اختلطت فكرة التسامح في بدايات التنظير لها بالصراعات الدينية، ويمكن تتبع هذا الأمر فيما كتبه المفكرون، بداية من الفرنسي سيباستيان كاستيليو وحتى الأمريكي مايكل والترز، لكن الباعث الأولي تطور حتى وصل إلى التماس مع الحقوق المدنية والقضايا المعاصرة من خلال رؤى طرحها فلاسفة مثل جون لوك وبيير بايلي وباروخ سبينوزا وفولتير ومونتسكيو وديدرو وليسينغ وجون ستيوارت مل وكارل بوبر وجون رولز.
وتبعاً لهذا، فإن الحديث عن التسامح بات يشمل حزمة كاملة من القضايا لا يمكن للقوانين والمحاكم أن تحسمها، فهي تستطيع أن تعالج جرائم محددة وواضحة، يخضع الفاعلون فيها إلى مسار العدالة، فيُدعى عليهم ويأتي محامون ليدافعوا عنهم، ويبقى أمرهم في عهدة القضاء العادل والنزيه.
لكن هل يمكن إخضاع مجموع بشري كامل للمحاكمة؟ وهل ثمة جريمة واضحة بأدلة صريحة وبينة ارتكبتها جماعة عرقية أو دينية؟ وهل فكرة “القومية” التي يحملها أشخاص كفكرة ذهنية، أو “عقيدة” الطائفة المرسومة في العقول هما شخصيتان تقادان بالأصفاد إلى قوس المحكمة؟
يجري الحديث بين مكونات الشعب السوري الذي تعرض لأسوأ الاختبارات الأخلاقية على مدى أكثر من نصف قرن، عن أقليات متورطة وأكثرية مضطهدة، ويحتد الأمر عند مقاربة تكوين النظام البائد، فيحال إلى طبيعة طائفية لعب فيها العلويون الدور الرئيس، في عهد حافظ الأسد ومن بعده وريثه المجرم، وتمرر فكرة أن الحكم البعثي كان أقلوياً منذ تحالفت ثلة من الضباط الذين ينتمون للعلويين والدروز والإسماعيليين في اللجنة العسكرية التي أوصلت البعث إلى السلطة في العام 1963.
غير أن التدقيق في التفاصيل، وتتبع تطورات السيطرة البعثية، وقراءة كل مرحلة من خلال صراعاتها، لا يُثبت الاعتقاد المتداول السائد من أن النظام ولد طائفياً وبقي كذلك، ولا يعني ذلك إنكار أن النظام استثمر في الانقسامات الطائفية واستخدمها في بناء شبكات الولاء والحماية، أو أن البعد الطائفي كان حاضراً بقوة في كثير من محطات الصراع. غير أن توظيف الطائفية سياسياً يختلف عن اعتبار طائفة كاملة صاحبة مشروع سياسي موحد أو تحميلها المسؤولية الجماعية عن أفعال السلطة.
وفي الواقع، فإن التركيبة السياسية والإدارية والعسكرية والأمنية التي صنعت كارثة السوريين طيلة عقود الخراب كانت مختلطة، لعب فيها الأسد الأب على الجميع كي يضمن استمرار حكم العائلة، حتى وإن أدى ذلك إلى خلق حالة عداء خطير بين الجماعات، وفي زمن الابن جرى إيهام العلويين بأنهم سيتحملون وزر جرائم النظام وحدهم، وبالتالي، فإن عليهم دفع رجالهم إلى المعركة ضد كل من طالب بإسقاط النظام.
كما جرى إبراز أدوار لشبيحة ينتمون للأقليات، لكن في كل منطقة اعتدى فيها جيش النظام على الثائرين ضده، كان ثمة مجرمون من أبناء الأغلبية السكانية يتلقون الدعم من الميليشيات الإيرانية العراقية اللبنانية الشيعية ويؤدون وظيفة محددة؛ ألا وهي قتل الثائرين، والإيحاء بأن ما يجري يحدث من منطلق طائفي!
وفي مقلب آخر، صنع العقل الإجرامي الأسدي طبائع مختلفة للصراع كانت تزج بآخرين في أتون المعركة، فورط فلسطينيين من الجبهة الشعبية/ القيادة العامة وفصائل أخرى وعناصر من جيش التحرير الفلسطيني، من بوابة الممانعة ودعمه للقضية الفلسطينية، كما ورط قوميين سوريين دخلوا المعركة عبر ميليشيا الزوبعة ضد الفصائل التكفيرية التي تهدد المسيحيين، وأدخل قوميين عرب في بعض المواجهات من زاوية أنه يصارع الإمبريالية وخونة الداخل. إلخ.
المعلومات التي أظهرتها وزارة الداخلية عن اعتقال أكثر من 6000 متورط في جرائم الأسدية ضد السوريين، قد يظهر أن جزءاً من هؤلاء يعودون للطائفة العلوية، لكنه لا بد سيظهر تورط آخرين، لا يجب تجاهل أدوارهم الدموية، ووجودهم يؤدي حكماً إلى دفع حقائق مختلفة إلى الواجهة، يجب أن تعرض أمام الجمهور، كي لا يتحول العلويون ومن بعدهم الأقليات الأخرى وأي فئة أخرى إلى جماعات موصومة بناء على ما حدث. وبدلاً من مطالبة العلويين أو غيرهم بالاعتذار، لربما يكون الحديث عن مصارحة كبرى بين الجميع مدخلاً للتسامح، دون إسقاط حقوق الضحايا، ودون تحميل الأوزار للمكونات بشكل مسبق.
كما أن تبرئة المكونات الاجتماعية من المسؤولية الجنائية الجماعية لا تعفي نخبها الثقافية والاجتماعية من استحقاق “المسؤولية الأخلاقية والسياسية”. وعليه فإن التأسيس لتسامح حقيقي يتطلب من كل جماعة سورية سكتت عن الظلم، أو استفادت بشكل ما من امتيازات السلطة، أو انقادت خلف مخاوفها، أن تبادر إلى مراجعات نقدية داخلية شجاعة، فالمصارحة تبدأ أولاً بنقد الذات قبل مواجهة الآخر، لتفكيك إرث الصمت المتراكم.
التسامح هو المحطة الأخيرة في قطار السلم الأهلي. فالخطاب الذي يتجاهل “سيكولوجية الضحية” وثقل جراحها سيبدو كأنه ضغط أخلاقي يجبرها على التنازل. لا يمكن مطالبة المكلوم بالتسامح قبل أن يرى القاتل خلف قضبان العدالة، وقبل أن يشعر بأن القانون قد أنصفه، فالتسامح يولد من رحم العدالة، بعد أن يستعيد المجتمع توازنه النفسي والقانوني.
التفكير بالتسامح والدعوة المتضمنة فيه للتعايش، والذي تتحدث عنه السلطة الحالية، سيظل فكرة ناقصة ما لم يترجم إلى سياسات وممارسات ملموسة على الأرض. فالمجتمعات الخارجة من عقود الاستبداد والحرب تريد الاطمئنان إلى أن العدالة تسير بالتوازي مع إعادة بناء الثقة الوطنية.
ومن هنا تبرز أهمية التشاركية بوصفها ضرورة سياسية وأخلاقية، فكل فراغ يترك بين خطاب التسامح وواقع الناس سرعان ما تملؤه المخاوف وإشاعات يطلقها من يرغبون في تحويل جراح السوريين إلى وقود لصراع طائفي جديد. أما الطريق الأكثر أمناً لسوريا، فهو ذاك الذي يجمع بين العدالة والمصارحة والتشاركية، بحيث يصبح التنوع مصدر قوة للدولة الجديدة، لا مادة خاماً لصراعات لا تنتهي.
ولا يفوتنا هنا الإدراك بأن الطائفية في سوريا لم تكن شأناً محلياً خالصاً، بل جرت مأسستها وهندستها ورعايتها بأيديولوجيات عابرة للحدود وقوى إقليمية ودولية، ومن ثم، فإن نجاح أي مشروع للمصالحة الداخلية يبقى مشروطاً بقدرة أفراد المجتمع على قطع خيوط التبعية الخارجية، وتفكيك شبكات الولاء الأجنبية، واستعادة القرار الوطني المستقل كأرضية صلبة لإنتاج هوية سورية جامعة.
- الثورة السورية






















