تتابع إسرائيل سياسياً وأمنياً واستراتيجياً بدقة وقلق بالغين، “اتفاق مكة” للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، إذ تُقيّم تداعيات تبلوره ومدياته واحتمالات توسعه، ومخاطره الآنية والبعيدة على الدولة العبرية، وشكل التوازنات المتبلورة في الشرق الأوسط، خصوصا أنها تتوجس من هذا الحلف الدفاعي منذ بدء النقاشات الأولية بين الدول المعنية، أي قبل حربها على إيران، ما جعلها تعدّه نتيجةً غير محسوبة لحربها في المنطقة منذ 7 تشرين أول/أكتوبر 2023.
مراقبة مكثفة: من النقاش حتى الإعلان
وبدأت إسرائيل متابعتها لهذا الحلف الدفاعي قبل إعلانه، ورصدت “المدن” مقالات وتوصيات لمراكزها الاستراتيجية منذ نحو عام، بشأن ما تصفه بـــ”محور سُنّي متشكّل”، وناقشته دوائرها الرسمية سرا وعلانية حينها، بل أن تسريبات عبرية كشفت أن أحد أهداف تل أبيب المستترة وغير المعلنة للحرب على إيران، هو خلق فوضى ومخاوف مستجدة وغير مسبوقة في المنطقة؛ بما يقطع الطريق على أي محاولات لصياغة حلف سني بين السعودية وتركيا، تنضم إليه سوريا الجديدة ودول أخرى.. فخُطة الحرب الإسرائيلية قضت بأن تؤدي المخاوف المُطلقة من إيران والتهديدات الوجودية، إلى إعادة رسم أولويات دول عربية وإسلامية، والدفع نحو تطبيع “مجاني” مع إسرائيل، بما يكرس سطوة الأخيرة على المنطقة ضمن حلف إقليمي تقوده هي “تحت النار”، لكن أقلاماً إسرائيلية أوضحت أن لجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنطاق كرة اللهب في اللحظة الأخيرة، منع تحول الحرب إلى مرحلة “عدم السيطرة” تضرب فيها إيران كل شيء في المنطقة ردا على ضربات أميركية وإسرائيلية لمحطات الطاقة فيها، وهو ما حال دون تحقق ما كان يخطط له رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حتى الآن.
وبذلك، تنظر إسرائيل إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، على أنه “حلف سُنّي” وُلد كنتيجة معاكسة لما خططت له في حربها على إيران إلى جانب أميركا قبل نحو 23 أسبوعا، حيث روج مسؤولون إسرائيليون وقتها أن شكل الشرق الأوسط سيتغير برمته نتيجة الحرب، ويبدو أنه بالفعل يتغير وسيتغير، ولكن ليس بالضرورة كما طمحت له تل أبيب تماما.
الرسالة لإسرائيل.. وإيران!
ورغم أن التقييمات الإسرائيلية ترى في الحلف الدفاعي الثلاثي المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مجرد بداية، وأنه من السابق لأوانه حسم مدى قوته وحجمه وتأثيراته على أرض الواقع، إلا أن التحليلات في التلفزيونات والصحف العبرية، ترى في إعلان الحلف، رسالة مزدوجة لكل من إسرائيل وإيران، ومفادها أن المنطقة ليست رهينة صراع بين طهران وتل أبيب، بل تنشأ فيها توازنات إقليمية مستجدة، لمنع أي احتكار إيراني إسرائيلي للصراع ومستقبل المنطقة، سواء بحرب أو اتفاق. كما نوه محللون إسرائيليون أنّ الرسالة الضمنية لكل من الرياض وأنقرة وإسلام أباد، تقضي بأن أي فراغ في المنطقة نتيجة انكفاء وانسحاب أميركي ما، لن تملأه إيران أو إسرائيل، في إشارة إلى أن “الحلف الدفاعي السني” بمثابة خطوة استباقية من الدول المركزية الثلاث، لأي تطورات على المديين القريب والبعيد، أكثر من كونها ردة فعل على مخاطر آنية بالضرورة.
دوافع القلق الإسرائيلي
بدوره، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي أنطون شلحت ل”المدن”، إن إسرائيل تنظر إلى نشوء محور سُنّي في الشرق الأوسط، على أنه “خطر استراتيجي”؛ لعدة ذرائع، أبرزها الزعم أنه يضم دولة لها تطلعات ل”الهيمنة” على المنطقة، في إشارة إلى تركيا، وأيضا قوة نووية مثل باكستان، وهو سيناريو يهدد حصرية النووي بيد إسرائيل. وأوضح شلحت أن التوجس الإسرائيلي من الحلف الوليد، عبرت عنه وسائل إعلام عبرية، بالتطرق إلى موقف واشنطن المرن والمتفهم لأنقرة، مرورا باتفاقها مع السعودية الذي يتيح لها إنشاء برنامج نووي “سلمي” تخشى إسرائيل من تحوله إلى عسكري.
ثمة نقطة أخرى تُقلق إسرائيل من إعلان الحلف الدفاع الثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام اباد، وهو انضمام مصر إليه، لاسيما وأن نقاشات جرت مع القاهرة بهذا الخصوص في الفترة الماضية، نظرا لحدود مصر القريبة وامتلاكها أركان جيش قوي، وقد تحدثت جهات أمنية إسرائيلية أكثر من مرة بالسنوات الأخيرة، عن قلقها من تحول الجيش المصري إلى خطر داهم بفعل تحولات ومتغيرات معينة. وألمحت تقييمات إسرائيلية لإمكانية لجوء تل أبيب إلى تعزيز تحالفات مضادة ومستجدة، تحت عنوان “الاتفاقات الإبراهيمية”، كما فعلت قبل عقود حينما أقامت اتفاقات مع دول الطوق الثاني؛ لمحاصرة دول الطوق الأول.
إنكار إسرائيلي
بيد أن صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية حاولت التعمية على الانتكاسة الإسرائيلية جراء التطور الإقليمي، بالتركيز على أن الاتفاق “رسالة موجهة لإيران أكثر من إسرائيل”، إذ زعمت أنه في نهاية المطاف، قد تكون لدى طهران تحديدًا أسباب أكثر من تل أبيب لمراقبة الاتفاق عن كثب، بدعوى أن تركيا وباكستان والسعودية لا تبحث عن حرب مع إيران، لكن الصحيفة أقرت بقدرة الاتفاق على تغيير الاتجاه الإقليمي. وتابعت “يسرائيل هيوم” أنه حتى من دون أن يؤدي إلى ولادة تحالف رسمي مناهض لإيران، فإن تنسيقًا أوثق بين “ثلاث دول سنية مركزية”، لكل واحدة منها قدرات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية مختلفة، يعقّد “البيئة الاستراتيجية لإيران”.. معتبرة أن “الاختبار الحقيقي” للاتفاق سيأتي في اللحظة التي سيتطلب فيها “ثمنًا عسكريًا وسياسيًا حقيقيًا”.
ردّ تل أبيب.. ب”ثلاث” خطوات؟!
وبينما وجدت إسرائيل ضالتها في الحلف الدفاعي، لمحاولة إذكاء صراع طائفي في المنطقة، بقولها إنه “حلف سني لمواجهة آخر شيعي”، نوه موقع “واللا” العبري بأن الاتفاق يمثّل على الورق “تحالفا جريئا ضد إيران”، لكنه عمليًا هو في الأساس “خطوة ردع”، وفرصة لتركيا ل”ترسيخ موطئ قدم لها في البحر الأحمر”، بمنظور كاتب المقال أميت ياغور، وهو ضابط احتياط شغل سابقا مهام في مجال الاستخبارات البحرية.
مع ذلك، حذر ياغور من أن “الخطر الأكبر” يكمن في “اليوم التالي”، أي مرحلة ما بعد الترتيبات الأولية، إذ قد يُنظر إلى هذا التكتل بعيون أميركية، على أنه قوة إقليمية يمكن الاستثمار فيها، في حين تُهمَّش إسرائيل خارجها. وأوصى ضابط الاحتياط الإسرائيلي، بضرورة مراقبة تل أبيب مسار هذا التكتل عن كثب، وضمان “عدم انحياز” أميركا له بشكل مفرط، وبموازاة ذلك، تدفع إسرائيل نحو بلورة إطار إقليمي بديل يضم الهند والإمارات والأردن وإسرائيل، وربما اليونان، كقوة مضادة للتحالف السعودي–السعودي–التركي.
- المدن
























