واجه نظام بشار الأسد ثورة الشعب السوري بكل أشكال الانتهاكات والقتل. أسوأها الإخفاء القسري، الذي يُبقي العائلات مُعلقة بالأمل واحتمال النجاة، بينما تنعى العائلات الشهداء، ويُدفنون، أو أقلّها، يصبحون جزءاً من الذاكرة في حال عدم وجود الجثث. الإخفاء القسري هو ألمٌ يوميٌ مضّنٍ للعائلات، ويصل عددهم قرابة 200 ألف شخص في سورية؛ كانت منهم عائلة رانيا العباسي وأولادها الستة، وزوجها عبد الرحمن ياسين.
ينهي إعلان الهيئة الوطنية للمفقودين عن وفاتهم ملف هذه العائلة، وإنْ يتطلب حكماً قضائياً، ولكنه لا يُنهي حق أهالي هذه الأسرة والسوريين كافة في معرفة كيف حدثت الاعتقالات، كيف عُذّب أحباؤهم، وفي أية فروع أمنية، وكم بقوا فيها، وكيف مرّت عليهم تلك الأيام، وكيف استشهدوا. تقول المعلومات عن أسرة العباسي أن المجرم الشهير أمجد يوسف هو من قتلهم، وهناك معلومات تنفي هذا. ويتطلب هذا الملف، كما ملف بقية السجناء، من السلطة الجديدة، الاستعانة بكل المنظمات الحقوقية السورية، وبكل الفاعلين في هذا المجال، وهي منظمات تعمل في هذا المجال منذ 2011، وتلاحق ضباطاً كباراً وشبيحة في كل أوروبا وأميركا، واعتُقل بعضهم، وبما يؤدي إلى مواجهة هذا التحدّي المؤلم، الذي تعاني منه سورية بأكملها، ويتكامل مع ملف الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. يلحظ حقوقيون عديدون في ملف أعمال هيئة المفقودين والعدالة الانتقالية، من النواقص المنهجية والعملية والبطء في سير أعمالهما. إن من أكبر الأخطاء استبعاد منظمات عديدة عن المساهمة في كشف الحقيقة، والمحاسبة، ووصولاً إلى عدم تكرار الجرائم السابقة، وجبر الضرر وتخليد الذكرى، والمصالحة المجتمعية.
على هامش هذه المأساة، تفيض الكراهية المقيتة من إعلاميين طائفيين، محسوبين على السلطة، ووصلت إلى اتهام بعض المنظمات الحقوقية بالتستر على جرائم الإخفاء القسري وضد الإنسانية، وكان لها دورٌ كبيرٌ في كشف صور “قيصر” أو حي حفرة التضامن، وتسبّبت لنظام الأسد بكثير من العزلة الدولية، وساهمت في هشاشة تعويمه، وسقوطه في النهاية. المشكلة هنا، في غياب دور إعلامي جاد ودائم للسلطة، يضع حدّاً، للكراهية وللتطييف، وبما يتلاءم مع إجراءات العدالة الانتقالية، وتوضيح كل ملابسات اكتشاف أية مجازر جديدة، أو القبض على ضباط جدد، وكما في الحالة المقروءة أعلاه. هذا التعليق، لأن كل خبر يتعلق بالمفقودين أو العدالة الانتقالية، يتم التلاعب فيه من هذه الجهات الطائفية الناقمة أو من جهات طائفية نافية لها كذلك. هذا عدم تقدير لخطورة هذا الملف على السلم الأهلي، ولتعميمات طائفية، تنقل الإجرام الأسدي من كونه إجراماً ممنهجاً، أشرف عليه بشار الأسد وقادة الأفرع الأمنية وبالتحالف مع إيران وميليشياتها، إلى أن يصبح إجراماً مارسته طائفة واحدة، أو فرداً، ويتعلق بجينات أو عائلة هذا المجرم أو ذاك كأمجد يوسف مثلاً.
الإخفاء القسري ألمٌ يوميٌ مضّنٍ للعائلات، ويصل عددهم قرابة 200 ألف شخص في سورية
يتعلق بملف المفقودين، وغير ما بعد 2011، قبله كذلك، ولا سيما في أحداث الثمانينيات أيضاً. هذا التعقيد، هو ما يجعل المهمة ثقيلة على فريق السلطة وهيئاتها (المفقودين والعدالة الانتقالية) ويستدعي الاستعانة بكل الخبرات السورية المتراكمة، وحتى الناقدة لقصور الهيئات التي شكلتها السلطة، وترى أن ولاية الهيئات هذه يجب أن تشمل كل الأطراف التي شاركت بالقتل والإخفاء ومنذ الثمانينيات. مدخل شمولية ولاية العدالة الانتقالية هذه تأسيسي لوضع الأسس الصلبة للوطنية السورية، لتوحيد المجتمع السوري، للانتقال من الانقسامات المجتمعية، الأهلية، لاستعادة أهداف ثورة السوريين في الحرية والكرامة والعدالة وكل التراث الوطني السوري، ولإنهاض البلاد، من تركة بشار الأسد، والسير نحو التعافي، وإعادة تشكيل الشعب.
النقد أعلاه، يتأتى من (وغير ما أشير إليه) ضرورة تفكيك السرديات التي تعزّزت عبر الأعوام السابقة. الكثير منها خاطئٌ كليّاً أو جزئيّاً، وقد شهدنا أثرها، ولا سيما تجاه الانتهاكات في الساحل والسويداء، في ضعف التضامن السوري، وتبنت أوساط سورية ناقدة ضرورة أن تتفكك سورية، طائفياً أولاً، ومن ثم تعطى الحق بالاتحاد من جديد، إن رغبت! ما يواجه السوريين الآن، ومع كل خبر عن المجازر انتعاش الأجواء الطائفية والانتقامية، وبما قد تستغلها مجموعات انتقامية، أو أفراد، ويقومون بأعمال إجرامية، ضد أفراد من السوريين العلويين مثلاً، باعتبار أسوأ السرديات تلك تقول إن نظام بشار الأسد كان علوياً والثورة سنّية، بينما كان في حقيقته نظاماً عائلياً، استبدادياً، وظّف الصراع الطائفي للإجرام بالثورة وتشويهها، وإيجاد التبريرات لممارساته عالمياً.
عام ونصف العام، لم تطرح وسائل الإعلام، التابعة للسلطة، قناة الإخبارية خصوصاً، وسواها، قضية تفكيك هذه السرديات، وبشكل علمي وموضوعي، وبما ينطلق من وقائع الثورة، والجرائم الطائفية، وتحميل المسؤوليات. هذا ليس عملاً هامشياً بعد تلاشي النظام البائد، بل هو جزء من المرحلة الانتقالية، التي وظيفتها معالجة إرث الماضي وتشبيك الحاضر والعبور نحو المستقبل، وأن تنتهي الانتقالية وقد طوت سورية إرث الأسدية ودون عودة، وأصبحنا بلداً واحداً، وشعباً واحداً، وبما يتوافق مع التمايزات الثقافية والدينية والقومية للسوريين. من إرث الأخيرة: الطائفية، الانتقام، القتل خارج القانون، تغييب القانون، تغييب المؤسّسات، عدم محاسبة المجرمين، التجييش الإعلامي ضد المعارضة والثورة، الكذب، وسواها. هذا الإرث نجده على ألسنة الكثير من الإعلامين الدائرين في فلك السلطة، وهنا المشكلة.
تَكرّر إرث الأسد بصورة مقيتة وغابت النظرة العقلانية بشكل كبير
بعد كشف النهاية المأساوية لعائلة العباسي تَكرّر إرث الأسد بصورة مقيتة، وكذلك تلك السرديات، وغابت النظرة العقلانية بشكل كبير، وهذه أجواء حرب أهلية، معنوية (قرأنا عن دعوات إلى مقاطعة كاملة للعلويين)، وقد تؤدّي إلى انتهاكات طائفية، ومنها القتل، وبالتالي، تُجانب السلطة الصواب حينما لا تعتمد خطاباً وطنياً جذرياً، وبما يدعم دور القانون، وعمل المؤسسات واستقلال القضاء، واستقلالية عمل الهيئتين أعلاه، والتزام إعلام السلطة بتصريحات إعلاميها، وضرورة الأخذ بما أوضحناه أعلاه.
فُنيت في سورية عائلاتٌ كثيرة، من الثمانينيات، وتتجاوز عدد الشهداء والمفقودين منذ 2011 المليون. هذا أمر لا يمكن للسوريين تجاوزه قبل الكشف الكامل عن حقيقة ما حدث ومن كل الأطراف؛ الأنكى أن سردية الثمانينيات الطائفية كانت المرجعية لدى النظام ولدى القوى الإسلامية ما بعد 2011. استقلالية الهيئات أعلاه يجب أن تكون كاملة، والاستعانة بالخبرات الدولية. استقرار سورية ونهضتها، كما يسعى السوريون، تفترض الاستناد إلى أسس وطنية، وفي كل الميادين. لقد “انفجرت” قضية عائلة العباسي بوجوهنا، جميعاً، واستعيدت روح الكراهية والطائفية بأبشع أشكالها، وكما هذه العائلة هناك مئات آلاف الانتهاكات ومنذ 2011 وقبل ذلك، وبالتالي، هل من العقل بشيء أن يتكرّر، مستقبلاً، ما حدث في اليوم الأخير؟ هذه مسؤولية السلطة باعتبارها تقود البلاد، فهل تعيد النظر بسياساتها، وتوسع من الخبرات السورية في تشكيل الهيئات أعلاه، ودعم استقلاليتها الكاملة؟
- العربي الجديد























