أعاد انعقاد مجلس الشعب السوري في دورته الأولى، فتح أحد أكثر الملفات السياسية حساسية في المرحلة الانتقالية، وهو قانون الأحزاب، بعد أن ظلّ غيابه مبرراً خلال الأشهر الماضية، بسبب عدم وجود سلطة تشريعية مخولة بإقراره. ومع تشكيل المجلس، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت السلطة ستترجم وعودها بإطلاق الحياة السياسية عبر إصدار قانون ينظم تأسيس الأحزاب، أم أن الاعتبارات الأمنية والسياسية ستؤدي إلى استمرار تأجيل هذا الاستحقاق. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بعد أكثر من ستة عقود من احتكار حزب البعث للحياة السياسية في سورية منذ عام 1963، وهيمنة حزب البعث على “الدولة والمجتمع” بالشراكة الصوَرية مع ما عُرف بـ”الجبهة الوطنية التقدمية” التي بقيت إطاراً شكلياً للتعددية الحزبية حتى سقوط النظام السابق نهاية عام 2024. واليوم، تجد سورية نفسها أمام فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات معقدة تفرض تساؤلات حول التوقيت المناسب لإطلاق التعددية الحزبية.
سورية والحاجة إلى قانون للأحزاب
وخلال الأشهر الماضية، كان غياب مجلس تشريعي يمثل المبرر الأساسي لتأجيل إصدار قانون الأحزاب، إذ نصّ الإعلان الدستوري المؤقت على ضمان حرية تشكيل الأحزاب، لكنه ربط ممارسة هذا الحق بصدور قانون ينظم عملها ويحدد شروط الترخيص والإشراف عليها. ومع انعقاد مجلس الشعب (انطلقت جلساته في 12 يوليو/تموز الحالي)، لم يعد هذا المبرر قائماً، ما يجعل إصدار القانون اختباراً لمدى جدية السلطة في استكمال مسار الانتقال السياسي. ويرى عدد من الباحثين أن وجود قانون ينظم الحياة الحزبية لم يعد مجرد استحقاق قانوني، بل أصبح ضرورةً سياسية لتأسيس منافسة منظمة داخل المؤسسات، بدل استمرار النشاط السياسي في أطر غير رسمية أو خارج إطار القانون.
كان غياب مجلس تشريعي يمثل المبرر الأساسي لتأجيل إصدار قانون الأحزاب
تُجمع معظم الآراء الواردة في الدراسات والتصريحات التي تناولت هذا الملف، على أن غياب قانون للأحزاب في سورية يترك فراغاً سياسياً يصعب ملؤه بوسائل أخرى. فالأحزاب لا تمثل مجرد تجمعات سياسية، بل تُشكّل الأداة الأساسية لتنظيم المشاركة الشعبية، وصياغة البرامج، وإعداد القيادات، وتأطير المنافسة الانتخابية. ورأى مدير مركز الحوار السوري أحمد القربي، أنه “طالما نحن متفقون على الحق في تشكيل الأحزاب وحرّية ممارسة العمل السياسي كما هو منصوص عليه في الإعلان الدستوري، فإن من يطالب بتأجيل هذا الحق أو تعديله هو المطالَب بتوضيح أسبابه للرأي العام”.
وقال القربي لـ”العربي الجديد”، إنه “حتى في ظلّ عدم وجود قانون للأحزاب حالياً، فهذا لا يعني منع ممارسة العمل السياسي، لأن النشاط الحزبي هو أحد أوجه العمل السياسي، وليس كلّه”، موضحاً أن “تنظيم ندوة أو المشاركة في القرار من خلال المجالس المحلية، يعتبر عملاً سياسياً، وكل هذا يجب تثبيته وتفعيله، ويبقى فقط لدينا جزئية الغطاء القانوني لتشكيل الأحزاب، وهذه تحتاج لقانون تشكيل أحزاب”.
وأعرب القربي عن اعتقاده بأن تشكيل الأحزاب لا بد أن يكون مرتبطاً بقضيتين: الأولى إصدار قانون العزل السياسي لقطع الطريق على فلول النظام السابق لإعادة التموضع وتدوير أنفسهم، أما النقطة الثانية فهي أن السلطة يجب أن تشرح للرأي العام أن تشكيل الأحزاب مرتبط بمعايير واضحة، حتى يمكن القول إنه اكتمل بناء المؤسسات وبات ممكناً السماح بتشكيل الأحزاب”. ولفت إلى أن تقييد هذا الحق، بما في ذلك التقييد الزمني، يحتاج إلى وضع معايير وضوابط واضحة. وختم بأنه “اليوم، نحتاج إلى أحد أمرين: إما أن يصار إلى إصدار قانون الأحزاب بالترافق مع قانون العزل السياسي، أو إذا كانت السلطة ترى أنه من المبكر حدوث ذلك، فحينئذ يجب أن توضح المعايير التي استندت إليها، لأن هذا تقييد للحق، ويخالف القاعدة المنصوص عليها في الإعلان الدستوري. ويشير عدد من الخبراء إلى أن التجارب المقارنة تظهر أن الأنظمة الديمقراطية المستقرة لا يمكن أن تعمل من دون أحزاب سياسية، لأنها الوسيلة الطبيعية لتنظيم الرأي العام وتحويل التنافس السياسي إلى منافسة على البرامج والسياسات، لا على الولاءات الشخصية أو الاصطفافات المؤقتة. كما أن إصدار قانون عصري للأحزاب قد يسهم في تشجيع القوى السياسية الجديدة على العمل بصورة علنية وشفافة، بدل بقائها في إطار تجمعات غير مرخصة أو مبادرات محدودة التأثير.
مخاوف مشروعة في المرحلة الانتقالية
في المقابل، ثمة هواجس جدية تعتري المعترضين على فتح هذا الملف في الوقت الحاضر، خصوصاً في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية التي لا تزال تعيشها البلاد. فلا تزال مناطق سورية عدة خارج السيطرة الكاملة للحكومة، كما تستمر الانقسامات الجغرافية والسياسية والاجتماعية التي خلّفتها سنوات الحرب، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى التحذير من أن إطلاق الحياة الحزبية بصورة متسرعة قد يفتح الباب أمام ظهور أحزاب تقوم على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية، بما يعيد إنتاج الانقسامات داخل المجتمع السوري. ويستند هذا التخوف إلى أن المجتمع السوري يخرج من سنوات طويلة من الصراع والاستقطاب، الأمر الذي قد يجعل بعض القوى تلجأ إلى استثمار الهويات الفرعية بدلاً من المنافسة عبر البرامج السياسية والاقتصادية.
وعبّر عن هذا الرأي عضو مجلس الشعب نوار نجمة في تصريح لـ”العربي الجديد” بقوله إن الأحزاب السياسية وإن كانت ضرورية في أي حياة سياسية، فإن المشكلة تكمن في الأدوات التي سوف تستخدمها هذه الأحزاب في عملها السياسي. وأوضح أنه في ظل الوضع الطائفي والمناطقي والعرقي، ستكون أدوات هذه الأحزاب بهذا الشكل، أي طائفية وعرقية ومناطقية، كما كانت عليه الحال في خمسينيات القرن الماضي. ورفض نجمة ما يراه البعض من أن الحياة الحزبية سوف تُسهم في النضج السياسي وتجاوز حالة الانقسام والاستقطاب على أساس طائفي ومناطقي وعرقي، ورأى أن الواقع معاكس تماماً لذلك، أي أن “الحياة الحزبية في وضعنا الراهن ستعمق هذه الانقسامات لأن الأحزاب هي مؤسسات سياسية تحتاج إلى مكونات سياسية وإلى النضج السياسي، فهي نتيجة للنضج السياسي وليست سبباً له، وبالتالي فان إنشاء الأحزاب في الوضع الراهن قد يعمق الانقسامات الحاصلة”.
كما يخشى متابعون آخرون من أن يؤدي تعدد الأحزاب الصغيرة في غياب مؤسسات قوية في سورية إلى مزيد من التشظي السياسي، بحيث تتحول الحياة الحزبية إلى ساحة صراعات بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار. غير أن أصحاب هذا الرأي لا يدعون بالضرورة إلى رفض التعددية الحزبية، وإنما إلى تنظيمها تدريجياً، ضمن إطار قانوني صارم يمنع تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو قومية أو مناطقية، ويضع ضوابط واضحة للتمويل والشفافية والمساءلة. وقد حاول الإعلان الدستوري المؤقت معالجة جانب من هذه المخاوف، إذ نص على حظر قيام أي حزب على أساس ديني أو عرقي أو مناطقي، بما يؤكد أن التعددية المطلوبة هي تعددية سياسية تقوم على البرامج لا على الهويات.
أحمد القربي: إذا كانت السلطة ترى أنه من المبكر إصدار قانون الأحزاب، فيجب أن توضح المعايير التي استندت إليها
لكن خبراء قانونيين يرون أن النصوص الدستورية وحدها لا تكفي، إذ تحتاج إلى قانون تفصيلي يحدد شروط الترخيص، وآليات الرقابة، وسبل حل النزاعات، وضمانات تكافؤ الفرص بين الأحزاب، والعقوبات المترتبة على مخالفة الضوابط الوطنية. ومن دون هذا القانون، تبقى الحياة السياسية رهينة الاجتهادات الإدارية، بما قد يفتح الباب أمام الانتقائية أو الغموض في التعامل مع المبادرات السياسية الجديدة.
بين أولوية الاستقرار وضرورة الإصلاح
وتقول السلطة السورية في تصريحاتها إن الأولوية خلال المرحلة الانتقالية هي تثبيت الأمن، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنجاز الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، قبل الانتقال الكامل إلى التنافس السياسي. ويستند هذا الطرح إلى أن أي انفتاح سياسي غير منظم قد يعرقل جهود إعادة بناء الدولة، خصوصاً إذا ترافق مع صراعات حزبية حادة في ظل بيئة لا تزال هشة. في المقابل، يرى باحثون وسياسيون أن تأجيل الحياة الحزبية إلى أجل غير محدد قد يحمل مخاطر لا تقل عن مخاطر إطلاقها، إذ إن استمرار الفراغ السياسي قد يعزز بروز تكتلات غير رسمية، ويغذي الشعور بالإقصاء لدى بعض القوى السياسية، ويؤدي إلى تراجع الثقة بين المجتمع والسلطة. كما يحذر هؤلاء من أن إعادة إنتاج نموذج تأجيل الإصلاح السياسي بحجة الأولويات الأمنية قد يعيد إلى الأذهان السياسات التي اتبعها النظام السابق لعقود.
ويبدو أن ثمة مساحة مشتركة في سورية بين معظم الآراء المطروحة، وهي أن المطلوب ليس التعجل غير المحسوب، ولا التأجيل المفتوح، بل وضع خريطة طريق واضحة لإطلاق الحياة الحزبية بصورة تدريجية. وتبدأ هذه الخريطة بإصدار قانون حديث للأحزاب يضمن حرية التنظيم السياسي ضمن إطار وطني جامع، ويمنع تشكيل الأحزاب على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية، ويضمن تكافؤ الفرص والشفافية في التمويل والعمل السياسي، مع تفعيل الرقابة القضائية المستقلة على تطبيق القانون. كما يتطلب نجاح التجربة تعزيز الثقافة السياسية لدى المواطنين، وتشجيع الأحزاب على بناء برامج اقتصادية واجتماعية وتنموية، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الأيديولوجية أو الهوياتية.
- العربي الجديد
























