ملخص
يمكن استخلاص تجارب دول عدة مرت بحروب مشابهة للحرب السورية، لمعرفة أن تعدد مصادر القوة داخل المجتمع هو استمرار وحشي للحرب نفسها لا إعلاناً لنهايتها. وهذا التعدد الذي وإن جعل مواطناً واحداً خائفاً من قرينه سيؤثر بالمجمل في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ويدفع البلاد إلى الخلف في سلم هبوطي لا يمكن تلافيه إلا بخطوات جدية تجمع بين المصالحة والحوار الوطني والقانون والتنمية وإعادة تعريف مفهوم الأمن وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية بصورة لا تحمل أية انتقائية، وهو ما يجعل الدولة محتكرة للسلاح ومصدر الحماية الوحيد لشعبها بكل أطيافه.
تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قبل بضعة أيام في الـ25 من يوليو (تموز) الجاري، خلال لقاء مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أثناء زيارته سوريا عن موضوع السلاح المنتشر في سوريا، فقال “تمكنا من حصر السلاح بيد الدولة”، مما أعاد فتح باب النقاش مجدداً حول مسألة انتشار السلاح بين أيدي فئات واسعة من السوريين من دون تدقيق أو تضييق، وبما يجعل استمرار حالات العنف والتفلت أموراً قائمة بحد ذاتها، ففي اليومين التاليين فقط لتصريح الوزير تعرضت سيدتان وعدد من الأطفال لإطلاق نار من ملثمين مجهولين على دراجات نارية في مدينة حمص، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في تكرار لحوادث تحمل أبعاداً طائفية ومناطقية وثأرية، بحسب تعبير أهالي المناطق المعتدى عليها باستمرار.
في هذا السياق، يقول الخبير الأمني جابر حماده إنه “من المبكر جداً الحديث عن حصر أو احتكار السلاح، لأن واقع الأرض يفند الموضوع ويوضح أنه غير جدي بالمطلق، وهذا الرأي ليس اعتقاداً عابراً، بل هو أساس راسخ يمكن مراقبته في المدن والطرقات، وبتتبع حوادث القتل والاغتيال اليومية أو شبه اليومية، وليس من مصلحة أية سلطة جديدة خارجة من حرب عنوانها الانتشار غير المحدود للسلاح أن تتبنى رواية احتكاره، لأنها بذلك تدين ذاتها وتحمل نفسها مسؤولية أية حادثة تقع، وهنا كانت سقطة التصريح غير المدروس”.
إرث الحرب الثقيل
يبدو موضوع السلاح المتفلت عقب حرب سابقة طويلة الأمد في سوريا واحداً من أكثر الاختبارات المعقدة التي تواجه منظومة السلطة الحالية، التي من شأنها الإسهام في تحديد صورة الدولة عامة، خصوصاً وأن مقتضيات المرحلة لم تعد تنحو باتجاه إفراز جبهات جديدة وخطوط تماس قتالية وصراع عسكري تقليدي تنضوي تحته فصول عنيفة من الفوضى وعدم التنظيم.
ويقول الباحث السياسي معتز يوسف إن “السلاح اليوم متوافر بكثرة وأكثر مما كان متوقعاً له، ففي مقابل أن العلويين سلموا سلاحهم مع السقوط، والمسيحيون نسبياً لم يكن لديهم سلاح، والأقليات الأخرى إلى حد ما، لكن فوضى السلاح تنامت وظهرت بوضوح أكثر بلاغة وتعبيراً على صعيد الأفراد والجماعات وفق مستويات أكثر تعقيداً، كونها خارج الإطار التشريعي الذي ينظمها في وزارتي الداخلية والدفاع، نحن اليوم نتحدث عن معلومات بحثية تؤكد وجود مئات أو ملايين قطع السلاح الفردي والمتوسط بين أيدي فئات مختلفة من الشعب خارج المؤسسات الرسمية، بل إنه يباع علانية في مدن محددة. شرعية امتلاك السلاح اليوم تقوم على منطق الولاء لا التنظيم، وهذا وبال يمكن أن ينقلب في وجه أي نظام دستوري حاكم”.
ويرى مراقبون أن عدم احتكار الدولة السلاح فعلياً، يعني إمكان وجود جماعات قادرة على فرض إنفاذ القانون الخاص بها، ويذهبون في الرأي أبعد من ذلك بالقول إن الجهات المنظمة رسمياً نفسها، يغلب على كثير منها طابع فصائلي تمردي مستمر يمكن أن يوجه سلاحه نحو تحقيق أهدافه وطموحاته، وهو ما يبرر حالة المحاباة المستمرة داخل أجهزة الدولة السورية نفسها.
وفي هذا المقام يؤكد أستاذ القانون الدولي باسل محمد أن “التشريعات الناظمة دولياً نصت على أن للدولة وحدها حق احتكار القوة واستخدامها في مجالها الدستوري والسيادي، تماشياً مع تفعيل دور العدالة والقضاء بالقوة نفسها، وهذا يضمن تحول موضوع السلاح من ملف أمني مرهق إلى ملف سياسي يمكن السيطرة عليه لإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المجتمع بها”.
قبل 2011 وبعدها
لم تعرف سوريا السلاح فجأة مع حربها في عام 2011، بل عرفته قبل ذلك لكن بصورة مغايرة ومختلفة ومحدودة تماماً، فقد كان السلاح محصوراً بفئات المهربين المطاردين أو الأعراف القبلية والعشائرية، أو الرخص المدنية لحمله وفق إجراءات مختلفة، منها الحماية الشخصية لأسباب معينة، أو تراخيص الفلاحين ورعاة المواشي وسائقي الشاحنات، لكن الأهم في ذلك كانت عقوبة استخدام السلاح وما نص عليه القانون السوري، حتى وإن كان السلاح محمولاً برخصة رسمية، إذ لم يجز القانون استخدامه إلا في حالة الدفاع القصوى عن النفس، وضمن إثباتات معقدة تفيد بأن استخدامه كان ضرورة لا خياراً، وقد ضيق القانون كثيراً في هذا الشأن، إذ كان يمنع استخدام سلاح ناري في مواجه معتد يحمل سلاحاً أبيض مثلاً، فكان استخدام النار بالنار حصراً.
يقول العميد الحقوقي المتقاعد من الشرطة أنس العلبي إن “السلاح المتفلت قبل عام 2011 لم يكن يمكن أن يشكل بأية حال مركز ثقل ونفوذ يهدد سيادة الدولة وأمن أفرادها على مستوى جماعي، وهذا الفرق بين ما قبل 2011 وما بعدها، إذ صار الاستثناء هو القاعدة، والسلاح الفردي هو الحالة العامة، إذ إن الأسلحة دخلت إلى سوريا خلال الثورة بكميات لا يمكن تصديقها، والآن هي موزعة بين الناس. وباتت عملية ضبط السلاح أصعب تحد للعهد الجديد، واستمرار وجوده سيضع البلاد في مسار عدالة انتقالية لن تنتهي ما زال هناك ضحايا كل يوم نتيجة هذا السلاح”.
من الميدان إلى المجتمع
تعرف خطورة السلاح عملياً بوظيفته، فحين يكون سلاح معركة وجبهة يكون وجوده مفهوماً ومعللاً، لكن حين ينتقل ليصبح جزءاً من الحياة اليومية لمجتمع خارج من الحرب وليدير شؤونه به، فإن ذلك يزيد تعقيد المشكلة ويضع السلطة، لا في مواجهة سلاح موجود أساساً، بل في مواجهة ثقافة امتلاك السلاح وهذا أخطر ما في الأمر.
يبين الباحث في شؤون النزاعات سامي زهر أن “مواجهة الثقافة المتراكمة أصعب من حل المشكلة المرئية نفسها، واليوم لو قدر لجميع الطوائف بأفرادها إعادة امتلاك السلاح لفعلت من دون تردد، وذلك لأن السلاح أصبح جزءاً نظرياً وعملياً من ثقافة تعايشية تفضي نتيجتها إلى أن امتلاكه يوفر حماية شرعية للحياة، وفق مشاهد عاينها السوريون أظهرت مدى قدرة مالك السلاح على التعسف باستخدامه وصولاً إلى ارتكاب مجازر في حق مدنيين لا يملكون حجارة يدافعون بها عن أنفسهم، وهذا ما فعله المجتمع الدرزي جنوباً حين اختار ألا يستغني عن سلاحه تحت أي ظرف ولأي سبب مهما كان، ولو شكل حمله قطيعة مطلقة مع المركز”.
دروس قاسية
أكدت اللجنة الوطنية التي شكلتها السلطة السورية الحالية للتحقيق في أحداث الساحل مارس (آذار) 2025، التي أفضت لمقتل نحو 1500 علوي خلال ثلاثة أيام، بحسب تقارير أممية، أن نحو 200 ألف مقاتل غير منظم شاركوا بالهجوم، مما يجعل ميدان السؤال أكثر اتساعاً وشمولية عن مقاتلين وفدوا من محافظات بعيدة بهذا العدد والكم من السلاح، فماذا لو استمرت المجازر لمدة أطول وكانت الطرق انسيابية في الوصول أكثر قبل أن يتم ضبط الموقف على الأرض؟ بالمبدأ العام هنا أكدت الدولة وجود 200 ألف قطعة سلاح خارج سيطرتها في حدث واحد.
وفي العام نفسه في شهر يوليو (تموز)، شهدت السويداء على مدار أيام عدة أحداثاً أمنية مشابهة أفضت لمقتل نحو ألفي مدني، والمشترك في أحداث الساحل والسويداء هو أن الفزعات العشائرية غير المنظمة هي من تسيدت المشهد قادمة من أبعد المحافظات إلى مناطق النزاع تلك، مما أعاد النقاش حول دور وشرعية وتعداد السلاح العشائري وخطر وجوده خارج السياق الرسمي للدولة.
يضاف إلى هاتين الحادثتين البارزتين في المرحلة الانتقالية الحالية، وباستثناء “داعش”، أن اكتناز المجتمعات المحلية السلاح هو ما يبرر حالات القتل “الفردية” التي بات من شبه المستحيل إحصاؤها خلال الفترة التي تلت سقوط النظام السابق، وهو ما يضع المرحلة الانتقالية مجدداً أمام اختبار معقد لانتزاع هشاشة غياب المسار القانوني، والأمر هنا لا ينطبق على موالي السلطة فقط، بل على خصومها المحليين المسلحين أيضاً.
كيف يمكن ضبط السلاح؟
أحد الضباط الذين خدموا في مكان إداري رفيع في وزارة الداخلية قبل سقوط نظام الأسد تحدث لـ”اندبندنت عربية”، رافضاً الكشف عن اسمه، حول موضوع ضبط السلاح، فقال “في السني الأخيرة من عهد الدولة السابقة استشعرت القيادة السياسية والعسكرية خطر وكمية السلاح المتفشي بين أفراد المجتمع، وبدأت تبحث جدياً عبر الأجهزة السيادية من المكتب الأمني في القصر الجمهوري ومكتب الأمن الوطني والاستخبارات ووزارتي الدفاع والداخلية عن سبل كبح هذا الانتشار، لكنها لم تتمكن من الوصول لطريقة تسحبه فيها من أيدي الناس لأسباب عدة، فاستتب الرأي على شرعنته ضمن أصول تتيح للأجهزة المعنية حصره ضمن قاعدة بيانات موحدة بين الأجهزة المعنية”. وأضاف “أصدر بشار الأسد حينها مرسوماً يحدد مهلة زمنية تتيح لكل شخص يمتلك سلاحاً خارج مؤسسات الدولة أو الميليشيات المقاتلة معها، أي من المدنيين الذين في صفه أو الذين أجروا تسويات معه بعد أن كانوا خصومه، بأن يقوموا بمراجعة أفرع الأمن الجنائي للتصريح عن نوع السلاح الذي بحوزتهم شريطة أن يكون سلاحاً خفيفاً، وحمل المرسوم جملة غاية في التركيز، وهي الإفصاح عن السلاح بغض النظر عن الطريقة التي حصل بها الشخص على السلاح نفسه، وبعدها يحصل على رخصة مدنية لحمله، وبالفعل تم الأمر وأفصح عدد كبير عن سلاحه، وبالتالي امتلكت الدولة قاعدة بيانات دقيقة لكل مالك سلاح، وتلك كانت الخطوة الأولى لتأطيره قبل إيجاد طريقه لسحبه تدريجاً”.
انتصار الثورة نسف المشروع السابق الذي لا يمكن الحكم عليه إن كان سينجح أم لا، لكن سوريا اليوم لا شك تحتاج إلى عملية طويلة تتجاوز فيها المصادرة المباشرة، ويبدأ ذلك بحسب خبراء أمنيين عبر معرفة حجم انتشار السلاح وأنواعه ومورديه وممتلكيه.
وفي هذا المعرض يقول خبير النزاعات الدولية خالد الجاسم، “سابقاً كانت هناك حرب ضروس، لكنها مقرونة بجبهات وخطوط تماس، فغالباً لم يكن هناك قيمة عليا للسلاح داخل الأحياء في المدن، اليوم تغير الوضع، فالجميع يرى في السلاح وسيلة لحماية نفسه وروحه، ومن هذا المنطلق يجب أن ترى الدولة أن حاملي السلاح يشعرون بغياب الحماية، فلا يجب أن يكون التركيز على كم المصادرات، بل تأمين حماية بديلة ومعها تكريس مفهوم أن وجودها خارج الإطار الشرعي غير مقبول”.
وتابع “بالتوازي يجب نزع الحصانة الثورية عن المدنيين المسلحين من أفراد وجماعات، لأن ذلك يحمل تمايزاً يجعل المجتمع مستمراً في الدوران داخل دائرة خوف وعنف مزدوجين، والتجارب الدولية تخبرنا بوضوح أن رفع مواطن أو فئة أو شريحة فوق أقرانهم سيخلف تكراراً لمشكلات مع الوقت سيصير العبور فوقها مستحيلاً، فبعد انتهاء حروب معظم الدولة التي نعرفها بالتاريخ الحديث لم يسمح لأحد بالاحتفاظ بسلاحه للثأر، لأن العدالة والقانون كانا بديلين جادين في رأب الصدوع وإلمام المظالم”.
احتكار القوة
يمكن استخلاص تجارب دول عدة مرت بحروب مشابهة للحرب السورية لمعرفة أن تعدد مصادر القوة داخل المجتمع هو استمرار وحشي للحرب نفسها لا إعلاناً لنهايتها، وهذا التعدد الذي وإن جعل مواطناً واحداً خائفاً من قرينه سيؤثر بالمجمل في السياسة والاقتصاد والاجتماع ويدفع البلاد إلى الخلف في سلم هبوطي لا يمكن تلافيه إلا بخطوات جدية تجمع بين المصالحة والحوار الوطني والقانون والتنمية وإعادة تعريف مفهوم الأمن وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية بصورة لا تحمل أية انتقائية، وهو ما يجعل الدولة محتكرة للسلاح ومصدر الحماية الوحيد لشعبها بكل أطيافه.
وبذلك يفقد السلاح غير الشرعي مبرر وجوده ووظيفته ويصبح التعامل معه قضية سيادية كاملة الأركان ضمن المعركة الأساسية لإعادة بناء الدولة التي لا يصوب أولادها بنادقهم نحو صدور بعضهم، وعلى رغم أن المسار يبدو طويلاً، والشكوك مترنحة بين الجميع، وما تحت الطاولة أكثر مما فوقها، والمرحلة حساسة بما لا يحتمل المجازفة، والجروح لا زالت تقطر دماً، لكن الاستمرار في الفوضى ثم تحمل تبعاتها القريبة والبعيدة أسوأ بآلاف المرات من علاجها السريع مهما كلف الأمر، والرأي هنا لعامة من السوريين ضاقوا ذرعاً برؤية السلاح في كل مكان.
- إندبندنت























