منذ الاتفاقات الاندماجية ما بين قسد والسلطة، برعاية أمريكية ودولية وإقليمية، وأنا أراقب ما يجري من تغيرات على الصعيد السياسي في البلد. فقد تغيرت اللوحة بشكل إيجابي واضح، بغض النظر عن لوحة التأويلات المعارضة للاتفاق من كل الأطراف.
أول وأهم منجز لهذا الاتفاق هو ترسيخ قاعدة مهمة للسلم الأهلي. إضافة إلى أنه وضع القضية الكردية في سوريا كهم سوري. حيث تعيد القوى السياسية ترتيب أوراقها بناء على هاتين القاعدتين. في الواقع ما أريد مقاربته في هذه المادة: أن من يهاجم قسد أغلبهم لم يقدم تصوراً واضحاً عن الحل، وعن البديل.
كذلك تطور الأمر، وشارك المجلس الوطني الكردي في “انتخابات” مجلس الشعب، ونجح منه أسماء مهمة. السلم الأهلي من جهة والحرية التي تنعم بها القوى الكردية في المناطق الكردية من جهة أخرى، تجعلنا نأخذ بعنوان أساسي لنضالنا الآن: خذ وطالب. المشكلة تكمن ببساطة في غياب برنامج لسقف المطالب، وكيفية الوصول إليها.
هنالك أصوات من خارج التجمعين الرئيسيين في الحركة الكردية، انتقاداتها توجه لقسد بعد أن كانت تدعمها على السراء والضراء، أن تبقى مسيطرة على الجزيرة السورية، وليس على المناطق الكردية فقط. هذا ما ظهرت معالمه في المعارك التي جرت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب. حيث هما حيان حلبيان تقطنهما مجتمعات كردية بجانب العرب، وهما حيان حديثان نسبياً، وليس أرضا كردية.
في المناطق الكردية الآن أغلب المسؤولين أكراد، سواء من قسد أو من المجلس أو مستقلين نسبياً. هنالك اعتراف رسمي من قبل السلطة بعدة مطالب كردية مركزية. تجسد ذلك بأكثر من خطوة، سواء بالمرسوم رقم 13، وبالاتفاقات المبرمة، المعلن عنها وغير المعلن حتى الآن، أو حتى بالتعيينات التي تمت بناء عليه، أو بالحوارات والمفاوضات بين المجلس والسلطة.
كي لا نبقى ندور في حلقة مفرغة؛ أقول إن هنالك استراتيجيتين تتنازعان المشهد الكردي السوري: الأولى هي استراتيجية المجلس الوطني الكردي، التي تعتمد تجربة كردستان العراق نموذجاً يجب تطبيقه في سوريا، رغم الاختلافات الجوهرية في الواقع الموضوعي بين العراق وسوريا، منها توزع المناطق الكردية من جهة، وتوزع الوجود الكردي في كل البقاع السورية تقريباً من جهة أخرى. أيضاً يعتبر المجلس أن القيادة البرزانية هي سندها وظهيرها.
الاستراتيجية الثانية: من المعروف جيداً أن هذه استراتيجية تأسيسية لدى منظومة حزب العمال الكردستاني التركي بفروعه. هذه الاستراتيجية تقوم على أن ساحة النضال الأساسية هي تركيا، بالتالي يجب توظيف كل الجهود من أجل ذلك. من ضمن هذه الاستراتيجية هي بقاء علاقة جيدة مع سلطات الدول المحيطة بتركيا. إلا في حال تبنت هذه الاستراتيجية دولة عظمى كأمريكا.
من جهة أخرى، هنالك خوف متأصل لدى الأبوجيين من أن تخرجهم البرزانية من المعادلة الكردية في الدول المحيطة بتركيا. وهو خوف تأسيسي وليس مجرد سياسة عابرة. لهذا نجد أن الكتلة التأسيسية للحزب، وفروعه بقيت على علاقة جيدة مع السلطات العراقية، والإيرانية، والسورية حتى لحظة التحرير. هذا من جهة، وتغير استراتيجية أوجلان في تركيا من جهة أخرى. هذا التغير يحتاج لبحوث خاصة به.
الاتفاق الذي تم توقيعه بين السلطة في دمشق، وبين قسد، ضمن شكلاً من أشكال استمرار هذه الاستراتيجية. الآن يتم التنسيق في إدارة المناطق الكردية، والمختلطة بين الطرفين، ومشاركة نسبية للمجلس الوطني الكردي أيضاً وفقاً لموازين القوى. هذه الأجواء تمت، وتتم برعاية دولية وإقليمية متعددة الرؤوس.
هذه الاتفاقيات أوقفت حمام دم، كما أثرت إيجابياً بشكل كبير على السلم الأهلي في البلد. الرؤوس الحامية والتي أغلبها في الخارج، والتي كانت صوتاً لقسد بنسختها الأمريكية في الخارج، وجدت نفسها بلا عمل نسبياً. بالطبع ليس هنا مجال للدخول للحقل الأيديولوجي لمنظومة حزب العمال البي كي كي.
هذه النتائج الإيجابية والاستمرار في قضايا اندماج العسكر، والجوانب التنظيمية والسياسية وغيرها، التي جرت ويجري الاستمرار في تطبيقها، رغم الصعوبات، ليست فقط نقلة نوعية في ترسيخ السلم الأهلي، بل أيضاً دعامة لمشهد يكون أساساً انتقالياً نحو نظام ديمقراطي سوري، فيما لو استطاع الديمقراطيون استغلال هذه الفرصة بالنضال السياسي والمدني، من أجل قيام كتلة ديمقراطية عابرة للإثنيات والأديان والطوائف، للضغط على الأطراف السياسية سلطة وغير سلطة.
من جهة أخرى، وكما أسلفت، هذا يشكل أيضاً أرضية حقيقية لاستمرار النضال من أجل لا مركزيات ديمقراطية في كل سوريا. أيضاً لا بد من الإشارة أن قسد كانت، ولا تزال تمتلك قوة عسكرية على الأرض لا يمتلكها المجلس. هذه الحقيقة فرضت حضورها في المشهد الكردي السوري. من الجميل أيضاً أن نرى معارك سياسية داخل المشهد الكردي، في إطار ديمقراطي سوري وتحالفات سورية. هذا أيضاً لا يمنع أن يكون حقلاً في الفضاء العام السوري كله.
بالعودة إلى من تخلوا عن قسد، وباتت عدوهم بعد الاتفاق: يعلنون فشل سياسة أخوة الشعوب، لماذا؟ لأن الشعب السوري غير الكردي، لا يستحق مثل هذه السياسة التي صارت فاشلة بالنسبة لهم! وكأن شعب الجزيرة السورية كان يعيش تحت قسد في نعيم رغم الثروات التي تمتلكها! وكانت تشاركه ديمقراطياً في قراراتها!
هل كان المطلوب أن تبقى قسد مسيطرة على الجزيرة؟ وليتهم أيضاً يعطون نموذجاً عملياً لما يريدونه في الساحة الكردية، تجسيداً لحق تقرير المصير في سوريا. هم لا يهاجمون قسد فقط بل المجلس الوطني أيضاً. كنت أتمنى أن تكون الانتقادات والهجوم من أجل برنامج ديمقراطي سوري حقيقي.
ما حصلت عليه قسد هو نتاج لميزان قوى. تجسد في هذه الاتفاقيات. وكي أشير إلى عمق الخلاف في المشهد الكردي أيضاً، لا بد من رؤية هذا الخلاف في إقليم كردستان العراق نفسه. بين الحزب الديمقراطي وبين الاتحاد الوطني، الذي لا يزال مستمرا منذ عام 1990 تقريباً، ويقسم الإقليم حتى الآن.
ختاماً، هنالك الآن أرضية مهمة للنضال السياسي سورياً، ومن ضمنه كردياً، من أجل نظام ديمقراطي سوري حقيقي.
- الثورة السورية


























