أوصلت التطورات مسار الحرب والتفاوض بين إيران والولايات المتحدة إلى مذكرة تفاهم هي أقرب إلى أن تكون إعلان نيات أو إطار اتفاق منها إلى اتفاق، ومع ذلك فإن التحليل الذي يتفق عليه كثير من المحللين والباحثين الغربيين والأميركيين فضلا عن الباحثين من منطقتنا يشير إلى أن قراءة موازين الربح والخسارة في مذكرة التفاهم تشير إلى أن البنود في معظمها تميل لصالح إيران.
فوفقا لبنود مذكرة التفاهم، تحصد تقريباً معظم ما كانت تسعى إليه، في حين تخرج واشنطن بمكاسب محدودة للغاية، على الرغم من توازن نسبي في استعداد الطرفين لإنهاء القتال. في جوهر هذا المسار، لا يمثل هذا المسار تسوية جذرية للصراع بقدر ما يوفّر وقتاً إضافياً للأطراف، بوصفه جزءاً من إدارة النزاع وليس حسمه. ولعل الأخطر أن القضايا الجوهرية جرى ترحيلها إلى مفاوضات لاحقة، ما يعني أنه إذا انهار المسار أو استخدم فقط لشراء الوقت، قد نجد أنفسنا أمام وضع أسوأ من لحظة ما قبل التفاهم. ويُلاحظ أيضاً أن التفاهم الجديد في شقه النووي يستعيد عناصر رئيسية من اتفاق أوباما: تخفيف العقوبات، تحرير أصول مجمّدة، وتهميش ملف الصواريخ الباليستية وهو ما سيفرض ضغطا داخليا كبيرا على ترامب وتحديا لنجاح مسار التفاوض الذي يقوم على هذه المذكرة.
خلال الستين يوماً التي تلي التفاهم، ستدور المفاوضات بين الفنيين ومن ورائهم السياسيون حول قضايا شديدة الحساسية، ما يجعل هذه المرحلة زمن اختبار حقيقي للتفاهم نفسه.
على صعيد المكاسب الإيرانية، تبدو الحصيلة لافتة. أولا، نجحت طهران في تضمين إنهاء جميع العمليات العسكرية في لبنان – الذي ورد ذكره ثلاث مرات في النص – وضمان وحدة أراضيه، رغم القناعة شبه الراسخة بأن الكيان الصهيوني لن يحترم هذا البند، وهو ما يرسّخ من جهة استمرار إيران في دعم حلفائها، بل على الأرجح بشكل أقوى مما كان عليه قبل الحرب.
ثانيا، جرى إدخال الاحتلال الإسرائيلي ضمن إطار الاتفاق من دون حتى أن يرحب به أو أن يلتزم هو نفسه ببنوده، وحتى اللحظة هناك سجال كبير حول هذا الموضوع داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي بما يفتح الباب على مستوى جديد من التوتر في العلاقات الأميركية–الإسرائيلية إذا استمر الخلاف بما يخلقه من تحد لنجاح الاتفاق.
ثالثا، حصلت إيران على تعهد صريح بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعلى إنهاء فوري للحصار البحري، مع التزام أميركي باستكمال رفع الحصار خلال ثلاثين يوماً. وعلى عدم زيادة قواتها في المنطقة خلال عملية التفاوض.
رابعاً تم فتح الباب أمام عودة تدفقات النفط الإيراني إلى الأسواق وتدفّق الأموال إلى الداخل، مع تعهّد بتمويل يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. خامسا، نصَّ التفاهم النهائي على إنهاء جميع العقوبات، بما في ذلك الإفراج عن الأموال المجمدة وجعلها قابلة للاستخدام الكامل لصالح أي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني. سادساً، لم تُجبر إيران على الوصول إلى مرحلة “صفر تخصيب”، ولم يُحسم مصير مخزون اليورانيوم المخصب، في حين جرى تحييد ملف الصواريخ الباليستية عملياً، ومنح طهران ضوءاً أخضر لوضع قانوني جديد في مضيق هرمز بالتفاهم مع عُمان بعد ستين يوماً.
في المقابل، تبدو حصيلة واشنطن أكثر تواضعاً. فمن أبرز ما حصلت عليه: السماح للسفن التجارية بعبور مضيق هرمز مجاناً لمدة ستين يوماً فقط، وإزالة العوائق الفنية والعسكرية من المضيق، والحصول على تعهّد إيراني بعدم السعي لامتلاك أو تطوير أسلحة نووية، إلى جانب تخفيض نسبي في مستويات التخصيب داخل المواقع النووية مع فرض آليات تفتيش صارمة ودقيقة عليها. هذه البنود تمنح الإدارة الأميركية هامش ادعاء أنها كبحت التهديد النووي وأمّنت حرية الملاحة لفترة انتقالية، لكنها لا تغيّر جذرياً في بنية القوة الإيرانية ولا في أدوارها الإقليمية، كما أنها كما ذكرنا لا تختلف كثيرا عن الاتفاق النووي في عهد أوباما.
خلال الستين يوماً التي تلي التفاهم، ستدور المفاوضات بين الفنيين ومن ورائهم السياسيون حول قضايا شديدة الحساسية، ما يجعل هذه المرحلة زمن اختبار حقيقي للتفاهم نفسه.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات: كيفية إنهاء المعارك في لبنان، وبالأخص شكل حضور الجيش اللبناني في الجنوب مكان حزب الله، وحدود الانسحاب الإسرائيلي (هل سيكون حتى نهر الليطاني أم من مجمل الجنوب؟). يرافق ذلك نقاش حول مستقبل وجود الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، والقواعد العسكرية الأميركية في الكويت وقطر، في ظل تحوّل البيئة الأمنية الإقليمية.
اقتصاديا، سيجري التفاوض على كيفية إنفاق 300 مليار دولار المخصّصة لإعادة الإعمار بحيث لا تتحول إلى مجرد رافعة لمشاريع الحرس الثوري داخل إيران وخارجها. نووياً، سيُبحث مصير اليورانيوم المخصب، وآليات التفتيش، والجهات الدولية المخوّلة بالرقابة. كما ستجري بلورة إجراءات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع البحث عن صيغة اتفاق يمكن لمجلس الأمن اعتمادها من دون اصطدامه بفيتو روسي أو صيني.
في خلفية نص مذكرة التفاهم، تلوح مكاسب إضافية لواشنطن لم تُذكر صراحة في التفاهم، لكنها حاضرة بقوة في حسابات الإدارة الأميركية. أول هذه المكاسب هو الأثر الاقتصادي العالمي المحتمل قبيل استحقاقات سياسية أميركية مهمة؛ إذ إن تخفيف التوتر وفتح هرمز يسهمان في تهدئة أسعار الطاقة وتقليص التضخم الذي أثقل كاهل الأميركيين منذ آذار مارس الماضي. وثانيها هو فرصة إصلاح العلاقات المتوترة مع دول الخليج التي تكبّدت خسائر كبيرة بسبب طول أمد الحرب، وتنتظر أي إطار جديد يخفف من الكلفة الأمنية والاقتصادية عليها. ومع ذلك، يسود انطباع واضح بأن إيران، حتى هذه اللحظة، ربحت جولة التفاوض بجدارة، مع احتفاظها بهامش معتبر من الغموض في سلوكها التفاوضي، كما ظهر في الجولة الأولى من المحادثات في سويسرا.
هذا الموقف الذي يتسم بالحكمة يتوافق مع عدة إدراكات أولها أنه يؤكد القطيعة مع سلوك حقبة نظام الأسد التدخلي والوصي على لبنان، والأهم رفض منطق الوكالة عن الآخرين في المنطقة..
أما موقع سوريا من هذا المشهد، فهي ليست موضوعا في مذكرة التفاهم ولكنها ساحة مهمة تتقاطع فيها موازين النفوذ الإيراني والأميركي والإسرائيلي بحكم جوارها مع لبنان وبحكم مطامع إسرائيل فيها. إن دول الإقليم بما فيها سوريا تدرك حقيقتين مهمتين أولهما أن إسرائيل باتت في موقف أضعف مما يصلب موقفها أمام أي ضغوط عليها فيما يتعلق بالجنوب السوري.
أما النقطة الثانية فهي إعادة منطق تلزيم لبنان إنْ صحَّ القول وهو المنطق الذي تلا اتفاق الطائف وقد صرح ترامب بتسليم ملف إنهاء حزب الله إلى سوريا في الوقت الذي تعجز فيه إسرائيل والحكومة اللبنانية عن هذا الأمر، ولكن الموقف السوري عبر الرئيس أحمد الشرع كان حذرا من هذا الموضوع، إذ نفى نيّة أيّ تدخل عسكري أو أمني مباشر في لبنان وركّز على الاستعداد لدعم مسارات وقف الحرب وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية والحوار بين المكونات اللبنانية.
وهذا الموقف الذي يتسم بالحكمة يتوافق مع عدة إدراكات أولها أنه يؤكد القطيعة مع سلوك حقبة نظام الأسد التدخلي والوصي على لبنان، والأهم رفض منطق الوكالة عن الآخرين في المنطقة، كما تجنب التورط في ساحة تعتبر فخا أو مستنقعا لكل من يدخل فيها وهذا نابع من إدراك أنّ سوريا خرجت من حرب طويلة وليست في حال يسمح لها بالدخول في هذا الوضع المعقد في ظل خططها الكبيرة للاستقرار والتنمية، كما أنه يرفض وضع سوريا في مواجهة مع الحزب أو غيره من الأطراف الإقليمية بعد أن استقرت الأمور نسبيا في سوريا. والأهم من كل ذلك هو أنه قاربَ الأمر ليس من منطق انعزالي بل من منطق يقوم على منطق يليق بدولة وازنة تهدف إلى رعاية الاستقرار في جوارها وتثبت نوعا من الاستقلالية النسبية في مواجهة قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، بالرغم من أنها ما زالت دولة في مرحلة إعادة البناء وهذه مبادئ استراتيجية تشير إلى ثقل في عملية اتخاذ القرار السياسي.
- تلفزيون سوريا
























