استقبل قطاعٌ واسعٌ من السوريين يومَ سقوط نظام بشار الأسد في 8 من كانون الأول 2024 بوصفه بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ يُفترض أن تؤسس لمصالحةٍ سوريةٍ شاملة، واستعادةِ الحياةِ السياسيةِ الطبيعية، وإنهاءِ حالةِ الانقسامِ والعنفِ التي عصفت بالمجتمع السوري منذ اندلاع الثورة عام 2011. غير أن التطورات السياسية اللاحقة، التي برز صداها على وسائل التواصل الاجتماعي، أظهرت أن سقوط النظام الأسدي لم يؤدِّ تلقائيًا إلى تفكيك خطاب الكراهية أو إنهاء الانقسامات المجتمعية والسياسية، بل إن هذه الكراهية أعادت إنتاج نفسها بأشكالٍ جديدة، وربما أكثرَ حدّةً، وانتقلت إلى صراعٍ يوميٍّ بين مؤيدي السلطة الجديدة ومعارضيها ضمن فضاءٍ رقميٍّ بقي محكومًا بمنطق التخوين والإقصاء والاستقطاب.
لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي السورية خلال سنوات الحرب التي تلت الثورة إلى ساحة للصراع السياسي والاجتماعي وحتى الشخصي، فمع فقدان السوريين المجال العام التقليدي نتيجة القمع والانهيار المؤسسي للنظام السابق، أصبحت المنصات الرقمية بديلًا عن الأحزاب والصحف والمنتديات السياسية، ومع توسع استخدام هذه الوسائل، لم تعد مجرد أدوات للتواصل الاجتماعي والثقافي أو تبادل الأخبار السياسية، بل غدت فضاءً لإعادة تشكيل الهويات والانتماءات الاجتماعية ما قبل الوطنية، ومجالًا لتفريغ الغضب والخوف والرغبة في الانتقام، وخلال الحرب لعبت هذه المنصات الاعلامية دورًا بارزًا في نشر خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والسياسي سواء من قبل أنصار النظام المخلوع أم بعض أطراف المعارضة، ما جعلها انعكاسًا مباشرًا للتفكك الاجتماعي السوري.
بعد سقوط نظام الأسد توقّع كثيرون تراجع هذه اللغة العنيفة العدائية، وظهور خطاب سياسي واجتماعي جديد يقوم على التسامح والمصالحة الوطنية، غير أن الواقع الرقمي اتجه في مسار مختلف؛ فبدلًا من انقسام السوريين بين “موالاة” و”معارضة” كما كان الحال في الحقبة الأسدية، ظهر انقسام جديد بين مؤيدي السلطة الجديدة ومعارضيها، حيث بدأت كل جماعة بإنتاج سرديتها الخاصة حول “المرحلة الجديدة”، واعتبار نفسها الممثل الشرعي لسورية المستقبل، مقابل تصوير الطرف الآخر بوصفه تهديدًا أو امتدادًا للاستبداد الأسدي أو الفوضى.
وبرزت الكراهية السياسية بصورةٍ واضحةٍ في هذا السياق، إذ انتشرت على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي منشوراتٌ تتهم المعارضين للسلطة الجديدة بأنهم «فلول النظام السابق»، أو «أدوات خارجية»، أو «أعداء الثورة»، بينما ردّ معارضو السلطة الجديدة باتهام مؤيديها بأنهم «مطبّلون»، و«متطرفون»، أو «أصحاب مشروع إسلامي استبدادي جديد». وهكذا استمرت لغة التخوين والإقصاء نفسها التي حكمت الفضاء السوري خلال سنوات الحرب، ولكن مع تغيّر مواقع القوى السياسية. وبات الاختلاف في الرأي حول شكل السلطة الجديدة أو طبيعة المرحلة الانتقالية سببًا كافيًا للتعرض لحملات تشهير تستهدف الجوانب الشخصية والعائلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
مع غياب مشروع وطني جامع بعد سقوط نظام الأسد، استمرت الجماعات السورية المختلفة في التعامل مع بعضها بمنطق الريبة والشك، وهو ما انعكس بوضوح على منصات التواصل الاجتماعي
ومن اللافت أن الكراهية الطائفية لم تختفِ بعد سقوط النظام الأسدي، بل استمرت بصورة مباشرة وعلنية، فقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجات من الخطابات التي حمّلت جماعات دينية معينة مسؤولية الجرائم والانتهاكات التي حدثت في المرحلة السابقة، في مقابل خطابات دفاعية عبّرت عن مخاوف بعض الأقليات من المرحلة الجديدة، كما ظهرت منشورات تستعيد ذاكرة الحرب والمجازر والانقسامات الطائفية، وتعيد إنتاج الصور النمطية القديمة حول “الآخر الطائفي”، ما يدل على أن الجروح الاجتماعية التي خلفتها الحرب ما تزال مفتوحة وعميقة.
ومع غياب مشروع وطني جامع بعد سقوط نظام الأسد، استمرت الجماعات السورية المختلفة في التعامل مع بعضها بمنطق الريبة والشك، وهو ما انعكس بوضوح على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت النقاشات السياسية سريعًا إلى اتهامات مذهبية أو تلميحات طائفية، وحتى شخصية في القضايا المتعلقة بالإدارة، الاقتصاد والأمن.
كما برزت الكراهية بين التيارات السياسية والمدنية المختلفة داخل المجتمع السوري. فقد دخلت بعض النخب المدنية والعلمانية في مواجهة خطابية حادة مع التيارات الإسلامية أو المحافظة القريبة من السلطة الجديدة، وحذّرت من “أسلمة الدولة” أو احتكار الثورة من قبل جماعات دينية، بينما اتهمت أطراف مؤيدة للسلطة الجديدة هذه النخب بأنها “منفصلة عن المجتمع” أو “امتداد ثقافي للنظام السابق”. وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة للتشهير والسخرية والإلغاء المتبادل، بدلًا من أن تكون فضاءً للحوار حول مستقبل الدولة السورية.
وفي الوقت نفسه، برزت الكراهية بين سكان بعض المناطق التي دعمت السلطة الجديدة وأخرى بقيت متحفظة أو معارضة لها، كما استمرت الخلافات العربية–الكردية المتعلقة بمستقبل شمال شرقي سورية، وقضايا الاندماج والتمثيل السياسي. وأصبحت بعض الصفحات على موقع فيسبوك تستخدم لغة تقوم على التعميم والاتهام الجماعي، بما يعيد إنتاج الانقسامات المناطقية والقومية التي تعمقت خلال الحرب.
إن استمرار خطاب الكراهية بعد سقوط النظام يكشف أن الأزمة السورية ليست سياسية فقط، بل اجتماعية وثقافية ونفسية أيضًا. فالحرب الطويلة أدت إلى تآكل الثقة بين السوريين، ورسخت ثقافة تقوم على الخوف والانتقام والاصطفاف الهوياتي. وقد لعبت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك، دورًا مهمًا في تكريس هذه الثقافة، بسبب طبيعة الخوارزميات التي تروّج للمحتوى الأكثر إثارة واستقطابًا، ما يجعل الخطابات المتطرفة أكثر انتشارًا وتأثيرًا من الخطابات العقلانية أو التصالحية. كذلك، فإن غيابَ عدالةٍ انتقاليةٍ واضحةٍ بعد سقوط النظام الأسدي أسهم في استمرار التوتر والكراهية؛ فالكثير من السوريين يشعرون بأن مظالمهم لم يُعترف بها، أو أن الجرائم التي ارتُكبت بحقهم لم تُحاسَب، مما يجعلهم أكثر ميلًا إلى تبنّي خطابٍ عدائيٍّ وثأريٍّ. وفي المقابل، تخشى جماعاتٌ أخرى التعرّض للإقصاء أو الانتقام الجماعي، فتتبنّى بدورها خطابًا طائفيًا أو مناطقيًا دفاعيًا قائمًا على التخوّف والانغلاق.
وتكمن خطورة الكراهية الرقمية في أنها لا تبقى داخل حدود العالم الافتراضي، بل تنعكس مباشرة على العلاقات الاجتماعية والسياسية في الواقع. فخطاب الكراهية يطبع العنف ويجعله مقبولًا أخلاقيًا، كما يضعف إمكانات الحوار والتسوية السياسية، ويجعل أي اختلاف يُفسَّر بوصفه تهديدًا وجوديًا. وهذا ما يهدد مستقبل الانتقال السياسي في سوريا، لأن بناء دولة مستقرة يتطلب وجود حد أدنى من الثقة المتبادلة والاعتراف المتبادل بين المواطنين.
في المحصلة، أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي بعد سقوط نظام الأسد أن الكراهية التي تراكمت خلال سنوات الحرب لم تكن مرتبطة فقط بوجود النظام، بل أصبحت جزءًا من الأزمة المجتمعية السورية نفسها. فقد تغيرت مواقع السلطة، لكن منطق التخوين والإقصاء بقي حاضرًا بقوة، واستمرت المنصات الرقمية في لعب دور يعكس الانقسامات ويغذيها في الوقت ذاته. ولذلك، فإن نجاح أي انتقال سياسي في سوريا لن يعتمد فقط على تغيير السلطة، بل على قدرة السوريين على تفكيك خطاب الكراهية وإعادة بناء الثقافة السياسية السورية نفسها على أسس المواطنة والاعتراف المتبادل والتعايش المشترك، وهذا يتطلب دعم العدالة الانتقالية، وتعزيز قيم المواطنة والتعددية، وإطلاق مبادرات للحوار المجتمعي، إلى جانب إصلاح المؤسسات التعليمية والإعلامية.
- تلفزيون سوريا
























