صدمت التطورات في قضية الطبيبة رانيا العباسي وأطفالها، الشارع السوري، وأعادت التذكير بملفين هما الأكثر تعقيداً من بين الملفات الشائكة في المشهد السوري، ويحضران باستمرار في النقاش الوطني، الأول مصير عشرات آلاف المفقودين ومن بينهم آلاف الأطفال والنساء، والثاني مسار العدالة الانتقالية والذي يبدو أنه ليس من أولويات الإدارة السورية بعد إسقاط نظام بشار الأسد، نهاية 2024.
وفي تطور يتعلق بالقضية التي شغلت السوريين نحو 13 عاماً، أعلنت “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سورية، في بيان السبت الماضي، توصلها لنتائج “موثوقة ومتقاطعة تسمح باستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني وفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي”، مشيرة إلى أن الاستنتاجات التي توصلت إليها “جاءت نتيجة مجموعة من التحقيقات والمعطيات والتحليلات المتقاطعة التي خضعت للمراجعة والتقييم المهني”. وذكرت الهيئة أن الجهود المتعلقة بالعثور على الرفات وتحديد أماكن وجودها ما تزال مستمرة بالتنسيق مع الجهات المختصة، مؤكدة التزامها العمل “على كشف مصير المفقودين في سورية بمنهجية مهنية وإنسانية وقانونية، تضع كرامة الضحايا وحقوق العائلات وحقها في المعرفة في مقدمة أولوياتها”.
قضية رانيا العباسي وأولادها
وتعود قضية العباسي وأولادها إلى عام 2013، حين اعتُقلت مع أطفالها الستة وزوجها عبد الرحمن ياسين من قبل أجهزة نظام الأسد بسبب تقديم مساعدات إنسانية لنازحين من محافظة حمص إلى دمشق، نتيجة الحملة العسكرية واسعة النطاق التي شنتها قوات النظام البائد آنذاك. واختفى أثر العباسي -وكانت طبيبة أطفال- وأولادها (وزوجها) منذ ذلك الحين حتى اعترف أمجد يوسف (اعتقل في إبريل/ نيسان الماضي)، الذي كان صف ضابط في الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، ونفّذ مجزرة حي التضامن الشهيرة في دمشق (2013)، بقتل الأطفال الستة مع أطفال آخرين ونساء. وقالت وزارة الداخلية السورية، في بيان أمس الأحد، إن التحقيقات الأولية أظهرت تورط أمجد يوسف في الجريمة، مؤكدة استمرار الجهات المختصة في استكمال التحقيقات وجمع الأدلة وملاحقة متورطين محتملين تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.
حسان العباسي: نطالب بالكشف عن المعلومات المتعلقة بالأطفال المغيبين وحماية مسارح الجرائم ورفات الشهداء
وفي حديث مع “العربي الجديد”، طالب حسان العباسي (شقيق رانيا)، الدولة بـ”الكشف عن المعلومات المتعلقة بالأطفال المغيبين وحماية مسارح الجرائم ورفات الشهداء”، مضيفاً أنه “ربما هناك أبنية تُبنى على رفات أطفالنا في حي التضامن”. وأوضح أن “ثلاثين عنصراً داهموا منزل رانيا واقتادوها مع أطفالها ومنهم من هو معروف باسمه”، مشدداً على أن “الأمر ليس محصوراً فقط بأمجد يوسف، ويجب أن يكون هناك مسار تحقيق جدي لمحاسبة كل المجرمين”. كما يجب بحسب حسان العباسي، أن “يكون هناك مسار جدي للعدالة الانتقالية يبدأ من أرشفة الوثائق وينتهي بقضاء مستقل”، معتبراً أن كل هذه القضايا المهمة غائبة عن المشهد اليوم.
من جانبه، بيّن مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ الشبكة “وثقت اختفاء رانيا وأطفالها منذ عام 2013، حين اعتُقلت مع زوجها وأطفالها الستة في مارس/آذار من ذاك العام، إثر اقتحام منزلها في حي دمّر بدمشق”. وأوضح أنه “على مستوى التوصيف الجنائي، فإن قتل أطفال محتجزين بأسلحة نارية وأدوات حادة يشكّل انتهاكاً صريحاً للمادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولاتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المادة 37 منها، التي صادقت عليها سورية عام 1993، فضلاً عن احتمال اندراجه ضمن الجرائم ضد الإنسانية، وفق المادة 7(1)(أ) من نظام روما الأساسي (للمحكمة الجنائية الدولية)، متى ثبت السياق الممنهج”.
وتُجسّد قضية أطفال رانيا العباسي بصورة نموذجية، وفق عبد الغني، النمط الإجرامي الذي كشفت عنه تقارير الشبكة الدورية السنوية عن حقوق الأطفال في سورية: اعتقال، فاختفاء، فقتل، ثم إخفاء للرفات. وبيّن أن الشبكة “وثّقت في تقريرها السنوي الـ14 الصادر بمناسبة يوم الطفل العالمي 2025، مقتل ما لا يقل عن 30686 طفلاً في سورية منذ مارس 2011 وحتى 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025″، مشدداً على أن “النظام السوري البائد يتحمل المسؤولية عن 76% من هذه الحالات، أي ما يعادل 23138 طفلاً”. كما بيّن أن “عدد الأطفال الذين لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري على يد جميع الأطراف يبلغ 5359 طفلاً، من بينهم 3736 طفلاً على يد قوات النظام البائد”. وأضاف أن “هذه الأرقام تتضمن أطفالاً احتُجزوا في مراكز اعتقال تابعة للمخابرات العسكرية والجوية وأمن الدولة، وقد وثّقت الشبكة وفاة 225 طفلاً تحت التعذيب، شكّلت مراكز احتجاز النظام مسرحاً لـ216 حالة منها، أي ما يعادل 96%”. وأوضح أن “هذه الأرقام تعكس الحد الأدنى الموثّق، لا الحجم الفعلي للانتهاكات”، مضيفاً أن “الفجوة بين الموثّق والواقع، في ظل القيود المفروضة على التوثيق الميداني وانعدام الوصول إلى مرافق الاحتجاز، تشكّل في حد ذاتها دليلاً على المنهجية والتعمّد، كما تمثل ركيزة أساسية في الحجج الرامية إلى التوصيف الجنائي للوقائع بوصفها جرائم ضد الإنسانية”. وأشار إلى أن “الكشف عن مصير المفقودين، بما في ذلك إغلاق ملف أطفال رانيا العباسي، شرط لا غنى عنه لأي مسار حقيقي للعدالة الانتقالية في سورية”.
مسار العدالة الانتقالية
وكانت الإدارة السورية قد شكلت العام الماضي هيئتين، الأولى تُعنى بالمفقودين والثانية معنية بمسار العدالة الانتقالية، والذي ما يزال ينتظر انعقاد المجلس التشريعي لإقرار قانون يحاسب على أساسه المتهمين بارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية، فالقانون الجنائي السوري لا يشمل هذه الجرائم.
رديف مصطفى: لا بد من محاكمة هؤلاء المجرمين ومعهم كل رموز وأركان النظام البائد
وتعليقاً على قضية أطفال العباسي، اعتبر المحامي رديف مصطفى، وهو عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أن “مسار العدالة والمحاسبة والمحاكمة هي ممر إجباري للسلام والاستقرار”، مضيفاً لـ”العربي الجديد”، أنه لا بد من محاكمة هؤلاء المجرمين ومعهم كل رموز وأركان النظام البائد وفقاً للقانون. ووفق مصطفى، فإن “مسار العدالة الانتقالية في سورية شامل ليس انتقامياً ولا انتقائياً، ولن ندع هؤلاء المجرمين يفلتون من العقاب“، مضيفاً أن ” كشف الحقيقة وكشف المصير ومحاسبة المجرمين هو حق للضحايا”.
إلى ذلك، ما تزال الأنباء متضاربة حول الطريقة التي تمت بها عملية القتل، وفق الحقوقي غزوان قرنقل، الذي طالب في حديث مع “العربي الجديد” بأن يكون مسار العدالة الانتقالية “واضح المعالم”. وفي رأيه، فإن “السلطة تتاجر بهذا المسار، فيما تظهر أوراق بعض المجرمين والمتهمين لتشغل الشارع عن سياساتها الفاشلة”.
غزوان قرنقل: ما دام ليست هناك شراكة دولية في ملف العدالة الانتقالية لن يكون هناك تقدم في هذا المسار
واعتبر أنه “ما دام ليست هناك شراكة دولية في ملف العدالة الانتقالية لن يكون هناك تقدم في هذا المسار”، مشيراً إلى أن السلطة أجرت “مصالحات وتسويات”، مع مرتكبي جرائم كبرى بحق السوريين. وشدد على أن “ملف العدالة شائك بالنسبة للسلطة لذا تحاول طيّه وتجاهله بشكل دائم”.
وأبدى قرنفل استغرابه من “صمت” منظمات حقوقية عن “عبث السلطة تجاه ملف العدالة الانتقالية”، مشيراً إلى أنه “يتفهم عدم جرأة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على طرح الملفات كما يجب طرحها، لأن الحكومة شكلتها“. أما المنظمات الحقوقية، وفق قرنفل، والتي “يُفترض أن تكون مستقلة، فتغض الطرف عن هذا العبث، وهذا معيب”، لافتاً إلى أن “هناك العشرات من أمثال أمجد يوسف على الضفة الأخرى، وهناك العشرات من مناصري النظام البائد، دعموه بالمال والسلاح لارتكاب الجرائم بحق المدنيين، ولكن السلطة تغض الطرف عنهم”. وقال إن “ما يجري ليس عدالة انتقالية، ولا أعتقد أن السلطة ستقدم أكثر في هذا الملف”.
- العربي الجديد
























