إسرائيل تخوض اليوم أكبر رهان لها منذ عقود: تحويل التوتر المشتعل من هرمز إلى باب المندب، ومن ممر الهند أوروبا إلى خطوط الغاز في شرق المتوسط، إلى نفوذ عسكري واقتصادي دائم يثبّت مكانتها قوة إقليمية أولى. وفي المقابل، تتحرك الرياض والدوحة وأنقرة، كل بأدواتها الخاصة، لتقف بوجه هذا الطموح وتحافظ على موازين القوى القائمة، فيما تجد إيران نفسها محاصرة من جهتيها الجنوبية والشمالية في آن معاً.
مشاريع الممرات الاقتصادية وخطوط الغاز باتت الميدان الحقيقي للتنافس بين القوى الإقليمية اليوم، بقوة أي مواجهة عسكرية مباشرة. إسرائيل تدفع بثبات لتثبيت موقعها في كل مشروع ربط بين آسيا وأوروبا، وسط رهان مفتوح على الطرف الذي سيحسم لصالحه المعركة الحقيقية القادمة: معركة الممرات والموانئ وخطوط الطاقة.
حصار إيران من كل الجهات
الضغط الأميركي على إيران على كافة حدودها وصل إلى مرحلة غير مسبوقة. يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تدمير 84% من قدرة إيران على إنتاج السلاح، بينما تتحضر واشنطن، بحسب تقارير غربية، للمخاطرة والاستيلاء على جزيرة خرج، مع طموح عسكري أوسع للسيطرة على جزيرة قشم، لتخفيف الضغط والنفوذ الإيراني على مضيق هرمز.
والحصار يمتد إلى الشمال أيضاً بالقوة نفسها. فأميركا وإسرائيل وأذربيجان تتحرك معاً لتسريع فتح ممر زانغزور، الذي سيقطع طرق التجارة والطاقة والنقل الإيرانية عند حدودها الشمالية، بالتوقيت نفسه الذي تحاول فيه طهران تفعيل اتفاقية غاز ضخمة مع روسيا عبر أراضي أذربيجان، بطاقة تضاهي خط نورد ستريم 1، ومردود سنوي متوقع يصل إلى 12 مليار دولار على مدى 30 عاماً. وتتحدث بعض المصادر عن طموح أذربيجاني، مرتبط مباشرة بالنفوذ الإسرائيلي، للتمدد داخل المحافظات الإيرانية ذات الغالبية الأذرية، عبر شبكة نفوذ سرّي متراكمة منذ سنوات.
وبالتالي، إيران، المحاصرة من الشرق والجنوب عبر هرمز، ومن الشمال عبر زانغزور، تحاول الدفع بورقة الحوثيين لجعل مضيق باب المندب غير مستقر، مقابلاً لما تتعرض له من عدم استقرار في هرمز. وهذا الخيار يضرّ بالسعودية مباشرة، ويصبّ في النهاية لصالح إسرائيل.
السعودية والمنفذ الشمالي
هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، تحمل، بحسب المعلومات، معدات عسكرية للحوثيين، دفع السعودية إلى الرد بقصف مطار صنعاء، لثني إيران والحوثيين عن استخدام مضيق باب المندب ورقة ضغط تضرّ بمصالحها مباشرة. فإذا أصبح باب المندب والبحر الأحمر غير مستقرين، مع توتر موازٍ مع الانتقالي الجنوبي عند حدودها الجنوبية، وحصار هرمز عند حدودها الشرقية، يتحول المنفذ الشمالي إلى الخيار الوحيد المتاح أمام الرياض للحفاظ على استقرارها. وهنا بالضبط تعمل إسرائيل على تشديد الضغط على السعودية عبر هذا المنفذ.
الممر الاقتصادي… والدروز ورقة ضغط بيد إسرائيل
وهذا المنفذ الشمالي نفسه هو مسرح المعركة الاقتصادية الأكبر بين الرياض وتل أبيب. فالسعودية ترفض منذ أشهر أن يمرّ ممر الهند أوروبا الاقتصادي عبر إسرائيل وموانئ حيفا، وتصرّ على تحويله عبر سوريا لمنع إسرائيل من توسيع نفوذها مستقبلاً. لكن المسار عبر سوريا يحمل تحديات كبيرة، وسط محاولات إسرائيل السيطرة على حدود سوريا الجنوبية، خصوصاً أن بيان حكمت الهجري الأخير حمل دلالات مباشرة على مطالبته بالانفصال عن سوريا. وإسرائيل، القريبة من دروز الجنوب السوري، تصبح بالتالي قادرة على التأثير في أي ممر بري يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط عبر الأراضي السورية.
وإذا أضفنا إلى ذلك محاولات إقفال المنافذ الغربية والجنوبية والشرقية بفعل التوتر في باب المندب ومضيق هرمز ومع الانتقالي الجنوبي، نجد أن إسرائيل تسعى جراء ذلك إلى دفع السعودية نحو القبول بما ترفضه اليوم، أي تمرير تجارتها ونفطها عبر إسرائيل، وهو ما يمنح تل أبيب نفوذاً اقتصادياً هائلاً في المستقبل القريب.
قطر وتركيا أيضاً في مرمى المواجهة
السعودية تجد اليوم في قطر شريكاً في محاولة كبح الطموح الإسرائيلي في المنطقة. فقطر، عبر صندوق ثروتها السيادي، وهو ثالث أكبر مساهم في شركة فولكس فاغن، عرقلت مؤخراً اتفاقية دفاعية بين الشركة الألمانية وإسرائيل، رافضة إنتاج مكونات لأنظمة صواريخ إسرائيلية في مصنع الشركة بألمانيا. وتعكس هذه الخطوة تقاطعاً في مصالح قطر والسعودية وتركيا في الحد من تمدد النفوذ الإسرائيلي في مشاريع الطاقة والممرات، إذ تواجه تركيا، بالتزامن، تحدياً من نوع مختلف مع إسرائيل.
وأنقرة تعمل منذ سنوات على تثبيت نفسها مركزاً للطاقة بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة أنابيبها. لكن إسرائيل قررت أن تعرقل نفوذها في سوريا، بإعلان وزير طاقتها إيلي كوهين أنها سترد على أي وجود عسكري تركي في سوريا بإنشاء قاعدة إسرائيلية مقابلة في المنطقة نفسها، وهي باتت فعلياً مسيطرة على جبل الشيخ والمنطقة الدرزية جنوب سوريا. وفي البحر، تعمل إسرائيل على مد خط أنابيب غاز بطول 200 كيلومتر، من حقلي كاريش وتانين، اللذين تبلغ احتياطياتهما 2.4 تريليون قدم مكعب، وصولاً إلى قبرص، بمشاركة يونانية قبرصية فقط، من دون أي دور لتركيا. وأردوغان من النوع الذي يواجه الإقصاء بأدواته الخاصة، وعليه قد يبقى خط الأنابيب تحت سطح الماء، لكن الصراع قد يندلع فوق سطح الأرض.
الممرات ترسم الشرق الأوسط الجديد
إيران تقاتل لكسر الحصار، والسعودية تدافع عن موقعها الاقتصادي، وتركيا تحمي دورها في شرق المتوسط، وقطر تحاول الحفاظ على توازنات المنطقة. أما إسرائيل، فتسعى إلى استثمار كل هذه الصراعات في مشروع واحد: تحويل تفوقها العسكري إلى نفوذ اقتصادي دائم، بحيث تصبح الممر الإلزامي للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب في مشروع الشرق الأوسط الجديد.
- المدن





















