منذ صدور قانون الجمارك رقم 109 لعام 2026، انشغل الخطاب الإعلامي بتقديمه كخطوة تحديثية كبرى في تنظيم التجارة وضبط التهريب وتحسين بيئة الأعمال، مع التركيز على مفردات مثل “التسهيل والتحول الرقمي وإعادة الهيكلة”. غير أن القراءة القانونية الدقيقة تكشف أن ما يجري أبعد بكثير من مجرد تحديث إداري، وأن القانون الجديد لا يمكن فهمه إلا بوصفه جزءاً من إعادة تشكيل مركز القرار الاقتصادي في سوريا، ونقله من الوزارات التقليدية إلى “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك”.
وفي خضم هذا النقاش، حاول البعض ربط انخفاض أسعار السيارات بالقانون الجديد، علماً أن هذا الانخفاض كان نتيجة دخول عشرات الآلاف من السيارات خلال الفوضى الأمنية والإدارية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، من دون أي تدقيق في صلاحيتها أو سلامتها الفنية. بينما تجاهل ارتفاع أسعارها الملحوظ في الأشهر الأخيرة، والقانون 109 لم يغير كثيراً في التعريفة الجمركية أو الرسوم.
وعند مقارنة القانون الجديد بقانون الجمارك رقم 38 لعام 2006، يتبيّن أن معظم ما يُقدَّم اليوم كإيجابيات جديدة كان موجوداً أصلاً منذ عشرين عاماً. فمبادئ التبسيط والعلنية والشفافية، واعتماد البيانات الإلكترونية، والتبادل الإلكتروني للمعلومات، والتدقيق اللاحق، وتنظيم الترانزيت والمستودعات والمناطق الحرة، كلها منصوص عليها بوضوح في قانون 2006. حتى الإعفاءات الدبلوماسية والعسكرية وإعفاءات الأمتعة الشخصية والعينات التجارية لم تتغير. الجديد هو إلغاء نظام “الأسيكودا” وعسكرة الجمارك ومنح حصانة لعناصرها.. ما يعني أن الخطاب الإعلامي يعيد تدوير القديم ويقدّمه كأنه جديد، بينما الجديد الحقيقي يجري في مكان آخر تماماً.
وهنا يصبح ما كتبه الباحث الاقتصادي “محمد علبي” أساسياً لفهم الصورة. فقد أشار بوضوح إلى أن القانون الجديد صدر في سياق توسّع غير مسبوق “للهيئة العامة للمنافذ والجمارك”، التي تحوّلت خلال عام من جهاز تقني إلى مركز نفوذ اقتصادي سيادي، بعد أن استحوذت على الجمارك والمعابر والموانئ والمناطق الحرة، إضافة إلى أن رئيس الهيئة يرأس لجنة الاستيراد والتصدير، كما يتمثل بشخصه في المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية. هذا التحول البنيوي يفسّر طبيعة القانون الجديد: فهو ليس تطويراً للجمارك، بل تثبيت لبنية سلطوية جديدة يجري بناؤها على أنقاض المؤسسات التقليدية.
إذن المسألة ليست تنظيماً إدارياً للجمارك، بل إعادة تموضع كامل للسلطة. حيث سبق ذلك صدور المرسوم رقم 244 لعام 2025، الذي أنشأ “الهيئة العامة” كجهاز مستقل يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويرأسها مسؤول بمرتبة وزير وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية. هذا المرسوم نقل الجمارك من تبعيتها التاريخية لوزارة المالية إلى بنية سيادية جديدة، وجعل إدارة الجمارك مجرد مديرية ضمن هيكل تهيمن عليه الهيئة، بينما أصبح رئيس الهيئة هو صاحب السلطة الفعلية على المنافذ والحدود والجمارك.
والسؤال الجوهري هنا هو: لماذا مُنحت هيئة مستحدثة بهذه الطريقة سلطة الإشراف على الجمارك بدلاً من وزارة المالية؟ فربط الهيئة بالرئاسة، ومنحها السيطرة على المعابر والموانئ والمناطق الحرة والضابطة الجمركية، يكشف عن توجه واضح لتحويل الجمارك من جهاز مالي–تنفيذي إلى جهاز سيادي–أمني، ومنح الرئاسة سيطرة مباشرة على الحدود والتجارة والموارد المالية. فالمنافذ لم تعد مجرد نقاط عبور، بل نقاط نفوذ واقتصاد وأمن، والسيطرة عليها تعني السيطرة على حركة التجارة والرسوم والغرامات والتهريب والموارد. لذلك فإن إنشاء الهيئة وربطها بالرئاسة، ثم إصدار قانون 109 الذي يضع إدارة الجمارك تحتها، يشكّلان معاً عملية إعادة هندسة للسلطة الاقتصادية في الدولة.
لنعود الآن الى بعض النصوص الاشكالية في قانون الجمارك 109، فالمادة 7 تنصّ على أن نشر القرارات والتعليمات يتم في الجريدة الرسمية و”عند الاقتضاء في وسائل الإعلام الوطنية”. هذه العبارة الصغيرة، التي تبدو تقنية للوهلة الأولى، تنسف مبدأ العلنية والشفافية بالكامل، لأنها تحوّل النشر من واجب قانوني إلزامي إلى خيار إداري خاضع لتقدير الجهة التي تصدر القرار. وبذلك يصبح من الممكن إصدار قرارات تمسّ التجار والمستوردين والمواطنين من دون نشرها أو إتاحتها للعموم، ما يجعل الطعن القضائي شبه مستحيل، ويخلق بيئة قانونية غير مستقرة تسمح بالتمييز بين الأشخاص، وتفتح الباب واسعاً أمام السلطة التقديرية.
والمادة “11” منحت حصانة واسعة لعناصر الجمارك، من خلال حصر محاكمتهم أمام القضاء العسكري وليس المدني، وأن الملاحقة لا تجري إلا بموافقة لجنة خاصة يشكلها وزير العدل وتضم ممثلاً عن الإدارة نفسها. هذه حصانة تجعل المساءلة شبه مستحيلة. وإلى جانب ذلك منحت المادة 13 منه الفقرة “ج” رئيس الهيئة العامة للمنافذ صلاحيات وزير الدفاع، ومنحت المدير العام للجمارك صلاحيات رئيس الأركان فيما يخص الضابطة العدلية. هذا انقلاب كامل على فلسفة قانون 2006 الذي كان يقوم على جهاز مدني خاضع للقضاء العادي.
وفي المواد 158 و159 و160 شرعن القانون ما سبق أن فرضته الهيئة العامة للمنافذ البحرية والبرية بقرارها رقم 42 الذي أوقف عملياً العمل بنظام الاسيكودا“ASYCUDA» المستخدم على نطاق واسع في معظم الدول المجاورة، وسحب تراخيص المخلّصين الجمركيين وحساباتهم الجمركية، وإجبارهم على التحول إلى شركات ودفع تأمينات ورسوم مرتفعة (25 ألف دولار كتأمينات ونحو 5500 دولار كرسوم سنوية). وبالرغم من اعتراضات المخلصين الجمركيين ووعود بالتسوية، إلا أن القانون 109 كرّس تلك القرارات المثيرة للجدل، ومنحها غطاءً تشريعياً كاملاً.
والإشكالية الأخيرة وردت في المادة 262، التي منحت الحصانة بأثر رجعي على جميع الإجراءات الإدارية والمالية التي اتخذت بعد سقوط نظام الأسد وحتى صدور هذا القانون باعتبارها “صحيحة ومنتجة لآثارها”. أي أنها شرعنت ما تم سابقاً ومنحت غطاءً قانونياً لمرحلة كاملة من القرارات التي اتُّخذت خارج الإطار القانوني.
باختصار، لا أحد يعترض على تحديث القوانين أو تطوير الإدارة الجمركية؛ فالتحديث ضرورة لأي دولة تسعى إلى تنظيم تجارتها وحماية اقتصادها. لكن ما يجري اليوم لا يندرج في إطار التحديث الطبيعي، بل في إطار إعادة تشكيل عميقة لمركز القرار الاقتصادي وهندسة للاقتصاد السوري عبر تمركز السلطة في يد جهة واحدة. وهذه الحقيقة يجب أن تُقال بوضوح، بعيداً عن الخطاب الترويجي الذي يقدّم نصف الصورة ويتجاهل نصفها الآخر.
- المدن
























