دمشق- “القدس العربي”: كشفت وزارة العدل السورية مساء اليوم الأربعاء، وعبر مقطع فيديو، عمّا أسمته “جريمة بشعة مكتملة الأركان ضد الإنسانية والأخلاق قام بها مجموعة من الأطباء الضباط خلال حكم النظام البائد، داخل مستشفى تشرين العسكري”، من خلال سرقة كبد أحد الموقوفين لدى الاستخبارات العسكرية، وزرعه في جسد ضابط من الحرس الجمهوري مقرب من رئيس النظام السابق بشار الأسد.
واعتبر الحقوقي والخبير القانوني المحامي فواز الخوجة في تصريح لـ”القدس العربي” أن هؤلاء الأطباء ارتكبوا جريمة القتل العمد، والادعاء بأنهم كانوا ينفذون أوامر مدير إدارة الخدمات الطبية لا يعفيهم في كونهم شركاء في الجريمة، مشيرا إلى أن النظام السابق قام وخلال ستين سنة بخنقنا وذبحنا ولم يترك شيئا إلا وقد جربه علينا، حتى أننا سمعنا عن اختفاء أكثر 300 طفل من جمعية قرى الأطفال السورية قيل إن بعضهم تم بيعه لروسيا كفئران تجارب أو للمتاجرة بأعضائهم.
المقطع المصوّر الذي نشرته وزارة العدل على صفحاتها الرسمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، احتوى أقوالا لعدد من الضباط الأطباء في مستشفى تشرين العسكري، والذين اعترفوا بعملية سرقة كبد لأحد الموقوفين في الفرع 215 التابع للأمن العسكري وزرعه في جسد ضابط برتبة ملازم أول من الحرس الجمهوري، وكان والده مقربا من رئيس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد.
وأظهر الفيديو جانبا من جلسات التحقيق وتمثيل الأطباء لجريمتهم داخل غرف عمليات المستشفى بعد إلقاء القبض عليهم ونقلهم من المستشفى إلى مكان توقيفهم وهم معصوبو الأعين ومقيّدون.
وذكرت وزارة العدل أنها كشفت عن هذا الفيديو، ضمن مسار العدالة ومنع الإفلات من العقاب، مؤكدة أنها تعمل على تقديم المجرمين الذين ارتكبوا مجازر وانتهاكات بحق أبناء الشعب السوري للعدالة، عبر إجراءات قانونية واضحة تقوم على التحقيق وجمع الأدلة وتوثيق الوقائع، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية، بما يضمن محاكمات عادلة ويكرّس سيادة القانون ويحقق العدالة المنشودة.
اعترافات كاملة
اعترف الأطباء خلال استجوابهم أو خلال تمثيلهم للعملية التي نفذوها، دون إنكار لما قاموا به، ومعظم الاعترافات كانت على لسان الطبيب العميد، اليقظان أحمد حسن، المسؤول المباشر عن عملية سرقة كبد المعتقل. وظهر في الفيديو معه اعترافات للطبيب العميد إبراهيم عباس يزبك، مسؤول عناية جراحة القلب، والطبيب العقيد أحمد محمود الخطيب، رئيس قسم العناية المشددة العامة، وطبيب التخدير العقيد وائل محمد صيوح.
وكشف اليقظان عن كامل أعضاء الفريق الطبي وهم إضافة إلى ما سبق، معاونه العقيد الدكتور تيسير صالح، والعميد طبيب الجراحة العامة صالح حسن يوسف، والعقيد الطبيب حيدر سليمان أحمد، وطبيب تخدير جراحة القلب الدكتور علي العلي، وكلهم أطباء عسكريون، إلى جانب الممرضين.
وبيّن اليقظان أن الفريق الطبي كُلّف من قبل مدير إدارة الخدمات الطبية اللواء عمار سليمان في وزارة الدفاع السورية، بإجراء عملية زرع كبد لمريض يهمّه، وهو ضابط في الحرس الجمهوري برتبة ملازم أول، وقال إن والد الضابط المريض كان قد زاره في مكتبه ليبلغه عن وجود متبرع جاهز وموجود في المستشفى 601 العسكري في المزة.
وخلال اعترافاته، أوضح العميد يزبك أن مدير إدارة الخدمات الطبية اللواء عمار سليمان لم يكن يأخذ تعليماته إلا من شخص واحد هو رئيس النظام السابق بشار الأسد أو من أخيه ماهر الأسد، وحتى أنه لم يكن يرد على وزير الدفاع.
أما العقيد الخطيب، فقد نفى في اعترافاته، رواية أن المتبرع يعاني من آفة دماغية، كما كان قد قال العميد الحسن، وأكد أن المريض الملازم أول كانت لديه آفة كبدية متقدمة، أما المريض الذي قيل إنه كان في المستشفى 601، ويعاني من موت دماغي، فهو لم يكن كذلك وإنما كان موقوفا في الفرع 215 التابع للأمن العسكري، وكان في حالة عامة جيدة وواعيا ومتجاوبا وعلاماته الحيوية تميل إلى الاستقرار ولم يعان من أي مشكلة دماغية.
وأظهرت الاعترافات أن المريض الأول توفي مباشرة بعد استئصال كبده، خلال العملية التي لم تكن ناجحة بالنسبة للمريض الثاني الذي توفي بدوره بعد أسبوع من العملية.
ونقل الفيديو عن المحقق قوله للطبيب الحسن إنكم قتلتم الرجل الذي نقلتم منه الكبد، كما قتلتم الرجل الذي نقلتم له الكبد.
القتل العمد
واعتبر الحقوقي والخبير القانوني المحامي فواز الخوجة في تصريح لـ”القدس العربي” أن ما ظهر في مقطع الفيديو يشير إلى أن الأطباء الضباط ارتكبوا مجموعة من الجرائم تصل بهم إلى جريمة القتل العمد، باعتبار أن جميع المشاركين في العملية الجراحية، قاموا باستئصال كبد شخص علموا مسبقا أنه سليم ومعافى، وأن العملية ستؤدي إلى وفاته.
وقال الخوجة: لم يلتزموا بالعرف وقسم أبوقراط الطبي، الذي يشدد على حماية الحياة الإنسانية، بحيث أنهم أجروا عملية استئصال لشخص كان يجب ألا يقوموا بها إلا في حالة واحدة وهي أن يكون الشخص متبرعا بعضوه المستأصل بشكل مسبق، وهذا ما لم يكن قد حصل، بل شاركوا في عملية جراحية أدت إلى مقتل إنسان، وبالتالي فإن هؤلاء الأطباء ارتكبوا جريمة جنائية ويجب أن يحاسبوا عليها.
الأوامر لا تعفيهم
وإن كان قيام الأطباء الضباط بالعملية نتيجة أوامر تلقوها من مدير الإدارة الطبية قد يعفيهم أو يخفف من عقوبتهم، قال الخوجة: إن جميع أصحاب الرتب الدنيا، يتحججون اليوم بأنهم تلقوا أوامر من رؤسائهم، ولكن وحتى لو كان الأمر ملزما وصدر في عهد نظام مجرم لن يرحمك إن لم تنفذه، فإنه وبمجرد أن يتم تنفيذ الأمر والمشاركة في الجريمة إن بإطلاق الرصاص مباشرة أو بالقتل العمد مثل العملية الجراحية السابقة، فإن صاحب الرتبة الأدنى يصبح شريكا في الجريمة.
وتابع الخوجة، لو كان اتخاذ قرار العقوبة لمن نفذ أوامر القتل، يعود لي، فإني لن اعتبر صدور الأوامر من القيادات سببا لتخفيف العقوبة على المستويات الأدنى المنفذة للجريمة.
ولم يعتبر الخوجة نشر الاعترافات السابقة أنه دليل على انتشار مثل تلك الحالات، وأوضح أنه لا يمكن هنا القياس بهذه الطريقة، لأنه لا تتوفر لدينا معلومات موثقة، ولسنا جزء من جسم التحقيق، لكنه أردف: في المقابل كنا نسمع مثل هذه الروايات سابقا، بل وحتى أسوأ من ذلك، حيث سمعنا عن اختفاء أكثر 300 طفل من جمعية قرى الأطفال SOS في سورية التي كانت تعمل على رعاية الأيتام والأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، ويقال إن بعضهم تم بيعه لجهات في روسيا الاتحادية كفئران تجارب أو للمتاجرة بأعضائهم.
وتابع، لا يمكننا أن نعمم الحالة، لأنه لا تتوفر لدينا معلومات موثقة، ولكننا في الوقت ذاته لا يمكننا استبعاد وقوع مثلها، لدرجة أنه تم في عهد النظام السابق، إنتاج مسلسل حمل اسم “عناية مشددة” أظهر حصول حالات خطف أشخاص ثم المتاجرة بأعضائهم، أي أن الحالة كانت موجودة في المجتمع لدرجة السماح بإنتاج مسلسل عنها.
بناء الدولة
وبدأت وزارتا الداخلية والعدل في اليومين الأخيرين نشر مجموعة من الأخبار حول حالات اعتقال المجرمين من أفراد النظام السابق، أو جانبا من عمليات التحقيق التي تجري معهم، في محاولة لتهدئة تظاهرات عمّت العديد من المدن السورية بحجة تأخر محاكمة “شبيحة” و”فلول” النظام السابق.
وعلّق الخوجة على الوضع وقال: إن ما حصل في الأيام الأخيرة في الشارع السوري مثل حالة من الفوضى الخطيرة جدا، لأنه لا يجب، أولا، أن يخرج كل شخص ليأخذ بثأره بيده، فهو أساسا لا يعرف من هو غريمه، أو من قتل ابنه داخل أحد الأفرع الأمنية، وثانيا، هل على صاحب الدم أن يثأر من قاتل ابنه تحديدا، أم من عائلة أم قرية أو مدينة القاتل، وثالثا، إن كل من شارك في هذه التظاهرات التي طالبت بطرد أو ملاحقة الشبيحة، ليس بالضرورة جميعهم من الثوار.
وتابع الخوجة: لقد تخلصنا من نظام وصل عمره إلى ستين سنة، وقام بخنقنا وذبحنا، ولم يترك شيئا إلا وقد جربه علينا، وحان الوقت لننتقل إلى مرحلة بناء الدولة، وعمليات القتل في الشارع لا تبني الدولة، وفي معظم النظم العالمية مطلوب إن لم تكن الدولة قوية وصاحبة يد ضاربة دون رحمة، ولكن بالعدل، وإلا فإننا سنصبح داخل الغابة، وربما هذا ما يسعى إليه بعض من وقف وراء تأجيج الشارع السوري.
- القدس العربي


























