ثمة مفارقة لافتة في النقاش الدائر اليوم. فبعد سنوات طويلة كان السوريون يطالبون فيها باستعادة السياسة إلى المجال العام، يبدو أن جزءاً من الخطاب السائد بات يدعو إلى العكس تماماً أي إبعاد السياسة عن المجتمع، ولو مؤقتاً، بحجة أن الأولوية هي بناء الدولة. وكأن السياسة، التي كانت غائبة بفعل الاستبداد، أصبحت اليوم عبئاً على مرحلة يفترض أنها تؤسس لسوريا الجديدة.
ورغم أن هذا الطرح يحمل الكثير من التفاصيل المثيرة للانتباه إلا أن الذروة تأتي في سرعة تحوله إلى ما يشبه الحقيقة غير القابلة للنقاش. فمن يعترض عليه يُتهم بأنه لا يدرك حساسيتها للمرحلة، أو أنه يعرقل عملية البناء، أو أنه يستعجل خلافات لا يحتملها بلد خرج لتوه من حرب مدمرة. وهكذا، يتحول نقاش الأفكار إلى مساءلة أصحابها والتنقيب في ماضيهم، ومن اختبار الحجج إلى توزيع شهادات الوطنية.
هذه الشعبوية السياسية ليست جديدة. فقد رافقت معظم المراحل الانتقالية في دول كثيرة، حيث يُرفع شعار الوحدة والاستقرار لتبرير تضييق المجال العام، ويُقدَّم الاختلاف بوصفه ترفاً أو خطراً. لكن التجربة تكشف أن الدولة التي تخشى السياسة ليست بالضرورة دولة قوية، وقد تكون مجرد سلطة لم تكتسب بعد الثقة الكافية بنفسها.
في قلب هذا النقاش تتكرر فكرة تبدو للوهلة الأولى معقولة: “نحن اليوم بأمس الحاجة إلى دولة قوية ولسنا بحاجة إلى أحزاب أو حياة سياسية”. هذا الطرح يقوم على افتراض مضمر، بأن الدولة والسياسة مشروعان متعارضان، وأن نجاح أحدهما يقتضي تأجيل الآخر. والحقيقة تقول إن الدول الحديثة لم تنشأ يوماً خارج السياسة، فهي المجال الذي تشكلت فيه قواعدها ومؤسساتها وعلاقات السلطة داخلها.
الدولة شبكة من المؤسسات، والقوانين، والضمانات، والتوازنات. وليست مبنى يُشيَّد بالحجارة، ولا جهازاً إدارياً يُركَّب قطعة فوق أخرى. وكل قرار يُتخذ اليوم بشأن توزيع الصلاحيات، أو استقلال القضاء، أو صلاحيات الأجهزة الأمنية، أو شكل الإدارة المحلية، هو قرار سياسي قبل أن يكون قراراً إدارياً. ولذلك فإن الحديث عن بناء دولة بلا سياسة يشبه الحديث عن كتابة دستور من دون خيارات دستورية، أو عن عدالة لا تحتاج إلى قانون.
ولعل أكثر ما يُضعف حجة المطالبين بتأجيل السياسة لحين “استقرار الرغيف والخدمات”، هو تناسي أن توزيع الخبز وإعادة الإعمار هي ذاتها خيارات سياسية برداء تنفيذي. فالتكنوقراط لا يقررون من يُدعم ومن يُستثنى، بل السلطة هي من تفرض ذلك. والتنازل عن السياسة بحجة أولوية العيش، ليس إلا مقايضة مجربة أثبت التاريخ دائماً أنها تنتهي بفقدان الاثنين معاً: الحرية والخبز.
ومن المفارقات أيضاً أن النقد الذي يُوجَّه إلى شرائح من السياسيين السوريين يتضمن في جانب منه ملاحظة تستحق التأمل. فكثير من النخب لا تزال تتحرك ضمن خرائط فكرية تعود إلى منتصف القرن الماضي، وتحاول إحياء أحزاب وصراعات واصطفافات تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة تماماً. لقد تغير المجتمع السوري، وتغيرت أولوياته، بينما بقي جزء من لغته السياسية أسير معارك قديمة.
لكن صحة هذا النقد لا تقود بالضرورة إلى النتيجة التي يريدها أصحاب خطاب “الدولة أولاً”. إذ لا يُعالج ضعف الأحزاب بالاستغناء عن الحياة الحزبية. والمجتمع حين يستغني عن فضائه السياسي يصبح أكثر خضوعاً لاحتكار السلطة، لأن مشهد الفراغ السياسي سينتهي غالباً بسيطرة من يملك أدوات القوة.
فالقضية الراهنة اليوم يختصرها سؤال: أي دولة نريد أن نبني؟ وهل ستكون مؤسساتها قابلة للمساءلة والتصحيح، أم أنها ستُصاغ منذ البداية بما يضمن استمرار ميزان قوى معين؟
هنا تكمن المسألة التي يتجاوزها عمداً أو سهواً بعض الذين يظهرون على الشاشات. فعملية التأسيس هي اللحظة التي تُرسم فيها قواعد اللعبة كلها. وإذا أُغلقت أبواب النقاش العام أثناء التأسيس، فإن المؤسسات التي ستولد قد تحمل في داخلها أسباب اختلالها منذ اليوم الأول. فهي ليست قوية لأنها محصنة من النقد، وإنما لأنها قادرة على تصحيحه واستيعابه.
ومن هذه الزاوية، يثير القلق انتشار خطاب آخر لا يخفي رغبته في ربط السلطة بهوية دينية أو اجتماعية محدودة، وكأن الانتقال السياسي لا يعني سوى انتقال السيطرة من جماعة إلى أخرى. مثل هذا التصور يعيد إنتاج منطق الامتياز السياسي، حتى لو تبدلت هوية المستفيد منه. ولا يؤسس لدولة مواطنين. فالدولة الحديثة لا تقوم على فكرة “من يملك الحق الطبيعي في الحكم”، وإنما على فكرة أن السلطة تفويض مؤقت يمنحه المجتمع ويستطيع استعادته.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة ثقافة هؤلاء هو اختزال الديمقراطية في الانتخابات وحدها. فبمجرد انتخاب مجلس الشعب أو رئيس، يفترضون انتهاء السياسة، وأن الاحتجاج يصبح فعلاً يهدد الاستقرار، وأن تتحول المعارضة إلى مصدر إزعاج ينبغي تحجيمه. لكن الانتخابات ليست سوى بداية العملية الديمقراطية، لا نهايتها.
أما النصف الآخر من الديمقراطية، فهو ذلك الفضاء المفتوح الذي يستطيع فيه المجتمع أن يراقب السلطة، وينقدها، ويحتج على سياساتها، ويؤسس النقابات والجمعيات والأحزاب، ويصنع رأياً عاماً مستقلاً عنها. فالمجتمع يمارس سيادته كل يوم عبر أدوات المشاركة السلمية بالتجاور مع حق الاقتراع. والاحتجاج أحد الشروط التي تمنع الدولة من التحول إلى سلطة مغلقة على نفسها.
سوريا لا تحتاج إلى استبدال احتكار سياسي باحتكار آخر، ولا إلى تأجيل السياسة باسم ضرورات البناء. إنها تحتاج إلى تأسيس عقد سياسي جديد، يكون فيه بناء الدولة وتوسيع المجال العام مسارين متلازمين لا متعارضين. فالدولة التي تُولد من الخوف من السياسة ستظل تخشاها حتى بعد أن تشتد. أما الدولة التي تُبنى على المشاركة والمساءلة، فهي وحدها القادرة على أن تكون قوية بما يكفي كي لا تخاف من مواطنيها.
- الثورة السورية






















