يتفق خبراء علم النفس على أنّ جيلاً كاملاً ولد في سوريا ولم يعش فكرة الدولة نفسها بوصفها مفهوماً عاماً يعكس تجربة يوميةً متصلة في استقرارها الثابت ضمن الوعي والذاكرة الجماعيتين.
هذا الجيل نشأ ضمن بيئة تتبدل فيها المفاهيم العامة بصورة متواترة، ويرى أمامه صراع سلطات وقوىً وفصائل وهياكل على السياسة والجغرافيا والميدان والاقتصاد، وضمناً على المعنى نفسه الذي يشكله اتحاد تلك العوامل ليصنع فكرةً صالحة للتبني العام أو الخاص.
جيل يجهل المؤسسات والقانون
يقول خبير علم النفس السلوكي رائد حلّوم لـِ “المدن”: “سوريا أمام مشكلة مركبة تتعلق بالجيل الجديد الذي لم يعرف التعليم والمؤسسات والقانون بشكل موحد وفق دستور راسخ، فطغت عليه عادات التباين في التعامل المجتمعي. هذا الجيل يحفظ أنواع الأسلحة أكثر من جدول الضرب، يعرف المداهمة والاعتقال والقصف والنزوح والحواجز”.
وأضاف: “كلّ ذلك انعكس على مفهوم الدولة نفسها عبر سلخها من سرديتها الوطنية المتكاملة. وحينها لا بدّ أن يكون هناك بديل تتم تكملته بالخرائط المتبدلة والرايات الكثيرة والانقسامات الحادة، وعليه، تشوشت العلاقة نهائياً بين هذا الجيل وتلك الدولة التي لا يعرفونها”.
السلطة وجيل الحرب
وفق علم الاجتماع، فإنّ الأسرة والمدرسة يكونان النواتين الأوليين في إدراك الطفل لشكل الوطن – الدولة – السلطة، بيدّ أنّه في سوريا وفي غياب المؤسسات تلك لم يُتح لجيل كامل التعرف إلى شكل الشرعية المتمثل في القانون والعِلْم والدستور.
ووفق أستاذ علم الاجتماع ابراهيم وفيق، فإنّ “غياب المنهجية الطبيعية لصناعة الإنسان في بلد يمرّ بحرب سيجعل البدائل المتوافرة مؤذية لأنّها ستتجسد على شكل سلاح وصراع وقصف ودمار وأمراء مناطق وشيوخ حرب وشراء ذمم ومساعدات ومخيمات، فيصير السؤال لكل طفل ليس ما هي الدولة بل من هو صاحب القوة في محيطنا؟ وهنا يبدأ تشكل الوعي الذهني بعيداً عن الأمن الاتفاقي والأقرب لقانون القوة والنفوذ. وهو ما نراه اليوم من أجيال ليس أنّها لا تحترم الدولة، بل إنّها لا تعرفها حتّى”.
ما كان يعول عليه.. لم يعد كذلك
أكدت الأمم المتحدة وجود أكثر من 2.4 مليون طفل بسن الدراسة خارج المدارس. الرقم بحدّ ذاته يمثل كارثة لأنّه يتجاوز عدد الأطفال الكلي في سن الدراسة أساساً، مع الأخذ بعين الاعتبار مئات المدارس المهدمة، وهجرة المعلمين، والأخطر هو الانهيار الرمزي العام للدور التعليمي، وهذا ما يعني خسارة إمكانية البناء في إنتاج هوية وطنية، كما يجب أن يكون الحال كما أي بلد، وكما كانت سوريا على الدوام.
رافي سعد كان مديراً لمدرسة ثانوية في دمشق قبل تقاعده قال لـِ “المدن”: “لقد درست قبل عهد الأسد في مدارس سوريا ودرّست في عهد الأسد بمدارس السلطة، وعلى الدوام كانت تلعب المدرسة دوراً مهماً في بناء الهوية الجماعية للناشئة بالرغم من أنها قائمة على أيدولوجية مرتبطة بالسلطة القائمة. لكن ما حصل في الحرب السورية وبعدها، فإنّ الأطفال لا يكبرون على سردية موحدة إنما يعيشون بيئة مفككة وممزقة بالكامل وممتلئة بالتناقض. فكلّ منطقة في سوريا تدرّس مناهج مختلفة، وكلّ ذلك بعيداً عن المخيمات. وبذلك كيف سنجمع كل هذا الجيل على رواية وطنية واحدة؟ وغياب هذه الرواية ومستقبل صياغتها هو من سيحسم شكل الدولة غداً”.
الناجون بالمصادفة
أكثر ما يكون قد تشكّل في الوعي الجمعي لجيل الحرب أنهم يعيشون لينجوا لا ليستمروا بالحياة بوصفها فعلاً مستمراً ومضمون التحقق بقيامه على استقرار لا صراع فيه، فغياب التدرج الاجتماعي في سياق الحياة الطبيعية حلّ مكانه هربٌ من خطر مستمر، فنشأت ثلاثة أسباب تمركزت حولها الحرب السورية: حياة بالمصادفة، أو انتماء لسلاح، أو هجرة. وفي الحالات تلك أيضاً لا يمكن إنتاج جيل يعرف دولته.
يقول الأكاديمي في علم النفس ياسر طالب لـِ “المدن”: “في ظلّ غياب العلاقة بين الدولة والجيل الجديد، لعدم تبلورها أو للجهل بها، فإنّ الاحتماء خلف سواتر متعددة يكون هو الحل الأنجح، وهذه السواتر هي التي ستقدم الخبز والماء والوقود والمساعدات والمال، العائلة الكبيرة، الحي، المنطقة، المرجعية الدينية، الجهة العسكرية، وبالتالي تصبح هذه الأماكن هي الأوطان البديلة والأكثر اتساعاً من المجال العام المشترك أو فكرة التعايش نفسها”.
إرث الآباء الضائع
يمكن لحظ فجوة هائلة بين جيلين في سوريا، الجيل القديم والجيل الحديث، القديم لا زال يتمسك بثوابت سياسية معرفية ترتبط بذاكرة قديمة موحدة، فيما لا يتمتع الجيل الجديد بحمله لأي ركائز تستند إلى ماضٍ موحد بشعارات ثابتة ولغة راسخة وقناعات متقاربة عن مفاهيم أساسية مرتبطة بالعيش والوحدة والقومية والمعارضة والسلطة، وفي ذلك وفق الخبير السياسي محمد حسن تبريرات محمولة على نزعات فردية صلبة تبحث في معاني النجاة الشخصية مقدمةً إياها على البناء الجماعي.
ويكمل: “الخوف هو من صَنع هذا الجيل الجديد، وقتل علاقته بدولته التي لا يعرفها أساساً، الأجيال التي سبقته تعرضت لصدمة تمكنت من استيعابها، لكنّ هؤلاء تربوا داخل الصدمة ومنطق الثأر، فالأزمة اليوم ترتبط بإعادة إحياء الإنسان السوري الذي يجب أن يحمل تصوراتٍ منطقية عن معنى الوطن والدولة والحقوق والواجبات داخلهما، وهنا تتحمل السلطة مسؤولية كبرى في عدم تمكنها من إيجاد عقد اجتماعي دستوري حتّى الآن”.
الولادة المنتظرة
حتّى بعد سقوط النظام لا زالت الهجرة مستمرة. في مكان ما يبدو الأمر أكثر ارتباطاً بواقع البلد نفسه ومستقبله لا بمن يحكمه، وفي هذا نزف مستمر للجرح السوري العميق، نزف لم يعطَ وقته ليلتئم ويسمح للأجيال الجديدة بمعرفة الدولة بشكلها التقليدي والتاريخي خارج الحروب والأزمات.
محمود الخضر أحد مقاتلي العشائر الذين (فزعوا) للسلطة في مواجهتها مع خصوم داخليين سابقاً قال لـِ “المدن”: “نحن فزعنا للدولة لأنّها ممثلنا الشرعي، ولأنّ شيوخنا سمحوا لنا بذلك، فنحن لن نسمح بضياع مكتسبات الثورة من أجل أي أحد”.
كمثل محمود وهو شاب في بداية العشرينات، يرى الكثير شكل الدولة “فزعة – فصيل – أمير – شيخ”، وقد اتضح ذلك في تقرير لجنة التحقيق السورية التابعة للسلطة حول مجازر الساحل في آذار/ مارس 2024 حين هاجم 200 ألف مقاتل من الفزعات الساحل وكانوا غير منظمين في وزارتي الدفاع أو الداخلية، وكذلك الأمر في السويداء بعدها، والجزيرة مطلع هذا العام.
الخطاب التعبوي والتحريضي يملأ المنصات والمنابر اليوم، ولا زال قادراً على إحداث فرق سلبي هائل، في حين تختفي أصوات المواطنة تحت أزيز الخوف من فئة لا يمكن الجزم إن باتت الأكثر أو الأقل اليوم، فاختطاف فتاة يرعب مجتمعاً، وقتل مواطن في الطريق يرعب مدينةً، كأنّ سوريا خرجت من حرب، ودخلت أخرى لا تريدها، وبالرغم من أنّ السلطة أكثر المتضررين من أحداثها فإنّها لا زالت عاجزة عن إيجاد الحلول، ومردّ ذلك في ختامه أنّ العلاقة بين الوطن والمواطن غائبة بصورة فادحة.
في ضوء كلّ ذلك يسعى العقلاء من كلّ الاطراف على الدوام للتهدئة، لكن الرهانات التي فشلت أكثر من تلك التي تحققت، والكثير يبرر بأنّ حرباً دامت 14 عاماً لن يتجاوزها أحدٌ بعامٍ ونصف، ويضيفون بأنّ غياب مسار العدالة الانتقالية الجدي هو أساس المشكلة، وهو ما يجعل الثأر قائماً على أنقاض ملايين المنازل ومئات آلاف الأرواح.
ويبقى السؤال المتداول دائماً، هل تنجح المدن الكبرى كدمشق وحمص وحلب في إحداث نهضة شاملة كتلك التي بدأت قبل نحو مئة عامٍ، أم أنّ نخبتها ستخسر آخر معركة لها في تعريف الوطن وتصبح سطوة القبيلة هي الوطن؟
- المدن

























