في لحظة تبدو فيها منطقة الشرق الأوسط وكأنها تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات من جديد، جاء الإعلان عن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ليطرح سؤالاً يتجاوز حدود الاتفاق نفسه: هل نحن أمام بداية تشكُّل محور جديد في المنطقة؟
تطور بالغ الأهمية في منطقة تتسع فيها دائرة الصراع جواً وبحراً، فالاتفاق الذي وقّع في مكة نص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً عليها جميعاً. وبينما تؤكد الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، فإن توقيته يجعل من الصعب فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، خصوصاً مع تصاعد المواجهة مع إيران وحلفائها من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وتزايد المخاطر التي تهدد أمن الخليج والبحر الأحمر، وأمن المنطقة بأكملها.
قبل أيام من توقيع “اتفاقية الدفاع المشترك”، أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة، وقّع بيان التأسيس في الرياض 14 دولة بهدف حماية أمن الملاحة البحرية في المنطقة، وخطوط التجارة العالمية، وتأمين إمدادات الطاقة وحركة السفن في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وخليج عدن.
لا يمكن فصل الحدثين عن بعضهما، ولا يمكن إلا أن تُقرأ الرسائل المتعددة الاتجاهات خلف هذه التحالفات. فصحيح أن الرسالة الأوضح موجهة إلى طهران ومن خلالها لأذرعها، فمنذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران قبل أكثر من عام، هاجمت إيران السعودية ودول الخليج والأردن بآلاف المسيرات، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي استهدفت المنشآت المدنية والعسكرية. كما حركت إيران ميليشياتها في العراق واليمن ضد السعودية. وأغلقت مضيق هرمز وهددت عبر الحوثيين باستهداف السفن السعودية في باب المندب.
من مكة إلى هرمز، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، تبدو الرسالة واضحة: المنطقة لم تعد تنتظر فقط حماية الآخرين، بل بدأت تبحث عن بناء معادلات أمنية خاصة بها
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل هو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. والبحر الأحمر ليس مجرد مساحة مائية بين آسيا وأفريقيا، بل طريق تجاري استراتيجي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس.
ولهذا فإن التحالف الموقّع بين الدول الثلاث أكد على حماية خطوط الملاحة، أي إن التعاون الدفاعي ليس محصوراً بالبر بل يمتد إلى المجال البحري.
ومن هنا يُصبح مفهوماً أن ترى طهران بهذه التحالفات والترتيبات أبعد من ترتيبات دفاعية روتينية.
لكن الرسالة ليست موجهة لإيران وحدها.
إسرائيل أيضاً موجودة بطريقة غير مباشرة. فالعلاقة التركية-الإسرائيلية تشهد توتراً متزايداً، بينما تحاول السعودية الحفاظ على مساحة مناورة واسعة بين علاقاتها مع واشنطن ومواقفها من الحرب والصراع الإقليمي، وتصر على خطوات عملية لإقامة دولة فلسطينية قبل أي تطبيع أو اتفاق مع إسرائيل، أما باكستان الدولة النووية فتضيف عنصراً استراتيجياً بحكم قوتها العسكرية وموقعها الجغرافي.
ولكن الرسالة الأهم هنا قد تكون موجهة أيضاً إلى الولايات المتحدة، فما يتم تسريبه عن الاتفاق الذي يتم التفاوض عليه بين واشنطن وطهران بخصوص مضيق هرمز يعيد المنطقة إلى ذكرى الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما مع إيران، وإعطاء يد طولى لطهران في مضيق هرمز يضر بالمصالح التجارية والاقتصادية لدول المنطقة والعالم ويخالف أيضاً “قانون البحار”، وبالتالي يصبح من الصعب على الدول الرافضة للحرب أن تقبل بوقف الحرب على حساب مصالحها وأمنها واقتصادها.
من هنا يصبح مفهوماً بل وضرورياً أن يقوم حلفاء الولايات المتحدة بتحالفات وبناء قدرات إقليمية تحفظ مصالحهم دون أن يعني هذا بأي شكل من الأشكال القطيعة مع واشنطن أو تبدل في التحالفات، بل يعني أن أمن هذه الدول ليس رهناً لقرارات وتسويات خارجية.
فإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل الاتفاق من وثيقة سياسية إلى تعاون عسكري حقيقي، فإن التأثير قد يتجاوز حدود السعودية وتركيا وباكستان. فحين تتصل قوة تركيا العسكرية وهي الدولة العضو في تحالف شمال الأطلسي (الناتو) بقدرات باكستان الاستراتيجية والنووية وثقل السعودية السياسي والمالي والجغرافي، يصبح بالإمكان بناء منظومة ردع ذات امتداد من شرق المتوسط إلى الخليج وبحر العرب.
من مكة إلى هرمز، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، تبدو الرسالة واضحة: المنطقة لم تعد تنتظر فقط حماية الآخرين، بل بدأت تبحث عن بناء معادلات أمنية خاصة بها.
- المجلة






















