ليست الحروب الكبرى، كما يعتقد كثيرون، صراعاً على الأرض بقدر ما هي صراع على الزمن. فالأرض تُحتلّ، وأمّا الزمن فيُصنع. ومن ينجح في رسم صورة العالم بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، يكون قد انتصر قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
من هنا يمكن فهم ما يجري في المشرق. فلبنان ليس هدفاً في ذاته، بل عقدة في شبكة تمتدّ من شرق المتوسّط إلى آسيا الوسطى. إنّه نقطة صغيرة في الخريطة، لكنّها تقع عند تقاطع ثلاثة أسئلة كبرى: سؤال الطاقة، سؤال التجارة، وسؤال النظام الدوليّ الجديد.
إنّ الإرادة الحقيقيّة عند الفيلسوف الألمانيّ فريدريك نيتشه هي إرادة القوّة. وفي العلاقات الدوليّة، لا يبدو أنّ الدول الكبرى تتصرّف وفق المبادئ بقدر ما تتحرّك وفق منطق القوة الذي يرتدي، عند الحاجة، لباس القيم أو القانون أو حقوق الإنسان. لذلك يصعب فهم سياسات الشرق الأوسط إذا فُصلت عن الصراع العالميّ بين الولايات المتّحدة والصين، وعن إعادة تشكيل موازين القوّة بعد الحرب في أوكرانيا.
في هذا الإطار، تُقرأ تحرّكات المبعوث الأميركيّ توم بارّاك بوصفها جزءاً من محاولة أميركيّة لإعادة هندسة التوازنات الإقليميّة بما يخدم المصالح الاستراتيجيّة لواشنطن. وترى بعض القراءات أنّ الهدف الأبعد هو تثبيت فضاء جيوسياسيّ يمتدّ من بلاد الشام إلى آسيا الوسطى، بما يحدّ من قدرة الصين على توسيع نفوذها عبر الممرّات البرّيّة.
في المقابل، تتحرّك إسرائيل وفق منطق مختلف. إذ لا تستطيع انتظار أن تنتج هندسة أميركيّة طويلة الأمد واقعاً أمنيّاً جديداً على حدودها. لذلك تبدو معنيّة بتوسيع نفوذها السياسيّ والعسكريّ، ومنع نشوء أيّ توازن قد يعيد إنتاج بيئات معادية لها في سوريا أو لبنان. من هذا المنظور، يصبح لبنان ساحة تتقاطع فيها حسابات الأمن الإسرائيليّ مع الحسابات الاستراتيجيّة الأميركيّة، حتّى عندما لا تتطابق أهداف الطرفين بالكامل.
تبدو المنافسة بين الممرّات البرّيّة والبحريّة أكثر أهميّة من كثير من المعارك العسكريّة
معركة الممرّات
أمّا المعركة الحقيقيّة فقد لا تكون عسكريّة أصلاً. إنّها معركة الممرّات. من يحدّد الطريق الذي تسلكه البضائع، يحدّد أيضاً اتّجاه المال، ثمّ النفوذ، وبالتالي القرار السياسيّ. لهذا تبدو المنافسة بين الممرّات البرّيّة والبحريّة أكثر أهميّة من كثير من المعارك العسكريّة، فالإمبراطوريّات لا تعيش على الحدود، بل على خطوط التجارة.
يقول كارل شميت إنّ جوهر السياسة هو التمييز بين الصديق والعدوّ. أمّا القرن الحادي والعشرون فيضيف معياراً آخر: التمييز بين الممرّ الذي يجب أن يعيش، والممرّ الذي يجب أن يموت. فالجغرافيا لم تعد تضاريس فقط، بل أصبحت سلاحاً استراتيجيّاً، وأصبحت الخرائط وثائق قوّة قبل أن تكون وثائق مكان.
لبنان عقدة الخرائط؟
يبقى السؤال اللبنانيّ: هل يظلّ الوطن عقدة في خرائط الآخرين أم يتحوّل إلى دولة تمتلك مشروعها الخاصّ؟ فالأمم التي تعيش داخل مشاريع غيرها، قد تربح معركة هنا أو هناك، لكنّها تخسر حقّها في صناعة التاريخ. وحدها الدول التي تعرف ماذا تريد، تستطيع أن تجعل الجغرافيا قدراً تختاره، لا قدراً يُفرض عليها.
في المحصّلة، لا يخطئ من يعتقد أنّ ما يجري في الشرق الأوسط هو صراع على النفوذ، لكنّه يخطئ إذا ظنّ أنّ النفوذ هو الغاية. فالغاية، كما يعلّمنا التاريخ، هي النظام. والقوى الكبرى لا تخوض الحروب لتربح معركة، بل لتفرض نظاماً يجعل الحاجة إلى الحرب أقلّ تكراراً.
من هذا المنظور، يمكن قراءة مقاربتين متمايزتين:
1- الأولى تراهن على إعادة صياغة سوريا بوصفها حجر الزاوية في توازن إقليميّ جديد، تكون فيه الدولة، لا التنظيمات المسلّحة، صاحبة القرار.
2- الثانية ترى أنّ أيّ نظام جديد لا يمكن أن يولد ما دامت موازين القوّة القديمة قائمة، ولذلك يجب تغيير هذه الموازين أوّلاً، ولو بالقوّة.
ليس السؤال: أيّهما أكثر جرأة؟ بل أيّهما أكثر قابليّة للاستمرار؟
المعركة الحقيقيّة فقد لا تكون عسكريّة أصلاً. إنّها معركة الممرّات. من يحدّد الطريق الذي تسلكه البضائع، يحدّد أيضاً اتّجاه المال، ثمّ النفوذ
كان هنري كيسنجر يرى أنّ الاستقرار لا يولد من انتصار طرف واحد، بل من اقتناع جميع الأطراف بأنّ كلفة كسر التوازن أصبحت أعلى من كلفة المحافظة عليه. لذلك السلام ليس نتيجة حسن النيّات، بل نتيجة توازن المصالح. وعندما يغيب هذا التوازن، تصبح كلّ هدنة استراحة بين حربين.
في هذا الإطار، لا تبدو سوريا ساحة صراع، ولا لبنان ملفّاً أمنيّاً، ولا إيران أو تركيا خصمين لإسرائيل. إنّهم جميعاً عناصر في معادلة واحدة، وأيّ محاولة لإخراج أحدهم بالكامل من المشهد قد تُنتج فراغاً تستغلّه قوّة أخرى. فالجغرافيا السياسيّة لا تعرف الفراغ، والتاريخ لا يعترف بالنهايات المطلقة.
إزالة لاعب لا تعني نهاية اللّعبة
ربّما الخطأ الأكبر الذي يتكرّر في الشرق الأوسط هو الاعتقاد بأنّ إزالة لاعب تعني نهاية اللعبة. لكنّ التجربة تثبت أنّ اللاعبين يتغيّرون، فيما تبقى قواعد الصراع إذا لم تتغيّر بنية النظام نفسه.
لهذا ليس التحدّي الحقيقيّ في تحقيق انتصار تكتيكيّ على هذا الطرف أو ذاك، بل في بناء توازن إقليميّ قادر على استيعاب التنافس ومنعه من التحوّل إلى حرب مفتوحة. فالقوّة التي لا تُترجم إلى نظام سياسيّ مستقرّ، تتحوّل مع الزمن إلى استنزاف دائم، مهما بلغ تفوّقها العسكريّ.
هنا تكمن المفارقة التي كان كيسنجر يدركها جيّداً: المنتصر الحقيقيّ ليس من يفرض إرادته بالقوّة، بل من يجعل الآخرين يرون أنّ التعايش مع النظام الذي بناه أقلّ كلفة من محاولة إسقاطه. عندها فقط تنتقل السياسة من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة التاريخ.
- أساس ميديا























