لم يكن توقيع الاتّفاق الثلاثي السعودي– التركي– الباكستاني، أو ما باتت تُعرَف بـ”اتفاقية مكّة للدفاع المشترك” (في مكّة المكرّمة الجمعة الماضي)، مجرّد حدث دبلوماسي عابر يُضاف إلى سجلّ التفاهمات الأمنية في المنطقة. فما جرى في قصر الصفا بمكّة المكرّمة، حين وقّع ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني محمّد شهباز شريف اتفاقيةً تنصّ على أنّ أيّ هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، يمثّل في جوهره مرحلةً جديدةً في سياسات الشرق الأوسط والتحالفات الإقليمية، بل في علاقة المنطقة بالقوى الكُبرى عموماً.
صحيح أنّ الاتّفاق جاء في سياق التوتّر الأميركي– الإيراني الراهن وتصاعد التهديدات الحوثية، لكنّ اختزاله في “حماية السعودية من إيران” يفوّت جوهر ما يجري. فالإطار الجديد يتجاوز هذا البعد التكتيكي إلى مبدأ أعمق: بناء نظام إقليمي مختلف يتجاوز الثنائية التي حكمت المنطقة عقوداً، الأميركية– الإسرائيلية من جهة، والإيرانية من جهة أخرى. كما أنّه يوسّع الحدود الجيوسياسية للإقليم لتشمل باكستان وتركيا، خارجاً بذلك عن التركيبة التاريخية التي اقتصرت على الدول العربية وإسرائيل وإيران، خصوصاً بعد سقوط نظام بشّار الأسد، وبعد بروز ما سُمّي “حلف الممانعة” في مواجهة “حلف الاعتدال” العربي التقليدي.
هذا الاتفاق، عملياً، صيغة جديدة تمنح المنطقة دوراً أكبر واستقلاليةً أمنيةً واستراتيجيةً متزايدة. وهو في الوقت ذاته خيار مغاير تماماً لما طرحه الرئيس دونالد ترامب من خلال “الاتفاقات الإبراهيمية” التي تربط أمن المنطقة بالعلاقة مع إسرائيل، وربّما بهيمنتها العسكرية بعد الحرب على غزّة، وبالعلاقة الوثيقة مع الإدارة الأميركية. بل يمكن القول إنّ التحالف الثلاثي موجَّه، من حيث الجوهر، إلى رفض منطق “الاتفاقات الإبراهيمية” أكثر ممّا هو موجَّه ضدّ إيران. وفي هذا السياق تحديداً يمكن فهم تحذيرات نتنياهو، قبل أشهر، من “محور سنّي راديكالي” آخذ في التبلور، وسعي إسرائيل إلى الانخراط في تحالف دولي وإقليمي مضادّ يضمّ الهند، الخصم التاريخي لباكستان، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، إضافة إلى الاتفاقات الإسرائيلية مع قبرص واليونان، وأخيراً الأرجنتين، في محاولة لنفي فكرة عزلة إسرائيل الإقليمية بعد حرب غزّة.
ليس من المبالغة القول إنّ هذا المشروع قابل للتوسّع ليصبح مظلّةً إقليمية أكبر تضمّ ما بات يُطلق عليه “الدول الوسطى الإقليمية” الشريكة في هذا التحالف، وربّما تلحق به لاحقاً دول عربية أخرى مثل الأردن وقطر ومصر، وحتّى سورية التي تواجه هي الأخرى تغوّلاً إسرائيلياً واحتلالاً لمساحات من جنوبها بعد سقوط نظام الأسد.
وإذا استعنّا بالإطار التحليلي الذي قدّمه عالم العلاقات الدولية باري بوزان، يمكن القول إنّ هذا المحور الجديد يمثّل تحوّلاً على ثلاثة مستويات مترابطة: أولاً، توسّع الحدود الجيوسياسية لما يُعرَف بـ”المجمع الأمني” الإقليمي للشرق الأوسط. وثانياً، احتدام الصراع على تعريف “القوى الإقليمية الكبرى” (Super Regional Powers) في هذا المجمع الموسّع. وثالثاً، إعادة تعريف علاقات التحالف والتنافس والتعاون والأدوار بين دول المنطقة بصورة عامّة، بما يفرض إعادة نظر في خرائط التحالفات المعتادة.
في المحصّلة، يمثّل توقيع اتفاقية مكّة نقطةَ تحوّل مهمّة في هندسة الأمن الإقليمي، لكنّ الاتّفاقية ما تزال أمام تحدّيات جوهرية ثلاثة: أوّلها الانتقال من المستوى الرسمي الإعلاني إلى مستوى تنفيذي واضح وملموس. وثانيها تطوير أجندة مشتركة فعلية بين الدول المنخرطة فيها وتعميق آليات التنسيق والتعاون بينها. وثالثها (وربّما الأهمّ) إثبات مصداقية هذا التحالف على الأرض عند لحظات الاختبار الحقيقية، حين تتقاطع المصالح الوطنية المتباينة لأطراف الاتفاقية الثلاثة مع التزاماتها الجماعية. فبين الإعلان والتطبيق مسافة لا يقطعها إلا الاختبار العملي.
- العربي الجديد























