أطرافها الثلاثة حلفاء لدمشق، بينما يقع أبرز خصومها الإقليميين خارج الاتفاقية
ليست “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاق عسكري جديد بين ثلاث دول كبيرة. إنها جزء من إعادة تشكيل أوسع لمعادلات الأمن في المنطقة بعد الحروب والتحولات التي أصابتها في السنوات الأخيرة. وبالنسبة إلى “سوريا الجديدة”، تحمل أهمية خاصة. أطرافها الثلاثة حلفاء لدمشق، بينما يقع أبرز خصومها الإقليميين خارج الاتفاقية.
في اسم الاتفاق نفسه رسالة لا تقل أهمية عن مضمونه. حمل اسم “اتفاقية مكة”. ولمكة في العالم الإسلامي رمزية تتجاوز حدود الدول الثلاث لتصل إلى ربع سكان العالم. كما يستعيد الاسم، بصورة أو بأخرى، معنى “الإيلاف” التاريخي الذي ربط التجارة بالأمن والسياسة وحماية الممرات.
أما المضمون، فهو أكثر وضوحاً. أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع. وهنا تلتقي الرمزية بالقوة. السعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي، وتركيا بجيشها الكبير وعضويتها في “حلف شمال الأطلسي” وصناعاتها الدفاعية، وباكستان بجيشها وقدراتها النووية وعلاقاتها التاريخية مع المملكة وخطوطها المهمة مع واشنطن وبكين.
وجاء الاتفاق بالتوازي مع تحرك سعودي آخر لا يقل أهمية. استضافت الرياض ممثلين عسكريين عن 43 دولة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، لمناقشة إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، وأعلنت دول كثيرة دعمها للمشروع، وانتقل من الفكرة إلى المؤسسة بتسمية قائد للتحالف والبدء في استكمال هياكل القيادة والأركان والتنسيق.
عند جمع هذه الخطوات، تظهر ملامح رؤية أوسع للأمن تقوم على بناء الردع وحماية الاستقرار وتحصين الدبلوماسية، والانتقال من الاعتماد على ترتيبات يصنعها الآخرون إلى المشاركة في صناعة نظام أمني جديد للمنطقة. فالحرب الأميركية-الإيرانية أكدت الحاجة إلى تسريع هذا المسار الذي انطلق العام الماضي، خصوصاً بعدما تغيرت طبيعة التهديدات من جيوش تعبر الحدود إلى صواريخ ومسيّرات وميليشيات وتهديد للسفن والموانئ ومنشآت الطاقة والمضائق.
لكن ثمة زاوية سورية في “اتفاق مكة”. فالدول الثلاث التي وقّعت الاتفاق هي من أهم شركاء “سوريا الجديدة”. السعودية لعبت دوراً أساسياً في إخراج دمشق من عزلتها. وفي مايو/أيار 2025، وخلال زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الرياض، دفع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باتجاه رفع العقوبات الأميركية عن سوريا في لقاء جمع الرئيسين دونالد ترمب وأحمد الشرع، انضم إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الاتصال المرئي.
ومنذ سقوط نظام الأسد، عملت الرياض على إعادة سوريا إلى محيطها الإقليمي والدولي ودعم استقرار الدولة الجديدة. أما تركيا، فعلاقتها بالقادة الجدد في سوريا التي ترتبط بها بحدود طويلة، أقدم من قيام النظام الجديد نفسه. سنوات الحرب جعلت أنقرة لاعباً رئيساً شمال سوريا، ثم تحولت العلاقة بعد سقوط الأسد من إدارة أزمة على الحدود إلى شراكة مباشرة مع الدولة الجديدة. وفي الوقت نفسه، طورت دمشق علاقات جيدة مع باكستان، الدولة الثالثة في الاتفاق.
هناك تحدٍّ لا يقل خطورة بالنسبة إلى دمشق. الميليشيات العابرة للحدود. شرقاً، توجد فصائل مسلحة في العراق ارتبط بعضها عضويا بإيران والمشروع الذي عمل داخل سوريا طوال سنوات
من الطبيعي أن تنظر دمشق إلى “اتفاق مكة” من موقع مرحب. ليست عضواً فيه، لكنها من المستفيدين من قيام شبكة ردع تضم أبرز حلفائها الإقليميين. وتزداد أهمية ذلك إذا نظرنا إلى خصوم “سوريا الجديدة” ومصادر التهديد المحيطة بها. إيران خسرت بسقوط نظام الأسد أحد أهم مواقع نفوذها الإقليمي، وانقطع الجسر السوري من الممر الذي ربط طهران بالعراق ولبنان. أما إسرائيل، فتحاول الاستفادة من التغيير الكبير في ميزان القوى الإقليمي بعد إضعاف إيران ومحورها، ويشكل جنوب سوريا إحدى ساحات الاحتكاك المباشر بين الحسابات.
وبين إيران وإسرائيل، هناك تحدٍّ ثالث لا يقل خطورة بالنسبة إلى دمشق. الميليشيات العابرة للحدود. شرقاً، توجد فصائل مسلحة في العراق ارتبط بعضها عضويا بإيران والمشروع الذي عمل داخل سوريا طوال سنوات. وغرباً، يوجد “حزب الله” في لبنان الذي كان جزءاً أساسياً من الآلة العسكرية التي قاتلت إلى جانب النظام. ومن هنا، فإن أي ترتيبات إقليمية تعزز الدولة المركزية في الإقليم وخصوصا في جوارها، وتضعف استقلال الميليشيات عن مؤسسات الدولة، تصب في مصلحة “سوريا الجديدة”.
سوريا تحتاج إلى دول مستقرة على حدودها، لا إلى مغامرات عابرة للحدود. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة “اتفاق مكة” باعتباره جزءاً من بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لدمشق. حلفاؤها ينسجون شبكات ردع وتعاون أوسع، وإيران أضعف مما كانت عليه قبل سقوط الأسد، وهناك ضغط متزايد لإعادة السلاح والقرار الأمني إلى مركز الدولة وليس أطرافها. كما أن قيام توازن إقليمي لا تحتكره إيران أو إسرائيل يمنح سوريا مساحة أكبر لإعادة بناء دولتها وجيشها واقتصادها.
بالنسبة إلى سوريا، المعادلة أكثر دقة. “اتفاق مكة” يجمع حلفاءها ويضعف خصومها، ولذلك فهي من أبرز المستفيدين منه من دون أن تكون طرفاً فيه
مع هذه المكاسب الكبيرة لسوريا، هناك تحد. خلال السنة والنصف الماضية، برعت القيادة الجديدة في إدارة شبكة معقدة من التوازنات. فتحت أبوابها للسعودية ودول الخليج ومصر ودول عربية أخرى، وحافظت على علاقتها الخاصة مع تركيا، وطورت علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، وانفتحت على روسيا والصين، وحاولت في الوقت نفسه إدارة الصدام والتفاوض مع إسرائيل وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية أكبر.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها ودقيقة في تطبيقها. سوريا تحتاج إلى الجميع لإعادة بناء الدولة، ولا تستطيع أن تتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع. الاتفاق الجديد يجعل إدارة هذه المعادلة أكثر حساسية. فكلما تحولت العلاقات بين حلفاء دمشق إلى تحالفات أكثر وضوحاً، ازدادت الأسئلة حول موقع سوريا داخل التوازنات الجديدة وأصبح الحفاظ على المسافة بين الجميع أكثر دقة. وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي للدبلوماسية السورية في المرحلة المقبلة. فدمشق القوية والمتماسكة نقطة قوة للحلف الجديد ولا شك أن أولويتها الحالية بناء جيشها وفق هكيلية جديدة تقضي على “الفصائلية”، وتوحيد مؤسساتها وأراضيها.
وهذا ينسجم، في جوهره، مع الفكرة التي تقف وراء “اتفاق مكة” نفسه المفتوح لانضمام الراغبين. لا يتناقض بناء القوة مع الدبلوماسية التي انتهجتها الرياض وأنقرة وإسلام آباد. الاقتصاد يزدهر بالاستقرار، والتنمية تتحقق بالأمن، والسلام يحتاج إلى ردع يحميه، والدبلوماسية تحصنها القوة.
- المجلة























