دمشق ـ «القدس العربي»: دفع شحّ المياه في العاصمة السورية وريفها إلى موجهات في منطقتين في ريف العاصمة السورية، الأولى في تل منين شمال دمشق، حيث تم توقيف نحو 25 من الذين اعترضوا عمل آليات لشركة المياه، وأفرج عنهم مساء الأحد، في حين أدى شجار بين عائلتين في منطقة الميدعاني في غوطة دمشق الشرقية، على خلفية نزاع حول سقاية أراض زراعية، إلى سقوط ثلاثة قتلى.
وتزامنت الأحداث السابقة مع نشر شركة المياه برنامج تقنين لمنطقة المزة في العاصمة يتم بموجبه ضخ مياه الشرب للمنازل لنحو 10 ساعات مقابل قطع يصل إلى أكثر من 60 ساعة، الأمر الذي أعادته مصادر الشركة إلى تراجع في مخزون المياه الجوفية وغزارة نبع الفيجية، مع زيادة الاستهلاك الناتج، فضلا عن استقبال دمشق وريفها لمئات الآلاف الإضافيين من أبناء الريف السوري الباحثين عن فرص عمل سواء من محافظات الجزيرة الثلاث دير الزور والرقة والحسكة، أو ريف حلب، وريف عموم الساحل السوري.
ونفذ المئات من أهالي بلدة تل منين، صباح الأحد، اعتصاما سلميا طالبوا من خلاله بالإفراج عمن تم توقيفهم قبل يومين، ويقدر عددهم بـ 25 شخصا، واستجابت السلطات الرسمية حيث وصل البلدة عصر اليوم ذاته وفد ترأسه مدير مديرية الأمن الداخلي في ريف دمشق أحمد الدالاتي ومعاون محافظ ريف دمشق عبد الله الخطيب برفقة الموقوفين الذين تم الإفراج عنهم.
والسبت، حاول الأهالي منع آليات للشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في دمشق وريفها، من العمل في أراضي البلدة، بحجة أن البلدة التي تعاني من أزمة مياه خانقة، غير مستعدة للتضحية بمزيد من المياه لمدينة التل القريبة ليتم استخدامها هناك في جانب منها لتعبئة المسابح الخاصة.
وأصدرت شركة المياه بيانا شرحت فيه ما حصل، وقالت إن بلدة منين في ريف دمشق شهدت مساء السبت احتجاجات وتوترات رافقت تنفيذ أعمال فنية ضمن منشآت المياه الموجودة في البلدة. وأكدت الشركة أن الأعمال المنفذة تندرج ضمن خطط الصيانة الدورية وتعزيل الآبار التابعة لها، بهدف الحفاظ على استمرارية الخدمة وتحسين واقع التزويد بالمياه، ولم تتضمن حفر آبار جديدة أو تنفيذ أي أعمال خارج نطاق اختصاصها أو ضمن أملاك خاصة، خلافاً لما تم تداوله.
وأوضحت الشركة أن طبيعة هذه الأعمال وأهدافها سبق أن جرى شرحها خلال لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المحلي، في إطار حرصها على الشفافية وتعزيز التواصل مع المواطنين.
وعبرت شركة المياه عن أسفها لما تعرض له الكادر الفني والآليات العاملة في الموقع من اعتداءات أدت إلى تعطيل سير الأعمال وتعريض سلامة العاملين للخطر، مؤكدة أن جميع أعمالها تنفذ وفق الأصول الفنية والقوانين والأنظمة النافذة، وبالتنسيق مع محافظة ريف دمشق والجهات المختصة، وبما يضمن استمرارية تقديم خدمات مياه الشرب للمواطنين، داعية الجميع إلى تحري الدقة في تداول المعلومات، واستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية، بما يسهم في تعزيز الثقة والحفاظ على المصلحة العامة.
قتلى الميدعاني
وعلى خلفية نزاع حول أولية ري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي المعالجة من محطة عدرا، نشب شجار بين عائلتين من أهالي بلدة الميدعاني التابعة لمدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية، بالقرب من مدينة عدرا الصناعية، وتطور الشجار إلى استخدام السلاح ما أدلى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة خمسة آخرين.
وذكرت الإخبارية السورية أنه قد تم إسعاف المصابين والقتلى إلى أحد المشافي في مدينة دوما، وتدخلت قوى الأمن الداخلي وفرضت طوقا أمنيا في المنطقة وأغلقت الطرق المؤدية إلى البلدة، وفرضت الأمن والاستقرار فيها، وأشارت إلى أن تدخل وجهاء من البلدة لاحتواء الموقف وانهاء الاشتباك لتعود وتشهد البلدة حالة من الهدوء.
وأعادت مصادر من شركة المياه في تصريح لـ»القدس العربي» سبب المشاكل السابقة إلى تراجع مستوى المياه الجوفية سواء المستخدمة في مياه الشرب أو ري المحاصيل، وهو ما ترفق أيضا مع تراجع غزارة نبع الفيجة ما دفع الشركة إلى فرض برنامج تقنين على المنطقة المزة طيلة فترة شهر آب/ أغسطس الجاري بحيث يتم ضخ المياه ليوم وتقطع ليومين، مع الإشارة إلى أن عملية الضخ تستمر لنحو عشر ساعات.
وأكدت المصادر أن تأمين مياه الشرب لدمشق تراجع فعلا عن الفترة السابقة، لكن الوضع ليس كارثيا إنما هو أفضل مما كان عليه في العام الماضي وقبل الموسم المطري الأخير الجيد، موضحة أن أمطار الموسم الأخير زادت عن المعدل الوسطي كثيرا في حوض العاصمة وريفها، في حين أنها لم تصل إلى 30 % من المعدل السنوي في الشتاء قبل الماضي، والشركة عادة ما تنفذ برنامج تقنين في أشهر التحاريق كل سنة.
وذكرت المصادر أن برنامج التقنين المنشور على الصفحات الرسمية لشركة المياه، يوضح أن عمليات ضخ المياه في شهر آب/ أغسطس في معظم أحياء العاصمة تبدأ من يوم ضخ ويوم قطع، وترتفع إلى يومين وأحيانا ثلاثة أيام قطع حسب ابتعاد الحي عن قلب العاصمة، مع أن عمليات الضخ تبدأ من خمس ساعات وتصل إلى 12 ساعة حسب المنطقة.
وأكدت المصادر أن الوضع المائي لدمشق مقبول حاليا، وسوف يتحسن إذا ما جاء الموسم المطري القادم جيدا كالأخير لكنه سيصبح كارثيا إن كان الموسم القادم جافا، موضحة أن حوض العاصمة وريفها من المياه الجوفية قادر على إرواء نحو ما بين 2.5 و3 مليون نسمة بشكل مقبول، لكن المساحة ذاتها بات يقطن فيها حسب إحصاءات غير مؤكدة أكثر من 5.5 مليون نسمة.
تراجع في مخزون الغوطة
وكما هو حال مياه نبع الفيجة، كان الوضع في المياه الجوفية للغوطة الشرقية، وأكد أبو حمزة لـ»القدس العربي»، وهو مزارع من أهالي قرية الأحمدية بالغوطة الشرقية، أن مستوى سطح المياه الجوفية يصل حاليا إلى عمق نحو 107 أمتار بينما كان العام الماضي لنفس الفترة عند عمق 87 مترا، متراجعا عن عمق نحو 60 مترا قبل 3 سنوات، وهذا المعدل في التراجع إذا لم يتوقف فإن مستقبل الزراعة بات أسود، لأن الفلاح لن تكون لديه القدرة المالية على ضخ المياه من مثل هذه العمق لري مزروعاته.
وفي منطقة مرج السلطان، القريبة من حوض نهر بردى، تراجع مستوى سطح المياه الجوفية إلى عمق 22 مترا، بعد أن كان الموسم الماضي عند 17 مترا حسب ما قاله أبو موفق لـ»القدس العربي».
ولا تبعد القريتان عن بعضهما سوى نحو 5 كيلومترات، لكن المياه تنخفض بشكل هائل كلما تم الابتعاد عن حوض بردى إن باتجاه الجنوب أو الشرق.
حلول تنموية
وأوضح الباحث الاقتصادي حسين عماش لـ»القدس العربي» أن السبب الرئيس وراء أزمة المياه المتفاقمة في العاصمة السورية هو في عدم الإدارة الجيدة للموارد الطبيعية مقارنة بالنمو السكاني غير العادي والناتج أساسا عن الهجرة من الريف السوري عموما إلى العاصمة، وهذه مشكلة تعود لعقود خلال عهد النظام السابق الذي شجع بشكل مباشر على هذه الهجرة من خلال تركيز التنمية على مختلف قطاعاتها في دمشق، مقابل تهميش الريف السوري عموما، فظهرت بذلك أحياء الفقر المحيطة بالعاصمة.
وبين أن الوضع سيصبح كارثيا ما لم تتحرك الحكومة سريعا لتنفيذ برنامج تنموي واسع في مدن وقرى الريف السوري، وخصوصا في منطقة الجزيرة التي تعتبر سلة غذاء ومصدر الطاقة الأحفورية لسوريا.
- القدس العربي























