ثمّة فكرة فلسفية تقول إنّ الإنسان لا ينهار بسبب الحدث الأخير الذي يراه الجميع، بل بسبب تراكمٍ طويل من الضغوط التي لم يواجهها في وقتها. الموجة الأخيرة ليست سوى لحظة ظهور الأزمة على السطح، أما أسبابها الحقيقية فتكون قد تجمعت بصمت على مدى سنوات. وما ينطبق على الأفراد ينطبق أيضاً على الدول. فالأوطان لا تسقط عادةً بسبب حادثة واحدة، ولا تنجو حتّى بسبب تسوية واحدة، بل تحمل داخلها حصيلة ما راكمته من أخطاء وما تجاهلته من أزمات وما أخفته تحت طبقات الخوف والتأجيل.
من هذه الزاوية يمكن قراءة المشهد اللبناني اليوم. فكلما ظهرت شائعة جديدة عن حرب أو تدخل إقليمي أو تبدل في موازين القوى، ترتفعُ موجة من القلق تبدو أحياناً أكبر من الحدث نفسه. لا يعود السبب إلى طبيعة الخبر بقدر ما يعود إلى طبيعة البلد الذي يستقبله. فالدول المستقرة تمتلك القدرة على فرز الشائعة من الحقيقة، أما الدول المرهقة فتتعامل مع كل احتمال كأنه مقدمة لكارثة وشيكة. وخلال الأسابيع الأخيرة عاد الحديث عن سيناريوهات تربطُ سوريا بلبنان، وعن ضغوط أميركية قد تدفع دمشق إلى مواجهة مع حزب الله أو إلى الانخراط في ترتيبات أمنية تتجاوز حدودها. ورغم النفي الرسمي المتكرر لهذه الروايات، فإنّ سرعة انتشارها كانت بحد ذاتها ظاهرة تستحقُ التوقف عندها. فالسؤال الحقيقي ليس إن كانت هذه الأخبار صحيحة أم لا، بل لماذا أصبح المجتمع اللبناني مستعداً لتصديقها بهذه السرعة؟ الجواب يرتبط بحقيقة أعمق من الحدث الآني. فلبنان لم يخرج فعلياً من أيّ أزمة من أزماته الكبرى. الانهيار الاقتصادي ما زال يلقي بظلاله على الحياة اليومية، والثقة بالدولة لم تُستعد، والمؤسسات لا تزال عاجزة عن إنتاج حلول جذرية. وعندما تتراكم الأزمات من دون معالجة حقيقية، يصبحُ الخوف من المستقبل أقوى من قراءة الوقائع نفسها. عندها تتحول الشائعة إلى خبرٍ محتمل، ويتحول الاحتمال إلى مصدر قلق جماعي.
أما في سوريا، فالمشهد لا يبدو أقل تعقيداً. فالدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب ما زالت تواجه استحقاقات داخلية ثقيلة تتعلق بالأمن والاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات واستعادة الاستقرار الكامل. وما شهدته دمشق أخيراً من أحداث أمنية في حي عش الورور والمزة 86 يذكر بأنّ ملفات الداخل السوري لم تُقفل بعد، وبأنّ الطريق نحو الاستقرار ما زال يحتاج إلى الكثير من العمل. لذلك يبدو غريباً أن ينشغل البعض برسم سيناريوهات عن أدوار سورية في لبنان، فيما لا تزال أمام سوريا نفسها ملفات ملحة داخل حدودها. فالدول لا تستعيد عافيتها من خلال الانخراط في أزمات الآخرين، بل من خلال معالجة أزماتها الخاصة أولاً.
المشكلة الحقيقية في المشرق العربي لم تكن يوماً نقصاً في الملفات الخارجية، بل فائضاً في تجاهل الملفات الداخلية. كلما تعثرت دولة، ظهر من يتحدث عن دورها في دولة أخرى، وكأنّ علاج الأزمات يكون بتصديرها لا بحلها. سوريا تحتاج إلى سوريا أكثر مما تحتاج إلى لبنان، ولبنان يحتاجُ إلى لبنان أكثر مما يحتاج إلى سوريا. هذه ليست دعوة إلى القطيعة بين البلدين، إنّما دعوة إلى علاقة طبيعية بين دولتين سيدتين، لا بين ساحتين مفتوحتين على حساب بعضهما البعض. فليس من مصلحة السوري أن يبقى أسير أزمات لبنان، كما ليس من مصلحة اللبناني أن يبقى أسير التحولات والتدخلات السورية. لكل بلد جراحهُ الثقيلة، ولكلّ شعب استحقاقاته المؤجلة، ولا يمكن بناء الاستقرار عبر الهروب من الداخل نحو الخارج.
الأخطر من ذلك أنّ المنطقة بأكملها ما زالت تفكر بالعقلية نفسها التي ساهمت في إنتاج أزماتها. ما زلنا نتصرف وكأنّ مصير العواصم يُقرر دائماً خارج حدودها، وكأن الحلول لا تأتي إلا عبر العواصم الكبرى أو عبر موازين القوى الإقليمية. وبينما ننشغل بمتابعة حركة اللاعبين الكبار، تتآكل مؤسسات الدول من الداخل. وهنا تكمن المفارقة الحقيقية؛ فالسيادة التي تُرفع شعاراً في الخطابات لا تصبح واقعاً إلاّ عندما تنجح الدولة في إدارة شؤونها بنفسها، وعندما يشعر المواطن أنّ مستقبله يُصنع داخل بلده لا على موائد التفاوض البعيدة. السياسة عموماً في منطقتنا اعتادت أن تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها ساحات نفوذ أكثر من كونها أوطاناً. ولهذا ظل اللبناني ينتظر ما سوف يقرره الخارج بشأن وطنه، كما ظل السوري لعقود طويلة يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده. لكن التجارب المتراكمة أثبتت أن الأوطان لا تُبنى بالوصايات مهما تبدلت أسماؤها، ولا بالرهان على مراكز القوة الخارجية الكبرى مهما بدت قادرة على فرض الوقائع. وحدها الدولة الأم القادرة على حماية مواطنيها وإدارة اختلافاتهم وصناعة مستقبلهم هي وحدها التي تملك حقّ الحديث عن السيادة. أما ما عدا ذلك فليس أكثر من هدنة مؤقتة بين أزمة تلو الأخرى.
لهذا يبدو أنّ النقاش حول ما إذا كانت سوريا ستتدخل في لبنان أم لا، ليس هو السؤال الأكثرُ أهمية في هذه المرحلة. بل السؤال عن ما إذا كان لبنان قادراً على حماية نفسه من أيّ تحول إقليمي مقبل، وما إذا كانت سوريا قادرة على تثبيت استقرارها الداخلي قبل البحث عن أدوار تتجاوز حدودها. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على التأثير في جيرانها، بل بقدرتها على بناء توازنها الداخلي أولاً.
في النهاية، قد تتبدل الأخبار وتتغير الشائعات وتظهر سيناريوهات جديدة كل يوم، لكن الحقيقة الأعمق تبقى ثابتة. لبنان لا يقف قلقاً أمام موجة واحدة آتية من الخارج، وسوريا لا تواجه تحدياً واحداً يمكن عزله عن بقية التحديات. كلا البلدين يواجهان محيطاً كاملاً من الملفات المؤجلة، والأزمات المتراكمة، والأسئلة التي جرى الهروب منها طويلاً. وربما تكون المشكلة الحقيقية أنّ الجميع ينظر إلى الأمواج المتحركة على السطح، بينما يتجاهل ذلك المحيط الذي يرتفع ببطء تحت أقدامه. ذلك هو الخطر الفعلي وذلك هو المحيط المؤجل.






















