في أيار / مايو الماضي أكد فداحسين مالكي، وهو عضو في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن الأمريكيين قبلوا 10 بنود من أصل 14 بندا اقترحتها إيران، وأنه في حال قبلت الولايات المتحدة بالمطالب الإيرانية المتبقية «فستتم تهيئة الأرضية لمزيد من التقدم في المفاوضات». في ذلك الوقت أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه «يحصل على ما يريده من إيران بثبات وبطء»، وأنه حريص على تعزيز عدة بنود مهمة بالنسبة له، لا سيما ما يتعلق بالمواد النووية الإيرانية.
تتألف الوثيقة التي وقّعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، من 922 كلمة، وهناك بند واحد يتناول البرنامج النووي الإيراني بشكل مباشر، والذي اعتبره الطرفان اللذان هاجما إيران، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، سبب الحرب. يحتلّ البند قرابة 30 في المئة من هذه الوثيقة، وهو دليل على الاهتمام البالغ الذي محضته الإدارة الأمريكية (والإسرائيلية من ورائها) لهذا الموضوع، فهل حقّق هذا البند الغايات الاستراتيجية التي خيضت لأجلها الحرب؟
رغم الأهمية الفائقة المفترضة لهذا البند فإنه لم يقدّم في الحقيقة وضوحا كافيا بشأن نقاط الخلاف الرئيسية حوله، فمصطلح «التأكيد مجددا» من قبل الجمهورية الإسلامية يعني أن إيران تعيد تأكيد المؤكد سابقا عن عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي أو شرائه، وهو التزام يعود إلى عام 1970، عندما صادقت طهران على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو الالتزام نفسه الذي تكرر في الفقرات الافتتاحية لاتفاقية 2015 مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما (الذي أكد بدوره، في تصريح مؤخرا، أن الاتفاق الجديد لا يختلف عن القديم!).
تشير المعلومات المتوافرة إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بقرابة 11 طنّا من المواد المخصبة بينها قرابة 430 كيلوغراما مخصبة بنسبة 60 في المئة، وهي تقارب نسبة التخصيب اللازمة لصنع قنبلة نووية، ويُلزم البند المذكور بتخفيف تركيز المواد النووية المخصبة، لكنه لا يلزمها بالتخلي عن هذه المواد وشحنها خارج البلاد.
في المقابل، كانت إيران قد أرسلت بالفعل عام 2015، بموجب اتفاق أوباما، نحو 97 في المئة من مخزونها آنذاك إلى روسيا، وهذا يعني أن تسليم إيران تلك المواد أو احتفاظها بها لم يتم إقراره في مذكرة التفاهم الحالية، وأنه إذا لم تفض المفاوضات اللاحقة إلى حلّ مشابه لاتفاق أوباما، فهذا يعني أن صيغة اتفاق ترامب هي أقل حزما من صيغة اتفاق أوباما. إضافة لذلك فإن جملة «الاحتياجات النووية لإيران» الواردة في البند الثامن تشير إلى إصرار إيران على الاحتفاظ بقدراتها النووية لتلبية احتياجاتها السلمية في توليد الطاقة. يترك البند الآنف إذاً عددا من القضايا مفتوحة، فمن غير المعلوم إن كانت إيران ستحتفظ بالمواد النووية، أو إذا ما كانت ستغلق جميع منشآتها النووية الرئيسية، كما لا يحسم البند موضوع احتفاظ إيران بالمواد النووية من عدمه.
يرد إقرار «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان»، في الفقرة الأولى من الاتفاق، كما ترد فيه جملة «تُعلن الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية وحلفاؤهما في الحرب الدائرة»، وهو ما يعني شمول الاتفاق لإسرائيل، الحليفة الرئيسية لأمريكا في الحرب، و»حزب الله» اللبناني، كحليف لإيران، وهو ما يمثّل استجابة أمريكية لمطلب إيرانيّ رئيسيّ، وهو أمر يلزم إسرائيل، الطرف الذي لا يزال مصرّا على مواصلة احتلال أراض لبنانية، ومواصلة الهجمات، بوقف عملياتها العسكرية، كما أن حديثه عن «ضمان سيادة أراضي لبنان وسيادته»، يُقرأ أساسا كمطالبة لإسرائيل بالانسحاب.
إضافة إلى ذلك، وبالحديث عن توفير إيران ممرا آمنا للسفن التجارية «مجانا لمدة 60 يوما فقط» (الفقرة 5)، يسمح الاتفاق لإمكانية فرض إيران رسوما في وقت لاحق، وهو ما سينهي حرية المرور، ويناقض المعايير التي حددها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن «عودة التجارة إلى وضعها قبل الحرب»، ويشير صراحة إلى تراجع أمريكيّ عن أحد عناصر قوة واشنطن الأساسية: السيطرة على البحار.
يمكن لإيران أيضا أن تعتبر تعهد أمريكا في الاتفاق، «بالتعاون مع شركائها الإقليميين» بوضع خطة بقيمة 300 مليار دولار أمريكي لإعادة إعمارها، امتثالا لمطالبها بالتعويض عن الأضرار الكبرى التي لحقت باقتصادها وبناها التحتية؛ ومع التعهد الأمريكي الآخر «بإتاحة الأموال والأصول المجمدة» فور تنفيذ المذكرة، ستتضح صورة فشل الأهداف الاستراتيجية للحرب، وربما صورة انقلاب إقليمي وعالمي يصعب حصر كل تداعياته.
- القدس العربي























