لم يكن متوقّعاً أن يصبح الأميركان والإيرانيون عسلاً على سمنٍ فور إشهارهما المذكّرة الأشبه بإعلان مبادئ يحتاج فقهاء قديرين في علوم السياسة لتعيين توصيفه القانوني، وتبيين حاجة بنودٍ فيه مصادقة الكونغرس عليها أو عدم حاجتها، غير أنه لم يكن متوقّعاً أن يتركنا اثناهما في متاهة تفسيراتٍ متباينة، شديدة التناقض أحيانا، للاستحقاقات التي على كلٍّ منهما بموجب ما وقّع عليه. وأن نصبح في حالٍ شديدٍ من الاستعصاء في تعيين الكذب من غير الكذب في قول هذا وذاك من كليْهما، فالذي تبدّى بعد جلساتهما، والوسطاء، على ضفة بحيرة لوسيرن في سويسرا، أن وظيفةًً أضيفت إلى مهام كبير المفاوضين الإيرانيين، وهو رئيس مجلس الشورى بالمناسبة، باقر قاليباف، وزميله وزير الخارجية، عبّاس عراقجي، وكذا الناطق باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي: الإدلاء بتصريحاتٍ يوميةٍ تكذّب تصريحاتٍ يوميةً لترامب ونائبه فانس ووزير الخارجية روبيو. … ولا يتعلق الأمر هنا بسجالٍ من المعهود أن يتتابع بين طرفيْن على شقاقٍ معلومٍ منذ عقود، وإنما بمساحاتٍ بين تفسير هذه العبارة وتلك في هذا البند في المذكّرة وذاك، تتجاوز شساعتُها ما كانت من خلافات النّحاة الكوفيين والبصريين في شروحهم أرجوزة ابن مالك.
… أجاب الأخضر الإبراهيمي، بعد الانتهاء من توقيع اتفاق الطائف (سبتمبر/ أيلول 1989)، على سؤال أحد المؤتمرين اللبنانيين في المدينة السعودية الوديعة، وتسمّى مدينة الورد، بشأن مواضع غير واضحةٍ بما فيه الكفاية، في وثيقة الاتفاق (لم يجر تنفيذُها بالكامل حتى الساعة)، التي كان الدبلوماسي الجزائري الوسيطَ البارزَ في الوصول إليها، أجاب بأن هذا مقصودٌ بذاته، إلى حدّ ما، ليتمكّن الوسطاء لاحقاً من العبور من خلاله إلى حلّ أي إشكالاتٍ تطرأ بين أطراف الاتفاق، في منازعاتٍ بشأن تفسير هذه العبارة أو تلك في هذا البند أو ذاك. والظاهر أن أعصاب فريقي الوسيطيْن، الباكستاني والقطري، مطالبةٌ بأن تحتمل ما قد لا يُحتمل من استنزافٍ وتوتّرٍ يزاولهما طرفا المذكّرة العتيدة، لحمايتها وإنقاذ مسار الـ60 يوماً من التداول الشاقّ والعسير، والمفترض به أن يصل بالولايات المتحدة وطهران إلى اتفاقٍ شاملٍ مشتهى، يأتي على الموضوع النووي إياه، وعلى غير شأنٍ وشأن، في أمور الإقليم والجوار، وما نعرف وما لا نعرف من قضايا.
سنبقى طويلاً في أحاجي الصحّ والغلط، الكذب وغير الكذب، بين إدارة أميركية، يحترف ناسُها التأزيم والتدليس، وسلطةٍ في إيران نحتاج إلى تحديق ميكروسكوبي لمعرفة من يكونون بالضبط صنّاع القرار فيها. ولكن ما علينا، نحن العرب، في الغضون، أن نغادر مهنة التفرّج والانتظار إلى ما هو أهم… كيف؟ سؤال برسم الأدرى بالإجابة.
- العربي الجديد
























