في أنطاليا كما في القاهرة وإسلام أباد، سبق لوزراء خارجية تركيا والباكستان ومصر والسعودية أن عقدوا اجتماعات تشاور مكثفة، حملت مستويات شتى من الدلالة حول طبيعة اللقاءات، وما إذا كانت تتمّ على خلفية الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضدّ إيران؛ أم أنها، ضمن سياقات جيو ــ سياسية أوسع، تُنذر بولادة محور جديد. وفي ضوء عناصر كثيرة تخصّ كلّ واحد من هذه البلدان، سواء عضوية تركيا في الحلف الأطلسي أو هوية باكستان النووية أو موقع السعودية في السوق النفطية أو مكانة مصر العربية والإقليمية، ظلّت تلك اللقاءات تبشّر بآفاق نوعية عابرة للخطوط الجغرافية، الفعلية أو الافتراضية، التي تجمع بين أنقرة وإسلام أباد والقاهرة الرياض.
فما الذي، والحال هذه، كان وراء غياب مصر عن اتفاقية الدفاع المشترك التي أُبرمت مؤخراً في مكة، بين تركيا والباكستان والسعودية، في سؤال أوّل؛ غير منفصل، كما قد يقول المنطق البسيط، عن سؤال ثانٍ يخصّ مخاطر كامنة على مصر، بصدد باب المندب وحركة المرور عبر قناة السويس، تستوجب وجود القاهرة في لقاء مكة؟
وهل، استطراداً، توفّر طراز من الـ«فيتو» ضدّ وجود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان؟ وإذا صحّ استبعاد القاهرة، من جانب أيّ طرف مشارك في الاتفاقية، فهل يعود الأمر إلى أنّ مصر، بافتراض انضمامها إلى إعلان مكة، سوف تكون الوحيدة الموقعة على اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي؟
والحال أنّ تلمّس إجابات ملموسة عن هذه الأسئلة يقتضي التوقف عند تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي سارع إلى تصنيف اتفاقية مكة على هذا النحو المختصر، المختزل والاستعدائي في آن معاً: إن دولة الاحتلال «تعمل على تشكيل محور جديد ضد المحورين: الشيعي المنهار والسنّي المتشكل». أو قراءة ما بين السطور، في الترحيب الأمريكي الخجول بأيّ «جهد إقليمي يعزز الأمن الجماعي» في المنطقة، خاصة وأنّ الدول الثلاث صديقة للولايات المتحدة عموماً، ولإدارة دونالد ترامب الحالية خصوصاً.
وقد يساجل البعض، من ثقاة تجميل سياسات السيسي على وجه التحديد، أنّ القاهرة قد تكون امتنعت إرادياً عن الانضمام إلى اتفافية الدفاع المشترك، من منطلق ما تُلزمها به مادّة أساس في الإعلان، تقول حرفياً إنّ «أيّ هجوم مسلح على أيّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع». الأمر الذي يعني، حتى في مستوى نظري، الانخراط في مواجهة مسلحة محتملة مع دولة الاحتلال أو مع إيران، إذْ يصعب افتراض دولة ثالثة تعتدي على أيّ من تركيا أو الباكستان أو السعودية.
رأي آخر قد يذهب إلى أنّ السيسي ليس بحاجة إلى مهارات رفيعة في تأويل موقف إدارة ترامب من خيار دفاعي إقليمي خارج عن المظلة الأمريكية، كي يستوعب أنّ خيار النأي عن مكة أكثر أماناً لاستمرار الرضا الأمريكي، وأعلى ضمانة حيال احتمالات التورط في ما لا تُحمد عقباه؛ في هذه الأزمنة تحديداً، من هشاشة النظام المصري سياسياً واقتصادياً وشعبياً. صحيح أنّ الرياض قد تعوّض القاهرة على أصعدة المساعدات المالية، ولكنّ الأصحّ في المقابل أنّ هذا الافتراض يبدو اليوم أقرب إلى سراب منه إلى احتمال واقعي.
في قراءة أخرى لمشهد غياب مصر عن اتفاقية مكة، ثمة ملابسات يُراد لها أن تبدو هيروغليفية مسبقاً، مستعصية على التفكيك والإدراك، ترحّل المسألة إلى مناطق «الغموض البنّاء» الشهيرة. في حين أنّ معطياتها ليست واضحة بيّنة، فحسب؛ بل هي مستندة إلى سوابق كثيرة، جُرّبت مراراً منذ اتفاقية كامب دافيد سنة 1978، مروراً بالتخلي عن تيران وصنافير، وصولاً إلى… استهداف دمياط مؤخراً!
- القدس العربي


























