هل كان التزامن بين الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بخصوص إيقاف الحرب بصورة فورية ودائمة في منطقة الخليج وعيد ميلاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مجرد مصادفة؟ أم أنه كان تقصّداً من جانب الأخير الحريص على صورته الإعلامية، وتضخيم دوره الشخصي في إيقاف الحروب في مختلف انحاء العالم؟
هل تعد مذكرة التفاهم هذه اتفاقاً أكيداً ينهي الأزمة التي بدأت منذ 28 من شهر شباط/فبراير المنصرم؟ أم أنها تظل مجرد مذكرة تفاهم، يتوقف مصيرها على إرادة الأطراف الثلاثة المعنية بالحرب (الولايات المتحدة، اسرائيل، إيران)؟
أعلن الرئيس ترمب مبشراً كعادته عن فتح مضيق هرمز وكأنه الإنجاز الأكبر، وطلب من سفن العالم تشغيل محركاتها ليتدفّق النفط عبر مضيق هرمز؛ هذا مع العلم أن المضيق كان مفتوحاً قبل 28 من شباط، ولم تكن هناك أي مشكلة على صعيد تدفق النفط. لكن ترامب نفسه عاد ليغرد مجدداً، بعد تصريحات المسؤولين الإيرانيين، بأن فتح المضيق سيكون يوم الجمعة القادم 19-6-2026، أي يوم توقيع الاتفاق في سويسرا. وهذا معناه أنه ما زالت هناك خمسة أيام طويلة، وفق مقاييس الحرب الخليجية الرابعة، تفصل بين ما أعلنه ترمب في بداية الأمر وما ستكون عليه الأمور في واقع الحال.
الأمور ما زالت مبهمة، والجميع في انتظار النص الرسمي للاتفاق الذي سيوقع في سويسرا يوم الجمعة القادم. والسؤال هنا: هل سيعلن كل شيء أم سيكون العالم أمام توافقات عامة تحتاج إلى الكثير من المناقشات والشدّ والجذب حتى يتم التوصل إلى اتفاق تنفيذي يشمل التفاصيل الإشكالية التي يمكن لأي تفصيل منها أن يفجر كل ما تم التوافق عليه..
وما يرجّح صحة التوصل إلى التوافقات بخصوص إنهاء الحرب هو توافق التصريحات الأمريكية والإيرانية بخصوص الإيقاف الفوري والنهائي للعمليات العسكرية؛ ولكن من الملاحظ أن كل جانب يحرص على تسويق الإتفاق وكأنه نصر مبين له.
فترمب يطمئن مواطنيه، بل يمنّن العالم، بخصوص أسعار الطاقة؛ وستكون مشاركته في قمة السبعة الكبار في فرنسا، وحضوره الاحتفاء الخاص في قصر فرساي من موقع المنتصر.
أما النظام الإيراني، الذي لم تتضح ملامحه النهائية بعد، فهو يحاول بشتى السبل الظهور أمام الإيرانيين خاصة، وعلى مستوى الإقليم والعالم في مظهر المنتصر الذي صمد على الرغم من الموازين المختلة لصالح التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ولعل هذا ما يفسر حرص هذا النظام على ضرورة رفع الحصار الأمريكي أولاً قبل فتح المضيق، وكذلك تأكيده ضرورة ايقاف الحرب في منطقة الخليج وفي لبنان في الوقت ذاته.
هل انتهت الحرب فعلاً؟ أم اننا في الواقع العملي أمام هدنة طويلة قد تمتد على مدى شهرين، وهي المدة التي خصصتها مذكرة التفاهم، المشار إليها، للمفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي حول القضايا المختلف عليها؛ لا سيما تلك التي تتناول الملف النووي، والصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي، ومستقبل العلاقة بين إيران واسرائيل، والأذرع، وربما قضايا أخرى تهم الطرفين؟
الأمور ما زالت مبهمة، والجميع في انتظار النص الرسمي للاتفاق الذي سيوقع عليه في سويسرا يوم الجمعة القادم. والسؤال هنا: هل سيعلن كل شيء أم سيكون العالم أمام توافقات عامة تحتاج إلى الكثير من المناقشات والشدّ والجذب حتى يتم التوصل إلى اتفاق تنفيذي يشمل التفاصيل الإشكالية التي يمكن لأي تفصيل منها أن يفجر كل ما تم التوافق عليه، خاصة بعد التجارب الكثيرة التي تكررت منذ الحديث الأول عن قرب التوصل إلى اتفاق، أو التبشير به على طريقة ترمب؟
أما السؤال الكبير الذي يشغل الجميع فهو: هل ستلتزم اسرائيل نتنياهو بهذا الاتفاق؟ هل ستعتبره تتويجا لمساعيها الرامية لفرض نفسها القوة الكبرى والأكثر تأثيرا وقدرة على التحكم في الإقليم؟ أم أنها ستلتزم مبدئياً بما تم التوافق عليه بين ترمب والإيرانيين لأسباب خاصة بكل طرف، وستنتظر التطورات والفرص والحجج، لتستمر في عملية هندسة الأوضاع وفق ما ينسجم ويتوافق مع مخططاتها وحساباتها؟
هل نحن أمام توافق أمريكي إيراني وحتى اسرائيلي حول دور إيراني جديد في المنطقة ينسجم مع المتغيرات التي كانت، ويتكامل مع الأدوار الإقليمية للقوى الأخرى (السعودية ومعها دول الخليج، تركيا، مصر) وفق الحسابات الأمريكية، لا بموجب ما تتطلع إليه مجتمعات ودول المنطقة؟
وما يرجح هذا الاحتمال، هوما يُفهم من طريقة التعامل مع موضوع ضبط سلاح الميليشيات الولائية في العراق، وحتى مع ملف “حزب الله” في لبنان. فما يجري في البلدين على أرض الواقع ما زال بعيداً عن المطلوب المعلن عنه. وما يُستشف من الخطوات والاجراءت التي اُتخذت حتى الآن يوحي بوجود رغبة في تصوير الأمور هناك وكأنها قد حُلّت، وباتت تحت سيطرة الدولة؛ بينما الجميع يعلم، وفي مقدمتهم الحكومة العراقية والحكومة اللبنانية، بأن العصر الإيراني في البلدين لم ينته بعد، وإنما الذي تغيّر هو اسلوب الإخراج وسقف التأثير.
وسوريا بوضعها الانتقالي الاستثنائي الهش الراهن تقع بين العراق ولبنان، ومن الطبيعي أن تتأثر بما يجري في البلدين، خاصة أنها لم تتخلّص تماماً من رواسب التحكّم الإيراني بسلطة آل الأسد، وهو التحكّم الذي امتدّ على مدى عقود؛ وتمكّن من التغلغل ضمن المجتمع السوري عبر أقنية مختلفة ما زالت التساؤلات حول دورها السابق، ومصيرها الراهن، وامكانية تفعيلها مستقبلاً، قائمة.
السوريون جميعاً، وفي سائر المناطق، هم اليوم بأمس الحاجة إلى خطاب وطني جامع. خطاب ينتشلهم من براثن الهواجس والأحقاد التي تستمد نسغها من الاستنتاجات الرغبوية المستعجلة التي تتأثر غالبا بجهود المستثمرين في الأزمات بكل أسمائها (النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها) .
وفي أجواء الاضطراب وعدم الوضوح، وتزاحم القوى الدولية والإقليمية في مسارات الصراع على مناطق النفوذ، خاصة في شرقي المتوسط، وسوريا تحديداً، وذلك لأسباب جيوسياسية واقتصادية بعيدة المدى والتأثير؛ في أجواء كهذه من الطبيعي، ومن الأهم أن يكون التركيز على تحصين المجتمع الوطني السوري من خلال معالجة مشكلاته، وترميم وحدته، عبر تبديد الهواجس، وتعزيز تماسكه من خلال اجراءات بناء الثقة وتكريسها؛ وتمكين الدولة السورية بتفعيل مؤسساتها، وفتح أبوابها أمام سائر السوريين وفق معايير الكفاءات والإخلاص لوحدة الوطن والشعب من دون أي تمييز أو استثناء بناء على الخلفيات الانتمائية أو الولائية.
نحن لسنا في موقع المطّلع على تفصيلات حسابات القوى المتصارعة على المنطقة وعلى سوريا تحديداً. كما أن التكهّن التخميني لن يسعفنا كثيراً في عالم تغريدات الرئيس الأمريكي والتقية الإيرانية. ولكننا على قناعة تامة بأن الخطاب التجييشي الطائفي والقومي والمذهبي بكل أشكاله وتلاوينه؛ وحملات المطالبة بالعقوبات الجماعية، والمقاطعة الجمعية؛ ومحاولات إلغاء وجود الشريك في الوطن والمصير في الأذهان على الأقل، وفي الأعيان إن أمكن؛ كل هذه الأمور وغيرها من من تلك التي تركز على مسائل هامشية تثير الحساسيات، وتعيد ترتيب الأولويات بما لا ينسجم مع أولويات السوريين في مواجهة التحديات الموجودة، وتلك المنظورة، والأخرى المجهولة التي قد تبدو في الأفق في أي لحظة.
السوريون جميعاً، وفي سائر المناطق، هم اليوم بأمس الحاجة إلى خطاب وطني جامع. خطاب ينتشلهم من براثن الهواجس والأحقاد التي تستمد نسغها من الاستنتاجات الرغبوية المستعجلة التي تتأثر غالبا بجهود المستثمرين في الأزمات بكل أسمائها (النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها) . وهي هواجس وأحقاد تنذر بتفجيرات مجتمعية لن تكون في مصلحة السوريين على مستوى الجماعات والأفراد.
كما يحتاج السوريون إلى جهود حقيقية لمغادرة دائرة العوز والحاجة، ليتمكنوا من التوجه نحو بناء الاجتماع والعمران بتفاؤل حقيقي راسخ، يستمد قوته من تضامنهم المتبادل، وعملهم المشترك من أجل مستقبل أفضل للجميع.
سوريا تمتلك من الإمكانيات الكافية التي تضمن إخراج السوريين من الأزمة الحالية؛ غير أن ذلك يتطلب إدارة رشيدة حكيمة، تُخضع كل الحسابات الفردية والجماعاتية للأولويات والمصالح الوطنية العامة التي تهم الجميع. إدارة تقطع الطريق على الفساد والهدر، وتعيد صياغة قائمة الأولويات لصالح ضمان الأمن والأمان، ومقومات العيش الكريم لسائر السوريين من دون أي تمييز أو استثناء.
- تلفزيون سوريا


























