يمثل اختيار رئيس المجلس أول اختبار لطبيعة العلاقة بين المؤسسة التشريعية والسلطة التنفيذية، ومدى قدرة الأعضاء على بناء تحالفات تتجاوز الانتماء المناطقي.
علمت «القدس العربي» من خمسة مصادر مطلعة ومتابعة لملف تشكيل مجلس الشعب السوري، أن لجنة برئاسة محمد طه الأحمد عقدت، خلال الفترة الممتدة بين 15 و21 حزيران/يونيو الجاري، سلسلة اجتماعات مغلقة مع أكثر من مئة مرشح ومرشحة، يمثلون مكونات قومية وتوجهات سياسية واجتماعية مختلفة، تمهيداً لاختيار 70 عضواً يعيّنهم رئيس الجمهورية في المجلس المنتظر.
والأحمد هو مستشار وزير الخارجية أسعد الشيباني للشؤون العربية، وكان وزيراً للزراعة في أول حكومة بعد سقوط النظام السابق، كما عمل وزيراً للاقتصاد والموارد في حكومة الإنقاذ التابعة لـ«هيئة تحرير الشام» في إدلب.
وحسب المصادر، استُدعيت الشخصيات المرشحة إلى لقاءات منفصلة أو ضمن مجموعات محدودة، للتعرف إلى خلفياتها وخبراتها المهنية والسياسية ومدى حضورها في مجتمعاتها المحلية. وشملت المشاورات أكاديميين وحقوقيين وإعلاميين وناشطين وشخصيات عشائرية، إلى جانب ممثلين عن مكونات قومية ودينية، وأسماء سبق أن شاركت في مؤسسات المعارضة السورية.
ولم يتلقَّ المدعوون وعوداً حاسمة بالتعيين، كما لم تُقدَّم لهم المقابلات بوصفها موافقة نهائية، إذ أُبلغ بعضهم بأنها مرحلة أولية تسبق فرز الأسماء ومراجعة التوازنات المطلوبة في القائمة.
ويتألف مجلس الشعب، وفق النظام الانتخابي المؤقت، من مئتين وعشرة أعضاء، تنتخب الهيئات الناخبة مئة وأربعين منهم، فيما يعيّن رئيس الجمهورية السبعين الباقين. وتنص المادة الرابعة والعشرون من الإعلان الدستوري على تعيين ثلث أعضاء المجلس «لضمان التمثيل العادل والكفاءة»، من دون تحديد حصص جغرافية مسبقة للأعضاء المعيّنين.
وبلغ عدد الأعضاء المنتخبين مئة وسبعة وثلاثين عضواً، بعد انتخاب أربعة أعضاء عن دائرتي الرقة والطبقة، ثم أحد عشر عضواً عن دوائر الحسكة والقامشلي والمالكية وعين العرب. ولا تزال ثلاثة مقاعد مخصصة لمحافظة السويداء شاغرة.
اجتماعات مغلقة في وزارة الخارجية
قالت المصادر إن بعض الاجتماعات ضمت وزير العدل الحالي مظهر الويس، إلى جانب رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، والأمين العام لمجلس الشعب محمد حمزة شموط، وممثل عن رئاسة الجمهورية. واختلف تشكيل الحضور من اجتماع إلى آخر، تبعاً لخلفيات الشخصيات المدعوة.
وعُقدت اللقاءات في مقر وزارة الخارجية بحي كفر سوسة في دمشق، وسط تكتم شديد. وطُلب من المشاركين عدم الكشف عن مضمون النقاشات أو أسماء الحاضرين، فيما لم يصدر إعلان رسمي عن اللجنة المكلفة بإجراء المقابلات أو المعايير التي تعتمدها في رفع الترشيحات إلى رئاسة الجمهورية.
وأثار اختيار مقر وزارة الخارجية، بدلاً من مبنى مجلس الشعب أو مقر اللجنة العليا للانتخابات، تساؤلات لدى بعض المدعوين بشأن الجهة التي تدير فعلياً عملية الاختيار. إلا أن مصادر متابعة عزت ذلك إلى اعتبارات تنظيمية وأمنية، وإلى الرغبة في إبقاء المشاورات بعيداً عن التداول الإعلامي.
وتركزت الأسئلة، وفق مصدر تابع جانباً من اللقاءات، على خبرة المرشحين في الشأن العام، وعلاقاتهم ببيئاتهم المحلية، والملفات التي يمكنهم متابعتها داخل المجلس. كما سُئلوا عن تصورهم لدور المؤسسة التشريعية وعلاقتها بالحكومة والسلطة التنفيذية خلال المرحلة المقبلة.
وأولت اللجنة اهتماماً بمدى قبول كل شخصية في منطقتها أو مكونها، خشية أن يؤدي اختيار أسماء مثيرة للانقسام إلى اعتراضات محلية أو سياسية.
أسماء متداولة
وأشارت المصادر إلى أن اللجنة التقت بعدة شخصيات، برز بينها سعود النجرس، نجل الشيخ فيصل النجرس، عضو مجلس الشعب السابق وشيخ قبيلة العكيدات في دير الزور.
وعرف كذلك، اسم السياسي غابرييل كورية، القيادي في المنظمة الآثورية الديمقراطية، وأحد المشاركين في أطر المعارضة السياسية منذ انطلاق مرحلة «ربيع دمشق» في 2001.
وشملت المشاورات أيضاً القيادي الكردي مصطفى عبدي، عضو الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، والذي سبق أن شغل عضوية مجلس شورى حركة أحرار الشام الإسلامية.
ومن بين الأسماء المتداولة أيضاً الشيخ أحمد نواف الجربا، أحد شيوخ قبيلة شمر وعضو مجلس القبائل والعشائر السورية، والقيادي الكردي إبراهيم برو، عضو لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الوطني الكردي ورئيسه السابق.
ومن حمص، التقت اللجنة بقائد فيلق الشام سابقاً وأحد مؤسسيه، منذر سراس، المرشح ضمن قائمة الرئيس أيضاً، وهو شخصية معروفة بعلاقاتها الوثيقة مع دوائر القرار في أنقرة، ولا سيما وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
وأكدت المصادر أن أياً من هذه الأسماء لم يُحسم اختياره بعد، وأن التشكيلة قد تتغير وفق حسابات التوازن الجغرافي والقومي والسياسي. ويكشف تنوع المرشحين بين شخصيات عشائرية وكردية ومسيحية وعلوية وإسماعيلية عن مسعى لاستكمال تمثيل المكونات والمناطق التي لم تنل حضوراً كافياً في الانتخابات.
كما تسعى الجهات المشرفة إلى الجمع بين شخصيات قريبة من الإدارة الجديدة، وأخرى مستقلة أو قادمة من أطر المعارضة، مع مراعاة الخبرة والقبول المحلي، لتجنب انحصار المجلس في لون سياسي واحد.
مستقلون وتمثيل نسائي
أكد مصدران متقاطعان لـ«القدس العربي» وجود قائمة قصيرة لدى الرئيس أحمد الشرع تضم عدة شخصيات، بينهم الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني السوري المعارض الشيخ معاذ الخطيب، والممثل جمال سليمان، اللذان زارا الرئيس الشرع خلال أيار/مايو الماضي، وهدى أتاسي، عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، إضافة إلى خمسة أعضاء من اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، يتجه الرئيس إلى اختيارهم «للاستفادة من خبراتهم القانونية والسياسية والتنظيمية داخل المجلس الجديد»، بحسب أحد المصدرين.
وكان الشرع قد أصدر المرسوم رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل اللجنة برئاسة محمد طه الأحمد، وعضوية حسن الدغيم، وعماد برق، ولارا عيزوقي، ونوار نجمة، ومحمد علي ياسين، ومحمد ولي، ومحمد ياسر كحالة، وحنان البلخي، وبدر الجاموس، وأنس العبدة.
وبحسب المصدرين، يرغب الرئيس في زيادة تمثيل النساء ضمن قائمته، ما يجعل اختيار حنان البلخي وهي عضو سابق في «المجلس الوطني السوري» المعارض ثم ممثلة لـ «الائتلاف الوطني» في النرويج، شبه محسوم. في المقابل، لا يزال ضم الصحافية والناشطة المدنية لارا عيزوقي موضع تردد، بسبب صلة القرابة التي تجمعها بلينا عيزوقي، الفائزة بعضوية المجلس عن دائرة دريكيش والشيخ بدر في محافظة طرطوس.
وقد يثير انتقال أعضاء من اللجنة من الإشراف على الانتخابات إلى عضوية المجلس نقاشاً حول تداخل الأدوار، حتى وإن جرى اختيارهم ضمن قائمة الرئيس، لا عبر المقاعد التي أشرفوا على انتخاب شاغليها.
استكمال التمثيل وعقدة السويداء
تقول المصادر إن المقاعد السبعين ستُستخدم لسد جوانب النقص التي أظهرتها النتائج الانتخابية، ولا سيما في تمثيل النساء وبعض المكونات القومية والدينية، إلى جانب الاستعانة بشخصيات ذات خبرات قانونية واقتصادية وإدارية، تعزز قدرة المجلس على أداء مهامه التشريعية والرقابية.
ويبرز في هذا السياق ملف السويداء، التي بقيت مقاعدها الانتخابية الثلاثة شاغرة. وقد تضم قائمة الرئيس شخصيات من أبناء المحافظة لضمان حضورها في المجلس، إلا أن تعيينها لا يحل قانوناً محل المقاعد المؤجلة، التي تبقى شاغرة في انتظار إجراء الانتخابات.
وتواجه عملية الاختيار صعوبة في المفاضلة بين العدد الكبير من المرشحين والمقاعد المتاحة، وسط مطالب من قوى سياسية وعشائرية ودينية ومجالس محلية بضمان حضورها. وقد يؤدي اعتماد شخصية من محافظة أو مكون إلى استبعاد شخصية أخرى من البيئة نفسها، ما يجعل التوفيق بين الكفاءة والتمثيل أحد أبرز تحديات إعداد القائمة.
حسابات الرئاسة بين دمشق
قال أعضاء قريبون من المشاورات إن الأشهر الماضية شهدت تشكل تجمعين غير معلنين داخل مجلس الشعب المنتظر؛ يضم الأول ممثلي حلب وريفها، فيما يستند الثاني إلى أعضاء دمشق وريفها. وبدأ الطرفان تحركات تهدف إلى التأثير في اختيار رئيس المجلس وتوزيع مواقع مكتبه ولجانه الأساسية.
وتملك حلب وريفها أكبر تجمع عددي بين المحافظات، ما يدفع شخصيات منها إلى طرح مرشح حلبي أو دعم شخصية تتوافق معها. في المقابل، تستفيد مجموعة دمشق وريفها من قربها من مؤسسات الحكم ومراكز القرار، إلى جانب وجود أعضاء يمتلكون خبرات سياسية وإدارية.
ولا يمثل التجمعان كتلتين سياسيتين منظمتين، بل يقومان على التنسيق المناطقي وتقاطع المصالح، من دون أن يعني ذلك تصويت جميع ممثلي كل محافظة في اتجاه واحد. ومع ذلك، يحد ظهورهما من قدرة القيادة السورية على حسم رئاسة المجلس بصورة منفردة، ويفرض على أي مرشح بناء تفاهمات أوسع داخله.
وتشير المصادر إلى أن حسابات دقيقة تجري لضمان وصول محمد طه الأحمد، الذي وصفته بأنه مرشح القيادة غير المعلن، إلى رئاسة أول مجلس تشريعي بعد سقوط نظام بشار الأسد. وترى أن اضطراره إلى التفاهم مع التجمعات المناطقية قد يمنح المجلس هامشاً أوسع في علاقته بالسلطة التنفيذية.
ولم تستبعد المصادر أن يكون تأخر إعلان قائمة الرئيس مرتبطاً بمحاولة تأمين الأصوات اللازمة للأحمد، الذي يرأس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، ويشغل منصب مستشار وزير الخارجية للشؤون العربية.
في المقابل، رجح مصدر إمكان الدفع بوزير العدل مظهر الويس إلى عضوية المجلس وترشيحه لرئاسته، باعتباره قد يكون أكثر قدرة على نيل توافق أوسع من ذلك الذي يحظى به الأحمد.
وسيكون للأعضاء السبعين الذين يعيّنهم الرئيس دور حاسم في هذه المنافسة، إذ يمكن لأصواتهم ترجيح أحد المرشحين أو الدفع نحو تسوية بين تجمعي حلب ودمشق. كما قد تتضمن القائمة شخصية ثالثة مؤهلة لرئاسة المجلس، خارج الأسماء التي تطرحها المجموعات المناطقية.
ويمثل اختيار رئيس المجلس أول اختبار لطبيعة العلاقة بين المؤسسة التشريعية والسلطة التنفيذية، ومدى قدرة الأعضاء على بناء تحالفات تتجاوز الانتماء المناطقي. وفي ظل غياب إعلان رسمي عن القائمة وموعد صدورها، تستمر الاتصالات بين المرشحين والفعاليات السياسية والمحلية، في انتظار قرار يحدد هوية الأعضاء المعيّنين، ويرسم موازين القوى داخل المجلس.
- القدس العربي






















