مع سقوط نظام الأسد في سوريا، عادت مفاهيم الانتقال السياسي والحكم الانتقالي إلى التداول، وكانت تنتعش كلّما حدث تغيير سياسي، كما حدث في العراق بعد عام 2003، وتونس في عام 2011، على سبيل المثال لا الحصر.
وهنالك في العلوم السياسية فرع يُطلق عليه «علم الانتقال»، أو «الترانزيتولوجيا»، يركّز على تفاصيل تلك التجارب واحتمالاتها وتحوّلاتها. كان أبرز من اشتغل على تلك المسألة عالمين سياسيين أحدهما أرجنتيني اسمه غويللرمو أودونيل والثاني أمريكي اسمه فيليب شميتر، اللذين ولدا في العام نفسه 1936، ومعهما ثالث هو لورنس وايتهيد. طبعاً لصاحب كتاب «الموجة الثالثة» للديمقراطية هنتنغتون دور أيضاً في هذا المجال.
أثبت هذان العالمان في كتابهما الرائد «الانتقال من الحكم الاستبدادي»، أن الانتقال السلس إلى دولة قانون وحداثة يتطلّب عموماً نوعاً من الاتفاق والتعاقد، أو التوافق بين الأطراف المتنازعة، وهذا التوافق غالباً ما يكون بين «المعتدلين» من الطرفين لتحقيق ما يُدعى بالانتقال التعاقدي. في حين أنه عندما يحقق أحد الأطراف «نصرا كاملا» ويقبض على السلطة، ينعدم أو يتقلّص الحافزٌ البنيويٌّ للاتفاق. وبدلاً من انتقال تفاوضي مشغول بعناية أكثر، يصبح «انتقالاً مفروضاً» (أو انتقالاً بالانقلاب). ومن دون الحاجة إلى تنازلات، قد يستغل الطرف المنتصر الفترة الانتقالية لفرض شروطه وترسيخ سلطته.. أو احتكارها وتقريب نخبته الخاصة وإقصاء غيرها.
سوريا، لا تزال في مرحلة قلقة قد ينتج عنها نظام غير مضمون الآثار على نفسه وشعبه وعلى الجوار والعالم… رغم وجود احتمال باهت بأن يتمّ التملّص والخروج منه نحو أفق أكثر رحابةً والتزاماً
من جهة أخرى، أثبت علماء غير هؤلاء أيضاً، أن «النصر العسكري الكامل» لأحد الأطراف يؤدي عملياً وتاريخياً إلى سلام أطول أمداً من وقف إطلاق نار هش (لأن المعارضة تُسحق تماماً في معظم الأوقات، بضربة واحدة أو على ضربات متعددة ومتكرّرة)، إلا أنه نادراً ما يؤدي إلى انتقال ديمقراطي أو شامل. وربّما كان احتمال الأمن المستدام والساحق هذا سبباً لبعض القوى الخارجية – كالولايات المتحدة وما شابهها- لأن تدهم هذا الاحتمال، بل تفضّله. وبالمناسبة، يساعد على تفهّم هذه الاحتمالات تعريف ماكس فيبر للدولة، كاحتكار مشروع للقوة الفيزيائية في منطقة جغرافية معيّنة، لذلك يكون منطقياً إلى حد ما، أنه عندما يستحوذ طرف واحد على جوانب «احتكار السلطة»، فإنه يسعى فعلياً وبشكل متسارع إلى بناء «دولة فيبرية». ولأن الاحتكار التام لكل من الشرعية والقوة في آنٍ واحد أمر بالغ الصعوبة، سوف يُضطر الطرف المهيمن إلى اللجوء إلى القسر والفرض والعنف، وإحكام قبضته على مؤسسات الدولة، مع وضع بصماته على الأجهزة الأمنية والعسكرية والقانونية الجديدة، لقمع أية أصوات معارضة، بدلاً من إتاحة المجال لازدهار عملية سياسية طبيعية ومنفتحة. تسهم هوامش السلطة -الأكثر بعداً عن قبضة المركز- عندئذٍ بالدفع في هذا الاتّجاه، لمحاصرة طموح قيادتها المحتمل لتعزيز السلم الأهلي وشرعية الحكم، إلّا أنّ هذا غير محتمل كثيراً إلّا من خلال الالتزام بالمعايير والأسس اللازمة للانتقال السياسي «الجيد»، لكنّ دون ذلك حواجز تتوالد دائماً. وقبل هذا الالتزام الذي ينبغي أن لا يكون حرفياً، لا بأس بالتفكير المتأنّي وتحديد المنطلقات الأساسية، ولا بدّ أن أولاها هو مفهوم عدم اليقين، الذي يغطّي كلّ الموضوع، بعد أن يبدأ بإسقاط النظام الاستبدادي، لكنّه لا يدري إلى أين تؤدّي مآلاته، التي قد تنتهي إلى نظام استبدادي مختلف قليلاً أو كثيراً، لكنه استبدادي. ذكر البعض أن المسألة سوف تمرّ بمراحلها الأولى بهذه الحالة المتردّدة الغامضة، وجزم- على طريقة مكيافيللي- بأن الأمر قد يعتمد أيضاً على «الحظّ» وعلى «الفضيلة»، وليس على ما هو بنيوي ومنقول وحسب. لذلك يحتاج الأمر حسب أودونيل وشميتر إلى عقلية قادرة على إبداع حركات شطرنج جديدة في كلّ لحظة، وحسب الواقع الطارئ على لوحة الشطرنج ذاتها.
لذلك أيضاً، يرى العالمان هذان أنه على الرغم من كون التحوّل أو الانتقال هو ما بين نظامين سياسيين وينتهي عندما ينشأ نظام جديد ومختلف، قد يكون ديمقراطياً أو استبدادياً آخر، فإن المفاهيم التقليدية لا بدّ من تعديلها والإضافة عليها من خلال أبحاث جديدة على علاقة بالحالة المذكورة من «عدم اليقين»، ومن «الخروج عن المألوف» والمعروف، وبما سيطرأ حتماً من «اضطراب للنظام» لأمد غير محدّد أيضاً، تلك مفاهيم أخرى خارجة عن تقاليد البحث بنشوء الدولة الحديثة الكلاسيكية. هذا لا ينفي وجود معايير عامة متعارف عليها، ومجرّبة، لكنّه يساعد على توقّع التعقيدات وعلى فهمها بشكل أفضل.
توفّر المعطيّات المتوفّرة عالمياً حتى الآن، تصوّراً لنهج يحقق التوازن بعد انتهاء النزاع ما بين السلام الداخلي والعدالة وبناء الدولة، ويتطلّب الأمر «ترتيبات حكم انتقالي» ذات مصداقية. لتكون معبراً قانونياً ومؤسساتياً. عنوان المرحلة الأولى هو الأمان والاستقرار. وهو أسهل- تقنياً- في حالة انتصار أحد الطرفين، لأن الثاني يُسحَق أو «ينسحق»، كما ذكرنا أعلاه، وكما حدث في سوريا. وفيها يتوقف العنف- نظرياً- ويتحقق حدّ معيّن من الأمن، وتنشأ إدارة مؤقتة لمنع الانتكاس، في هذه المرحلة أيضاً يتمّ تشكيل حكومة انتقالية تتشارك فيها الأطراف، أو ربّما مجلس انتقالي أو سلطة هجينة مركّبة. تضمّ إجراءات تلك المرحلة تثبيت وقف إطلاق النار وأعمال تسريح وإدماج وغير ذلك.
في المرحلة الثانية تأتي عمليات المساءلة والعدالة الانتقالية بآلياتها المعروفة أممياً: الحقيقة والمصالحة والملاحقات الجنائية وجبر الضرر وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية مع الإصلاح القضائي من أجل إرساء سيادة القانون- بيئة التغيير الضرورية- ومنع الإفلات من العقاب، ولتهدئة النفوس وتبريد تفجّرات الثأر والانتقام.
وتبدأ في المرحلة الثالثة عمليات إعادة بناء الدولة وتثبيت هياكلها بمضمون دائم وشامل وديمقراطي، من خلال قانون للأحزاب، وآخر للانتخابات ودستور حديث دائم وتوافقي جامع. حوارات المرحلة الثالثة ينبغي أن تبدأ منذ المرحلة الأولى تقريباً. لكنّ ذلك مسار نظري، قد تعرقله المطامع باحتكار السلطة، تلك التي هي مغروسة بالطبيعة أحياناً، وتشجّها التدخّلات الخارجية التي تنفّذها الحكومات المغرقة في البراغماتية والتتبّع المباشر للمصالح الأكثر أنانية، أو المصلحة بالهيمنة على عالم لا تهمّ فيه أحداً مصالح شعوبه أو الهموم الإنسانية.
وبالعودة إلى سوريا، فإنها لا تزال في مرحلة قلقة قد ينتج عنها نظام غير مضمون الآثار على نفسه وشعبه وعلى الجوار والعالم… رغم وجود احتمال باهت- حتى الآن- بأن يتمّ التملّص والخروج منها نحو أفق أكثر رحابةً والتزاماً بالأسس المذكورة، وبشكل من الأشكال. سوف يعتمد ذلك على عوامل عديدة، أولها الاستقلالية والانفتاح والاستمرار في حماية حرية التعبير وتوسيعها. هذه الحرية من سمات ذلك التغيير و» النصر» بمفاجأته السارة، التي قد تتحوّل إلى نشوة ومزيد من الاحتكار والانفراد، وحتى من المواجهة المفتوحة.
إن أهمّ أعداء السلطة يكمن في طبيعة بنيتها وتركيبتها الموروث كثير منها من أيّام ما قبل التحوّل والتكيّف، الذي ابتدأ وحَسم أمرَه مستعيناً بالكتمان في عام 2016 ولا يمكن مواجهة هذه الحقيقة إلّا بالانفتاح على القوى المدنية والسياسية التي لطالما عملت من أجل التغيير.. والانتقال إلى دولة ديمقراطية تعددية حديثة قائمة على المواطنة وسيادة القانون وحكم الشعب وحماية الحريات وحقوق الإنسان، خصوصاً في بلد متنوع ومتعدّد كسوريا، تطمح أكثريته وأقلياته إلى العيش والأمان والازدهار معاً، بطريقة من الطرق!
كاتب سوري
- القدس العربي

























