من المفارقات القاسية في تاريخ سوريا الحديث أن الأرض التي أطعمت البلاد لعقود، وزوّدت مدنها بالقمح والنفط، كانت دائماً آخر من ينال نصيبه من مشاريع الدولة. فمنذ نشأة سوريا الحديثة قبل نحو 100 عام، ظلّ شرقها، الممتد من الرقة إلى دير الزور والجزيرة، يعيش حالةً معقّدة من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالرغم من وقوعه في قلب الاقتصاد الوطني.
هناك، حيث تنتشر أكبر المحاصيل الزراعية بين أراضي الفرات وتفرعاته، وتختبئ الثروات الطبيعية في باطن أراضيه، لم تُبنَ مدنه كما يجب، ولم تُعبَّد طرقه أو تُنشأ الجسور فيه كما يليق بمنطقة تحمّلت -ولا تزال- عبء حماية اقتصاد البلد واستقرار أمنه الغذائي.
على مرّ السنين، بدا تهميش المنطقة وكأنه ثقافة حكم متوارثة، غير مُعلنة، داخل أروقة الدولة السورية التي غالباً ما كانت تنظر إلى الشرق باعتباره منطقة حدودية، أمنية وخزّاناً للموارد. فمع عهد الانتداب الفرنسي وبداية الاستقلال، تركزت السلطة والثروة والخدمات في دمشق وحلب وحماة، بينما تُركت مناطق الفرات، بمساحاتها الشاسعة وبعدها عن المركز، خارج مشاريع التنمية الحقيقية. ومع تعاقب الحكومات، ترسّخت الفجوة أكثر، حتى أصبح الإهمال جزءاً من العلاقة التاريخية بين المركز السوري وأطرافه المنسيّة.
في العقود اللاحقة، ولا سيما بعد وصول حزب البعث إلى السلطة، ازداد اعتماد الدولة السورية على الشرق اقتصادياً، في حين ظلت محافظتا دير الزور والرقة تعانيان من ضعف الخدمات، ورداءة البنية التحتية، وقلة الجامعات، وندرة المشاريع الصناعية الحقيقية. وبدا وكأن الدولة تأخذ من الشرق أكثر مما تعطيه، وأن العلاقة قائمة فقط على الاستخراج دون تنمية متوازنة.
هذا الواقع، ولّد شعوراً متنامياً بالغبن لدى أبناء المنطقة، وهم يشاهدون مدنهم تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الحديثة رغم ما تقدمه من ثروات وإمكانات للاقتصاد الوطني. وهو ما ساهم في تعميق الهوّة النفسية والسياسية مع العاصمة.
لكن التفسير الذي يُرجع معاناة الشرق السوري إلى ضعف الإمكانات أو سوء الإدارة وحده يبدو قاصراً عن فهم الصورة كاملة. فحين يستمر التهميش لعقود متتالية، رغم تبدّل الحكومات والظروف السياسية والاقتصادية، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كان الأمر مجرد إخفاق إداري عابر أم أنه انعكاس لنهج حكم راسخ في التعامل مع هذه المنطقة وأن الإهمال أصبح جزءاً من ثقافة حكم مُتعمّدة؟
إلى حدّ كبير، يمكن القول إن ذلك كان واضحاً، على الأقل، خلال مرحلة حكم البعث ونظام الأسد، الأطول في تاريخ سوريا الحديث. فقد كانت الأولوية دائماً لضبط المنطقة الحدودية الواسعة أكثر من العمل على تطويرها، لا سيما في ظل التوتر التاريخي بين نظامي البعث في العراق وسوريا وما فرضته الجغرافيا من تداخل عشائري واجتماعي بين البلدين.
لهذا، انصبّ اهتمام السلطة لعقود على إبقاء المنطقة تحت السيطرة أكثر من الاستثمار في تنميتها ودمجها الفعلي في مركز القرار. ورغم بروز شخصيات من أبناء الشرق في مواقع سياسية متقدمة، إلا أنّ حضورهم بقي محدود التأثير داخل بنية سياسية شديدة المركزية، لتبقى مصالح الجزيرة والفرات على هامش القرارات التي كانت ترسم ملامح الدولة ومستقبلها.
ثم جاءت الثورة السورية لتكشف حجم الكارثة المتراكمة في شرق البلاد نتيجة عقود من التهميش. فسرعان ما تحولت دير الزور والرقة إلى أكثر المناطق تضرراً بفعل تمدد تنظيم داعش ومعاركه التي خلّفت دماراً واسعاً طال المدن والبلدات وقضت على مؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية. ومع موجات النزوح الواسعة والتفكك الاقتصادي والاجتماعي، ساهمت التدخلات الإقليمية، ولا سيما الإيرانية، في تعميق الخراب لتجد المنطقة نفسها أمام واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والاقتصادية في تاريخها الحديث. وهكذا تحولت أرض القمح والنفط والقطن إلى ساحة للفقر والدمار، ومعها تجددت مشاعر الغبن والإقصاء لدى أبناء الفرات بصورة أكثر عمقاً وقسوة.
في هذا السياق، حملت زيارة الرئيس أحمد الشرع الأخيرة إلى دير الزور عقب الفيضانات أبعاداً تتجاوز حدود الجولة التفقدية أو الطابع الإنساني، لتبدو كرسالة سياسية تعكس إدراكاً متزايداً لحجم التهميش التاريخي الذي عانى منه الشرق السوري. فالذهاب إلى منطقة منكوبة، والاستماع مباشرة إلى الناس، ومعاينة حجم الدمار على الأرض، يمثل اعترافاً ضمنياً بأنّ إدارة الأزمات من خلف مكاتب العاصمة لم تعد كافية لمعالجة جراح السوريين.
لا شك بأن زيارة رئيس الدولة إلى دير الزور يشكل خطوة أولى مهمة في مسار إعادة الاهتمام بشرق البلاد، لكنها ستبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى برامج ومشاريع تنموية ملموسة تعيد للمنطقة دورها الحيوي.
فالدير والرقة تحتاجان إلى إعادة إعمار شاملة تبدأ بإصلاح البنية التحتية من طرق وجسور ومدارس وشبكات مياه وكهرباء، بالتوازي مع دعم القطاع الزراعي عبر تحديث أنظمة الري وتأمين مستلزمات الإنتاج ودعم الفلاحين. مع التأكيد على أهمية تحقيق العدالة في توزيع عائدات النفط والثروات الطبيعية كضرورة وطنية، ليس لإنعاش الشرق السوري فحسب، بل لترسيخ الاستقرار والوحدة الاقتصادية والاجتماعية في سوريا بأكملها.
غير أنّ بناء المنطقة لا يقتصر على المشاريع العمرانية والخدمية، إذ تبقى إعادة إعمار الحجر ناقصة ما لم تترافق مع استثمار حقيقي في الإنسان. فشرق سوريا يحتاج اليوم إلى جامعات ومراكز تدريب وفرص عمل قادرة على تجديد الأمل لدى جيل أنهكته سنوات الحرب والتهميش، ودفعته إما نحو الهجرة أو إلى شعور الاغتراب عن الدولة.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة دمج أبناء الفرات سياسياً وثقافياً ضمن الهوية الوطنية السورية، بحيث يشعرون بأنهم جزء أصيل من سرديتها التاريخية وشركاء حقيقيون في صناعة مستقبل البلاد. وهذا يتطلب تبنّي خطاب وطني جديد يعترف بتضحيات المنطقة ودورها في بناء سوريا، وأن يُترجم هذا الاعتراف إلى تمثيل فعلي داخل مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار.
إنّ الشرق السوري ليس مجرّد منطقة منكوبة عابرة، بل مرآة مكثّفة لتاريخ سوريا الحديث بكل ما فيه من عطاء وإهمال في آن واحد. لذلك، يُعتبر إنصافه اليوم اختباراً حقيقياً لقدرة أي مشروع وطني جديد على إعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدلاً وتوازناً. فدير الزور والرقة ليستا مجرّد “هوامش جغرافية” وإنما يقعان في جوهر المعادلة السورية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإن بناء الدولة الجديدة لن يكون خارج تنمية هذه الحواضر. وهذا فضلاً عن أنه حقّ أصيل لأبنائها، فإنه يشكل فرصة لإعادة صياغة مفهوم المُواطَنَة على قاعدة الشراكة والتعاون.
- الثورة السورية






















