ترمب يكرر الطرح.. وتناقض مع الموقف السوري
ومع ذلك، يكرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرحه المثير للجدل حول إمكانية أن تلعب سوريا دوراً حاسماً في تفكيك حزب الله، بطريقة يصفها بأنها قد تكون “أكثر إنسانية” من النهج الإسرائيلي، رغم استمرار دعمه وتوجيهه انتقادات متكررة لإسرائيل في الوقت نفسه. وقد بدا هذا الطرح أكثر جدية في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ومع تصاعد مؤشرات نفاد صبر ترمب إزاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوبي لبنان. وفي هذا السياق، قال خلال قمة مجموعة السبع في باريس: “بصراحة، أعتقد أن سوريا ستؤدي عملاً أفضل”.
وبحسب ترمب، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى استعداداً لتنفيذ هذه الخطة، وهو ما يتناقض بشكل كامل مع التصريحات الصادرة عن الشرع نفسه، الذي نفى بشكل واضح وجود أي نية أو حتى نقاش بشأن تدخل سوري في الشأن اللبناني. كما أكدت مصادر سورية متعددة، في أكثر من مناسبة، غياب أي توجه من هذا النوع.
ويطرح ذلك تساؤلاً حول مدى إمكانية بناء تحليل جدي على تصريحات سريعة ومتلاحقة، يصعب أحياناً إخضاعها للفحص المنطقي أو اختبار علاقتها بالواقع، في ظل وتيرة عالية من التصريحات التي تدفع المتابعين إلى الاكتفاء بنقلها، دون منح الوقت الكافي لتحليلها أو قياس مدى انسجامها مع آليات صنع القرار داخل المؤسسات الأميركية.
إرث ثقيل يحكم العلاقة بين دمشق وبيروت
تاريخياً، لا تزال العلاقة بين سوريا ولبنان مثقلة بإرث ثقيل من التوتر والعنف خلال عقود حكم حافظ وبشار الأسد، حيث ارتبطت تلك المرحلة بتدخل مباشر وسيطرة سياسية وأمنية واسعة. كما أعادت سنوات الثورة السورية إحياء بعض وجوه هذا الصراع، وإن بأشكال مختلفة.
لكن، وبعد سقوط النظام، حاولت دمشق إرسال إشارات مغايرة، إذ قال الرئيس أحمد الشرع في كانون الثاني/ يناير 2025 إن سوريا “تنازلت عن جرح حزب الله”، في إشارة إلى رغبة معلنة في تجنب إعادة فتح هذا الملف. وفي هذا السياق، تبدو أي تلميحات إلى “هجوم جراحي” سوري داخل لبنان بعيدة عن الواقع.
تعقيدات سياسية واجتماعية تتجاوز البعد العسكري
ويرى علي عبد المجيد، الباحث في مركز عمران للدراسات، أن فكرة التدخل السوري في لبنان شديدة التعقيد، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً على المستويين السياسي والاجتماعي، نظراً للإرث السلبي العميق، وغياب أي رغبة لدى الأطراف المختلفة في إعادة إنتاج الاصطفافات الطائفية أو فتح مسارات استقطاب جديدة من شأنها إضعاف البلدين، في وقت يواجهان فيه تحديات مشتركة، أبرزها التوتر مع إسرائيل.
وفي السياق ذاته، يكشف مصدر دبلوماسي مطلع على قنوات الاتصال بين دمشق وواشنطن أن الجانب السوري وضع جملة من الشروط المسبقة لبحث أي مقترح من هذا النوع، تشمل إعادة تأهيل وتسليح الجيش السوري وتدريبه، إلى جانب خطوات سياسية وأمنية تتعلق بإسرائيل، وهي مطالب تبدو معقدة وتحتاج إلى سنوات لتحقيقها، ما يجعل طرح التدخل أقرب إلى التصور النظري منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
اختلال توازن القوى.. وسؤال القدرة
أما نوار شعبان، الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، فيشير إلى أن السؤال الأول الذي يطرح نفسه فور سماع هذه التصريحات هو: هل تمتلك سوريا القدرة الفعلية على مواجهة حزب الله؟ ويضيف أنه حتى في حال توفر غطاء دولي أو إقليمي، فإن الموقف لن يكون معزولاً عن حسابات حلفاء الحزب، لا سيما إيران وبعض القوى في العراق.
ويؤكد شعبان أن القدرات العسكرية الحالية للجيش السوري لا تتناسب مع طبيعة المواجهة المفترضة، خصوصاً في ظل تجربة حزب الله القتالية الطويلة، بما في ذلك مواجهته المستمرة مع إسرائيل. ويلفت إلى أن القوات الإسرائيلية نفسها، رغم تفوقها والدعم الجوي الكبير الذي تحظى به، لم تتمكن حتى الآن من تحقيق حسم كامل حتى في نطاقات محدودة من جنوبي لبنان.
ويرى أن سوريا، في المقابل، تتبنى حالياً سياسة يمكن وصفها بـ”الحياد النشط”، تقوم على تجنب التدخل المباشر في الشأن اللبناني، مقابل العمل على ضبط الحدود بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، لمنع استخدامها في أي أنشطة قد تؤدي إلى تصعيد.
قلق لبناني ومحاولات لاحتواء الطرح
في لبنان، تبدو هذه التصريحات مصدراً إضافياً للقلق، إذ دفعت إلى البحث عن تطمينات مباشرة تؤكد أن ما يجري تداوله لا يعدو كونه طرحاً غير قائم على أسس تنفيذية.
وفي هذا الإطار، وصل نائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري إلى أنقرة حاملاً ملفات سياسية وإعلامية، كان في صلبها مستقبل العلاقة بين بيروت ودمشق. وبحسب مصادر شاركت في بعض اللقاءات، فقد أكدت تركيا بشكل واضح أن الحكومة السورية لا تنظر في أي خيار للتدخل في لبنان، مشددة على أن القرار في هذا الشأن سيبقى سورياً بحتاً.
من جانبه، يرى الصحفي اللبناني صهيب جوهر أن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرك تعقيدات هذا الملف، ويبتعد عن أي مغامرة من هذا النوع، سواء في التصريحات العلنية أو في النقاشات المغلقة، مشيراً إلى أن فكرة تدخل سوري في لبنان لا تبدو ممكنة، لا سياسياً ولا ميدانياً، في الظروف الحالية.
المخاطر في الطرح.. لا في التنفيذ
في المحصلة، تبدو فكرة انخراط سوريا في مواجهة مباشرة مع حزب الله أقرب إلى فرضية سياسية منها إلى خيار قابل للتحقق في المدى المنظور، سواء بالنظر إلى توازنات القوة الميدانية أو الحسابات السياسية المعقدة داخل سوريا ولبنان والمنطقة. ومع غياب المؤشرات العملية على وجود مسار فعلي من هذا النوع، تظل تصريحات ترمب جزءاً من خطاب سياسي يصعب عزله عن سياقاته الداخلية والدولية، أكثر من كونها تعبيراً عن توجه قابل للتنفيذ.
وبين هذا وذاك، يبقى الخطر الحقيقي في مثل هذه الطروحات ليس في إمكانية تحققها، بل فيما يمكن أن تتركه من ظلال على توازنات هشة، في منطقة لا تحتمل كثيراً من السيناريوهات النظرية.
أين تنتهي حماية الحدود؟
ويرى محسن مصطفى، الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أن الحديث عن احتمال تدخل عسكري سوري في لبنان يطرح سؤالين مختلفين: هل ترغب دمشق في ذلك؟ وهل تمتلك القدرة على تنفيذه؟ موضحاً أن التمييز بين السؤالين ضروري، لأن امتلاك القدرة على عبور الحدود لا يعني امتلاك القدرة على تحقيق هدف سياسي وأمني معقد داخل مجتمع شديد الانقسام مثل المجتمع اللبناني.
وأشار مصطفى لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن الفترة الأخيرة شهدت بروز دعوات وضغوط أميركية تطالب سوريا بلعب دور مباشر في مواجهة حزب الله أو الحد من قدراته العسكرية داخل لبنان، ما قد يضع دمشق أمام خيارين صعبين؛ إما التدخل المباشر وتحمل ما يترتب عليه من أعباء سياسية وأمنية وعسكرية، أو ترك المجال أمام إسرائيل للتدخل والتوغل في العمق اللبناني وصولاً إلى المناطق المحاذية للحدود السورية، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية وأمنية على سوريا ولبنان معاً.
ولفت إلى أن دمشق لم تبد حتى الآن استعداداً للانخراط في تدخل عسكري من هذا النوع، إدراكاً منها لما قد يترتب عليه من مخاطر سياسية وأمنية وعسكرية. كما أن أي محاولة إسرائيلية لتنفيذ مثل هذه المهمة بصورة مباشرة تحمل بدورها مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع، وإثارة ردود فعل داخل لبنان والمنطقة، وتعقيد جهود الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.
وبحسب مصطفى، تستطيع سوريا تعزيز قواتها على الحدود، ومنع التهريب والتسلل، وقطع الطرق التي كانت تستخدم لنقل السلاح والمقاتلين، كما يمكنها، بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، تنفيذ ترتيبات أمنية مشتركة وضبط المناطق الحدودية، معتبراً أن هذا المستوى من التدخل يخدم الأمن السوري ويحترم، في حال الاتفاق، سيادة البلدين.
أما الانتقال من ضبط الحدود إلى دخول الأراضي اللبنانية بهدف نزع سلاح حزب الله، فيعني، وفق مصطفى، التحول من مهمة أمنية محدودة إلى حرب مفتوحة، لأن حزب الله، حتى بعد الخسائر التي تعرض لها، ليس مجموعة معزولة يمكن تفكيكها بعملية خاطفة، بل تنظيم مسلح يمتلك خبرة قتالية وانتشاراً جغرافياً وشبكات اجتماعية وسياسية.
وأكد أن مواجهة حزب الله داخل لبنان قد تتحول إلى حرب مدن وجبال واستنزاف طويل، وقد تمتد تداعياتها إلى الداخل السوري، خاصة أن سوريا ما تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية وتثبيت سلطتها على كامل أراضيها.
وختم مصطفى بأن إرسال قوات سورية كبيرة إلى الخارج سيستهلك موارد تحتاج إليها الدولة في الداخل، ويخلق فرصاً لخصومها، وقد يعيد إنتاج الانقسامات الطائفية على جانبي الحدود.
- تلفزيون سوريا



























