منطق المعارضة إلى منطق الدولة.
تآكل الثقة
نتيجة لضعف الخبرة يقع البعض من أفراد الحكومة ببعض الأخطاء، تتراوح بين تصريح لا يصح أن يصدر عن مسؤول، وتناقض في التصريحات، والإدلاء بمعلومات تفتقر إلى الدقة، وأشياء من هذا القبيل. وهذا بدوره يصبح مادة للتندر والسخرية، وبالتالي لفقدان الهيبة الرمزية للسلطة. وفي أحسن الأحوال تؤدي هذه الهفوات إلى إضعاف صورة الكفاءة، فالناس تربط الاتساق بالقدرة على الإدارة، بينما يفسر التناقض المتكرر على أنه غياب الرؤية الواضحة.
من جهة أخرى، تدفع الهفوات والأخطاء التي يقع فيها بعض أعضاء الحكومة المجتمع إلى مزيد من الاستقطاب، فمؤيدو الحكومة ومعارضوها سوف يتعاملون مع التناقضات والأخطاء بشكل مختلف، فبينما يعتبرها المعارضون دليلا على الفشل ونقص الكفاءة، ينشغل المؤيدون على المقلب الآخر بالبحث عن التبريرات. وهكذا ترتفع حدة النقاش والتراشق اللفظي الذي قد يصل إلى درجة الاحتقان. لكن الأسوأ بالنسبة إلى الحكومة أن تكرار الأخطاء كثيرا قد يدفع ببعض المؤيدين لفقدان الثقة بها.
إن التحديات التي تواجه الحكومات الانتقالية بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية ليست دليلا على فشل الثورات، بل هي جزء من تعقيدات الانتقال من منطق المعارضة إلى منطق الدولة. فالثورة تستطيع إسقاط نظام قائم، لكنها لا تنتج تلقائيا مؤسسات فاعلة ولا خبرات جاهزة لإدارة بلد مثقل بالأزمات. ومن هنا فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب بناء مقاربة متوازنة تجمع بين الحفاظ على الشرعية الثورية ومتطلبات الكفاءة الإدارية؛ وذلك عبر الاستفادة من الخبرات المهنية وفق معايير الكفاءة والنزاهة لا الولاءات السابقة، وإنشاء مؤسسات انتقالية مستقرة، وتدريب كوادر جديدة قادرة على إدارة الدولة، إلى جانب إدارة التوقعات الشعبية بقدر أكبر من الصراحة والواقعية. فنجاح المراحل الانتقالية لا يتحقق بإرضاء الشارع في كل لحظة، ولا بعزل المجتمع عن الرقابة والمساءلة، وإنما بإقامة علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع تجعل من الثورة بداية لبناء مؤسسات قوية، لا مجرد لحظة لإسقاط سلطة قائمة.
- تلفزيون سوريا























