يطرح الملف سؤالًا حول كيفية التعامل مع أشخاص أو جماعات انتقلت من خدمة النظام السابق أو العمل تحت مظلته وارتكبت الجرائم بحق المدنيين إلى التعاون مع خصومه في مراحل لاحقة.
أعادت المظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي شهدتها مناطق سورية عدة خلال الأيام الأخيرة ملف العدالة الانتقالية إلى صدارة المشهد، وسط تصاعد المطالب الشعبية بمحاسبة المتورطين في جرائم وانتهاكات عهد النظام السابق، ومحاولات رسمية لحصر هذا الملف ضمن القضاء ومؤسسات الدولة، ومنع انتقاله إلى الشارع أو تحوله إلى أعمال انتقامية.
ولا يدور الخلاف حول حق الضحايا في العدالة بقدر ما يتعلق بالطريق المؤدي إليها، وبالحدود الفاصلة بين المحاسبة والثأر، وبين مسؤولية الدولة في ملاحقة المتورطين وحق المجتمع في التعبير عن غضبه. ففي بلد خرج من سنوات طويلة من القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، لا يبدو انتظار العدالة مسألة قانونية مجردة، بل اختبارًا مباشرًا لثقة السوريين بالمؤسسات الجديدة، وقدرتها على التعامل مع إرث ثقيل من الانتهاكات.
وخلال فترة قصيرة، انتقل الجدل من منصات التواصل الاجتماعي واللقاءات المحلية إلى تحركات ميدانية في دير الزور والرقة وإدلب وحلب وحماة وريف دمشق وتدمر، حيث رفع المحتجون شعارات تطالب بعدم التساهل مع المتهمين بالانتهاكات، وترفض عودة شخصيات ارتبطت بالنظام السابق إلى مواقعها الاجتماعية أو الوظيفية من دون مساءلة.
في المقابل، كثفت الحكومة لقاءاتها مع إعلاميين وناشطين وفعاليات محلية، في محاولة لاحتواء حالة الاحتقان، وتقديم تصور رسمي لمسار المحاسبة، يقوم على الفصل بين المتهم والمدان، وبين مجرد العمل في مؤسسات النظام السابق والمشاركة الفعلية في الجرائم.
لقاءات لاحتواء الغضب
في إدلب، عقد مستشار الرئيس للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان لقاءً مع عدد من الإعلاميين والناشطين، ركز خلاله على ضرورة نقل الاتهامات والبلاغات إلى القضاء، وعدم الانجرار إلى ملاحقات شعبية أو حملات تشهير قد تفتح الباب أمام تصفية الحسابات.
وأكد زيدان أن الدولة لا تقف في صف المتورطين في الجرائم، لكنها ترى أن محاسبتهم يجب أن تتم من خلال المحاكم والمؤسسات المختصة، لا عبر الانتقام الفردي أو الإجراءات الخارجة عن القانون.
أما في حلب، فقد اتخذ النقاش طابعًا أكثر تفصيلًا خلال اجتماع ضم نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان، وقائد الأمن الداخلي في المحافظة العقيد محمد عبد الغني، إلى جانب ممثلين عن الكتل الخدمية ونخبة من ثوار ريف حلب.
وتناول اللقاء ملفات شديدة الحساسية، من بينها محاسبة من يوصفون بـ”الشبيحة”، والتسويات التي شملت شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، والتمييز بين الحق العام والحقوق الشخصية، إضافة إلى ملف مجموعة “الباقر”، ورجل الأعمال محمد حمشو، وقضايا المنازل والعقارات المتنازع عليها.
وأفاد ناشطان حضرا اللقاء، تأكيد طحان على أن الدولة قد تتخذ قرارات تتعلق بالحق العام في حالات محددة، ولا سيما عندما تكون بعض الشخصيات أو المجموعات قد ساهمت في تقديم معلومات أو تنفيذ مهمات أمنية وعسكرية ساعدت على إسقاط النظام وتقليل الخسائر خلال العمليات.
غير أن هذه القرارات، وفق الطرح الرسمي، لا تلغي الحقوق الشخصية للضحايا، ولا تمنع أي شخص من رفع دعوى قضائية ضد من يعتقد أنه تسبب له بضرر أو شارك في انتهاك بحقه.
وأكد الناشطان في اتصال مع “القدس العربي” على قول طحان إن المعركة التي انتهت بسقوط النظام لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت أمنية وسياسية أيضًا، وإن بعض الأطراف الموجودة داخل مناطق سيطرته السابقة قدمت خدمات ومعلومات سهلت العمليات وأسهمت في تسريعها.
وفي هذا السياق، أشار إلى أفراد من مجموعة “لواء الباقر” في حلب، قال إنهم ساهموا في تنفيذ خطط مرتبطة بدخول المدينة، وأدوا أدوارًا خلال العمليات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، إلى جانب مهمات لوجستية وأمنية سبقت سقوط النظام.
ويكشف هذا الملف واحدة من أعقد مشكلات المرحلة الانتقالية؛ إذ يطرح سؤالًا حول كيفية التعامل مع أشخاص أو جماعات انتقلت من خدمة النظام أو العمل تحت مظلته وارتكبت الجرائم بحق المدنيين إلى التعاون مع خصومه في مراحل لاحقة.
فالتعاون اللاحق لا يمحو بالضرورة المسؤولية عن انتهاكات سابقة، كما أن الارتباط بمؤسسة أو مجموعة موالية للنظام لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جريمة. وبين الحالتين، يبقى القضاء الجهة المفترض أن تحدد طبيعة الدور والمسؤولية استنادًا إلى الأدلة والشهادات، لا إلى الانطباعات أو المواقف السياسية وحدها.
وتناول اللقاء أيضًا ملف رجل الأعمال محمد حمشو، حيث أوضح المسؤولون أن التسوية المتعلقة به اقتصرت على وضعه المالي والعلاقات الاقتصادية التي ربطته بشخصيات من النظام السابق، من دون أن تشكل حصانة من دعاوى جزائية أو شخصية قد تُقام ضده لاحقًا.
آلاف الموقوفين وأسئلة المحاكمات
خلال الاحتجاجات، أعلن الناطق باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، خلال مؤتمر صحافي، أن عدد الموقوفين المرتبطين بجيش النظام السابق والأجهزة الأمنية بلغ 5989 شخصًا، بينهم ضابط برتبة عماد، و42 لواءً، و172 عميدًا، إلى جانب ضباط وعناصر من رتب مختلفة.
وتبقى فاعلية المحاسبة مرتبطة بتحويل التوقيفات إلى ملفات قضائية واضحة، تستند إلى أدلة محددة، وتضمن حقوق الضحايا والموقوفين، بدل أن تتحول الاعتقالات إلى احتجاز مفتوح أو أرقام لا يعرف الرأي العام مصير أصحابها.
وفي هذا الإطار، أكد مسؤولو الداخلية خلال لقاء حلب أن المراكز الأمنية تستقبل البلاغات والأدلة المتعلقة بجرائم القتل والتعذيب والاعتقال وغيرها من الانتهاكات، داعين السوريين إلى تقديم ما لديهم من وثائق وشهادات.
وشددوا على أن الملاحقة لا تستهدف جميع من عملوا في جيش النظام أو مؤسساته، بل من تثبت مسؤوليته الفردية عن جريمة، سواء بارتكابها أو إصدار الأوامر بها أو المساعدة على تنفيذها.
مفتي حمص: لا عدالة بالفوضى
أكد مفتي حمص وعضو مجلس الإفتاء الأعلى الشيخ سهل جنيد أن ملاحقة المسؤولين عن قتل السوريين وتعذيبهم حق لا يمكن التنازل عنه، وأن الإسراع في مسار العدالة الانتقالية مطلب وطني لإنصاف الضحايا والمظلومين.
وفي تصريح نشرته مديرية إعلام حمص، أعرب جنيد عن ثقته بقدرة قيادة الدولة وحكومتها ومؤسساتها على متابعة هذا الملف واستعادة الحقوق، معتبرًا أن قضية العدالة يجب ألا تتحول إلى مجال للمزايدات أو التشكيك المسبق.
وحذر من الاستجابة إلى دعوات “مجهولة المصدر” أو المشاركة في تجمعات “غير منضبطة” قد تستغل آلام الناس وغضبهم، داعيًا إلى الحذر من الشائعات ومحاولات إثارة الفتن وزعزعة الاستقرار.
وأكد أن المطلوب هو عدالة تحفظ الحقوق ومحاسبة تمنع إفلات المجرمين، من دون الانزلاق إلى فوضى تهدد الأمن أو تضعف مؤسسات الدولة، معتبرًا أن سيادة القانون والحفاظ على وحدة سوريا يشكلان الإطار الضروري لتحقيق العدالة.
ويعكس هذا الموقف محاولة للجمع بين الاستجابة لغضب الضحايا ومنح المؤسسات الرسمية الوقت والمساحة لإدارة ملف المحاسبة، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام مسؤولية إثبات أن الدعوة إلى ضبط الشارع لا تعني إبطاء العدالة أو تأجيلها.
التسويات الغامضة تغذي الاحتقان الإلكتروني
دفعت التحركات الشعبية السلطات إلى تقديم مزيد من التوضيحات بشأن التسويات وعودة بعض الشخصيات إلى مناطقها أو وظائفها. وتركزت اعتراضات في دير الزور والرقة على شخصيات عشائرية وعسكرية يتهمها الأهالي بالعمل مع أجهزة النظام السابق أو مجموعات مدعومة من إيران، أو بالمشاركة في عمليات عسكرية وأمنية خلال سنوات الصراع.
ولا ينظر كثير من الضحايا إلى عودة هذه الشخصيات بوصفها إجراءً إداريًا، بل باعتبارها مؤشرًا إلى إمكان تجاوز الماضي من دون كشف الحقيقة أو تحديد المسؤوليات. وتتعمق الشكوك في ظل غياب معايير معلنة للتسويات، وعدم وضوح ما إذا كانت تقتصر على الحق العام أم تمتد إلى ملفات جنائية وحقوق شخصية.
وفي هذا الفراغ، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لنشر الأسماء والصور والاتهامات، وظهرت دعوات لملاحقة أشخاص يوصفون بـ”الشبيحة” أو منعهم من العودة إلى مناطقهم. ويكمن الخطر في تحول الوصف الشعبي إلى حكم نهائي قبل التحقيق، وخلط المتورطين في الجرائم بمن عملوا في مؤسسات النظام السابق من دون ثبوت مشاركتهم في انتهاكات.
كما قد توفر الاتهامات غير الموثقة غطاءً لتصفية نزاعات شخصية أو عشائرية ومناطقية. ولا يعني رفض الملاحقات الشعبية تجاهل معرفة المجتمعات المحلية بمن شاركوا في القمع، لكن تحويل هذه المعرفة إلى إدانة يتطلب شهادات موثقة وأدلة وتحقيقًا يحدد مسؤولية كل متهم.
وأظهرت اعتداءات فردية أخيرة أن الغضب قد ينتقل من المطالبة بالعدالة إلى تنفيذ العقوبة في الشارع. ومهما كانت خطورة الاتهامات، فإن العقاب خارج القضاء قد ينتج مظالم جديدة، ويضعف الأدلة، ويتيح للمتورطين الفعليين تقديم أنفسهم بوصفهم ضحايا.
ويكشف هذا التداخل بين غموض التسويات والتصعيد الإلكتروني أن الشفافية ليست مسألة إجرائية فحسب، بل وسيلة للحد من الشائعات ومنع انتقال الخلاف على الماضي من المؤسسات إلى الشارع.
مساران لمواجهة الانتقام
وفي مواجهة خطر انتقال الغضب من منصات التواصل والاحتجاجات إلى اعتداءات ميدانية، تبرز الحاجة إلى مقاربة تجمع بين ردع العنف خارج القانون وتسريع محاسبة المتورطين في الانتهاكات.
وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي”، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إن مواجهة العنف الانتقامي تتطلب مسارين متوازيين: تجريم الاعتداءات خارج القضاء بصورة حازمة، وبناء عملية مساءلة مؤسسية واضحة يستطيع الضحايا متابعة تقدمها.
وأوضح أن على السلطات اعتبار أي قتل أو اعتداء خارج حكم قضائي جريمة لا تبررها سوابق المستهدف أو خطورة الاتهامات الموجهة إليه. وأضاف أن البيانات الرسمية يجب أن تقترن بتحقيقات سريعة ومستقلة وشفافة، وحماية المهددين، وتأمين الأدلة، وملاحقة المسؤولين عن أعمال الانتقام ضمن ضمانات المحاكمة العادلة.
وأكد أن الدولة لا تستعيد احتكارها المشروع للقوة بالخطاب الأمني وحده، بل بإثبات أن القانون يحمي الجميع ويحاسبهم، ويمنع تحول الألم المشروع للضحايا إلى عنف غير مشروع.
وفي المسار الثاني، دعا عبد الغني إلى نقل مطلب المحاسبة من الغضب الاجتماعي إلى عملية مؤسسية تشمل التحقيقات الجنائية، والتدقيق الأمني والوظيفي، وفحص الأصول والثروات، وحماية الشهود والضحايا، وإشراك روابط الناجين وذوي الضحايا. كما شدد على ضرورة إطلاع الجمهور على الإجراءات والملفات المتأخرة وأسباب تأخرها، بما يحد من الشائعات والشعور بحماية بعض المتهمين.
وخلص إلى أن هذا المسار لا يطالب الضحايا بنسيان معاناتهم أو كبت غضبهم، بل يحوله إلى قضايا تستند إلى الأدلة وتنتهي إلى مساءلة وأحكام قضائية.
ختاما، لا يكفي التحذير من الفوضى لحماية السلم الأهلي، كما لا يمكن إنصاف الضحايا بعقاب يُنفذ خارج القضاء. فالمطلوب مسار واضح ومعلن لتلقي الشكاوى وحفظ الأدلة وحماية الشهود، إلى جانب قضاء قادر على معالجة الملفات، وكشف مصير المفقودين وجبر الضرر.
وستظل اللقاءات الرسمية والأرقام المعلنة محدودة الأثر ما لم تتحول إلى نتائج قضائية يلمسها السوريون. فالعدالة ليست نقيضًا للاستقرار، بل شرطه؛ وكلما بقيت الإجراءات بطيئة أو غامضة، ازداد احتمال أن يبحث الغضب عن طريقه خارج القانون.
- القدس العربي























