بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، بدأت دمشق إعادة رسم علاقاتها مع موسكو بما يحفظ مصالحها وسيادتها على أراضيها، وعملت على إعادة تنظيم الوجود الروسي على أسس واضحة تستند إلى استعادة سوريا حقوقها، من خلال مفاوضات مباشرة مع روسيا انتهت بتوقيع مذكرة تفاهم جديدة تنسجم مع المرحلة الجديدة في البلاد، وتعزز إدارة الدولة للمنشآت المدنية والاستراتيجية، وتضع الوجود العسكري الروسي ضمن صيغة مختلفة ومتفق عليها بين البلدين، بحسب ما ذكرت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية والمغتربين.
ويأتي ذلك ضمن نهج الإدارة السورية الجديدة القائم على تبني سياسة متوازنة في العلاقات الخارجية، تستند إلى المصالح المشتركة والحفاظ على السيادة الوطنية، بهدف إعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي على المستويين الإقليمي والدولي، مع إدراك أهمية موقعها الجيوسياسي واستثماره في بناء علاقات استراتيجية صحيحة تستند إلى أسس واضحة وصريحة.
ويظهر هذا التوجه من خلال استعادة العلاقات مع القوى الغربية، وإعادة ضبط إيقاع العلاقات وصياغة الاتفاقيات مع حلفاء النظام المخلوع، وفي مقدمتهم روسيا والصين.
ومنذ التحرير، حافظت الحكومة السورية على علاقاتها مع روسيا، وجرى تبادل زيارات عدة بين مسؤولي البلدين، نتج عنها إعادة تنظيم الاتفاقيات المبرمة مع النظام المخلوع بما يحفظ سيادة سوريا على أراضيها ومصالحها، مع الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا.
تنظيم الوجود الروسي في سوريا
وقالت الخارجية السورية إن مفاوضات مكثفة جرت بين الجانبين السوري والروسي، قادتها وزارة الخارجية والمغتربين على مدار عام ونصف العام، ووصلت إلى اتفاق يضع إطارا واضحا لإعادة تنظيم الوجود الروسي في سوريا، وينقل العلاقة إلى مرحلة جديدة تقوم على ترتيبات مختلفة وأكثر وضوحا.
وأضافت أن الاتفاق يتضمن استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يسمح بإعادتها تدريجيا إلى وظيفتها المدنية ودمجها ضمن منظومة الإدارة والاستثمار المدني.
وفي ما يتعلق بالمنشآت ذات الطابع العسكري، أوضحت الوزارة أن دمشق وموسكو اتفقتا على إعادة صياغة وظيفتها، بحيث “تنتقل من نموذج القواعد العسكرية بصيغته السابقة إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وفق ترتيبات جديدة تحفظ المصالح المتبادلة وتعيد تنظيم طبيعة الوجود الروسي في سوريا”.
ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن الحكومة السورية لن تسلك سلوك النظام البائد في السماح للقوات الروسية بالوجود خارج إطار السيادة التي من حق الحكومة السورية أن تتمتع بها.
ويضيف لصحيفة “الثورة السورية”: “لذلك جاء الاتفاق اليوم منقذا لروسيا بما يحفظ مصالحها، خاصة في أفريقيا، وفي الوقت نفسه يحافظ على السيادة السورية، ويحفظ حق سوريا في إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وأن تكون هناك اتفاقيات لا تهضم الحق السوري ولا تمس السيادة السورية، وفي الوقت نفسه تبني مصالح مشتركة بين الطرفين”.
سقف زمني
وقالت وزارة الخارجية والمغتربين إن الاتفاق يكتسب أهمية إضافية لكونه يضع سقفا زمنيا واضحا لتنفيذ الترتيبات الجديدة، لا يتجاوز ثلاثة أشهر، بما ينهي حالة عدم الوضوح التي رافقت هذا الملف خلال الفترة الماضية، ويفتح المجال أمام الانتقال العملي إلى الصيغة الجديدة.
وبذلك تكون سوريا قد نجحت في تغيير ميزان التفاوض، وعملت على إعادة تنظيم الوجود الروسي في البلاد ضمن معادلة سيادية جديدة، وتوظيفه لخدمة المؤسسة العسكرية السورية وإعادة بناء الجيش السوري، بعد أن وظف النظام المخلوع مقدرات سوريا لحماية نفسه.
ويأتي الاتفاق الجديد مع موسكو ضمن إعادة ترتيب الأولويات لدى دمشق، فبعد أن كانت الأولوية في عهد النظام المخلوع حماية النظام نفسه، أصبحت الأولوية اليوم إعادة بناء الدولة واستعادة السيادة، وهو ما يحتاج إلى تنظيم الوجود الأجنبي في سوريا من خلال مراجعة الاتفاقيات والعقود السابقة، إلى جانب احتكار الدولة للقوة وتوحيد القرار السيادي.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد قال، خلال زيارته إلى العاصمة البريطانية لندن في نيسان الماضي، إن “هناك علاقات تاريخية بين سوريا وروسيا، وتوجد ترتيبات لتحويل القواعد الروسية في سوريا إلى مراكز لتدريب الجيش السوري”.
الاتفاقيات السابقة
في عهد النظام المخلوع، أبرمت روسيا اتفاقيات عسكرية واقتصادية عدة مع دمشق بنيت على أساس الضرورة، فيما أعادت الإدارة السورية الجديدة دراسة هذه الاتفاقيات بما ينسجم مع مصالح سوريا، فألغت بعضها في وقت سابق، وأعادت تنظيم الوجود العسكري الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس.
وتكتسب قاعدتا حميميم الجوية قرب اللاذقية وطرطوس البحرية على البحر المتوسط أهمية استراتيجية خاصة لروسيا، إذ توفران لها منفذا مباشرا إلى البحر المتوسط، بما يسمح لها بإجراء مناورات عسكرية ونشر سفنها الحربية.
ووقع اتفاق قاعدة حميميم في آب 2015، ومنح القوات العسكرية الروسية حق استخدامها في كل وقت من دون مقابل ولأجل غير مسمى، في حين وقع اتفاق المنشأة البحرية في طرطوس في 18 كانون الثاني 2017، وسمح لروسيا بتوسيع المنشأة واستخدامها لمدة 49 عاما مجانا، قابلة للتمديد، والتمتع بالولاية القضائية السيادية على القاعدة، إضافة إلى توسعتها لاستيعاب حاملات الطائرات والغواصات النووية.
وفي حزيران الماضي، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن موسكو تناقش مع دمشق إعادة هيكلة محتملة لقاعدتيها العسكريتين في سوريا، مشيدة بتطور العلاقات بين البلدين بما يشمل جميع جوانب التعاون، والمسائل المتعلقة بالوجود العسكري الروسي في سوريا.
دمشق تتسلم المطار المدني وميناء طرطوس
أجرى وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني جولة ميدانية داخل مطار اللاذقية الدولي وميناء طرطوس أمس الأحد، للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها مذكرة التفاهم “التاريخية” بين الجمهورية العربية السورية وجمهورية روسيا الاتحادية، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا”.
وأعلنت دائرة الإعلام في الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي أمس الأحد أن الهيئة تسلمت إدارة مطار اللاذقية الدولي، في خطوة مهمة ضمن مسار استعادة الدولة السورية إدارة وتشغيل مرافق الطيران المدني، وإعادة المطارات السورية إلى منظومة الطيران المدني الوطني.
وأضافت أن تسلم إدارة المطار جاء في أعقاب الجهود والمباحثات التي قادتها وزارة الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية، والتي أسهمت في التوصل إلى الترتيبات اللازمة لنقل إدارة المنشآت ذات الطابع المدني إلى الدولة السورية.
وستعمل الهيئة خلال المرحلة المقبلة على استكمال الإجراءات الفنية والتشغيلية اللازمة، وصولا إلى إعادة تأهيل وتشغيل المطار، تمهيدا لاستقباله الرحلات الجوية، بما يسهم في تعزيز الربط الجوي للمنطقة مع باقي المحافظات والوجهات الإقليمية والدولية.
وفي السياق ذاته، أعلن مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، استلام المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي ضمن مرفأ طرطوس، بما في ذلك الرصيف الرابع والمستودعات والمنشآت التابعة له.
وبذلك تكون دمشق قد استعادت بوابة تجارية استراتيجية تتمتع بأهمية اقتصادية، نظرا إلى موقع سوريا الجغرافي الذي برزت أهميته بعد أزمة مضيق هرمز، بما ينسجم مع سعي دمشق إلى جذب استثمارات عربية ودولية. كما استعادت الدولة إدارة المرافق الجوية المدنية والمنشآت الحيوية ذات الصلة.
العلاقات السورية الروسية
لا تتعلق إعادة تنظيم الوجود الروسي في سوريا بإنهاء العلاقات أو تحجيمها، بل بتنظيمها وإعادة تعريف أدوارها بما ينسجم مع المرحلة الجديدة في سوريا، ويعزز إدارة الدولة لمنشآتها المدنية والاستراتيجية، ويضع الوجود العسكري الروسي ضمن صيغة مختلفة ومتفق عليها بين البلدين، بحسب وزارة الخارجية السورية.
ودخلت العلاقات السورية الروسية مرحلة جديدة بعد الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، لتنسجم مع طبيعة التحولات السياسية والسياسة الخارجية الجديدة، وتصبح جزءا من شبكة علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، إذ انتقلت من طابع التبعية المطلقة والتحالف إلى شراكة محكومة بالمصالح المشتركة.
وشهدت دمشق وموسكو زيارات متبادلة لوفود عسكرية من وزارتي الدفاع في البلدين، فيما أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع زيارتين إلى روسيا منذ توليه إدارة البلاد، التقى خلالهما نظيره الروسي فلاديمير بوتين، الأولى في تشرين الأول 2025، والثانية في كانون الثاني 2026.
وأسهمت هذه الزيارات في إعادة العلاقات بين الجانبين إلى مسار ينسجم مع علاقات دمشق الخارجية ونهجها الجديد. وخلال الزيارتين، أكد الشرع وبوتين أهمية الحفاظ على العلاقات الثنائية وتطويرها.
ونجح البلدان في بناء قنوات اتصال وتفاهمات مباشرة ومستمرة أدت في نهاية المطاف إلى إعادة ترتيب المصالح المشتركة، في ظل معارضة شعبية سورية واسعة لهذا التقارب بسبب الدور العسكري الروسي ومساندة موسكو للنظام المخلوع طوال سنوات.
وقال الشرع، خلال مقابلته الأخيرة مع قناة “الجزيرة” القطرية، إن دمشق تربطها بموسكو مصالح كبيرة، وإنها سارعت إلى فتح صفحة جديدة معها، مؤكدا أن العلاقة مع روسيا تستند إلى مصالح استراتيجية في مجالات الطاقة والغذاء والتسليح، فيما تسعى سوريا إلى الحفاظ على ما يخدم مصالحها الوطنية وإعادة صياغة العلاقة على أسس جديدة تقوم على الاحترام المتبادل.
ويرتبط مستقبل العلاقات الروسية السورية بإعادة تعريف الوجود الروسي في سوريا وطبيعته، وفهم روسيا العميق للسيادة السورية ومتطلباتها، وفق علوان.
سفير روسي ورحلات مباشرة
سبقت مذكرة التفاهم السورية الروسية تطورات جرت خلال الأيام الماضية، إذ أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاثنين الماضي مرسوما بتعيين ديمتري دوغادكين سفيرا فوق العادة ومفوضا لروسيا لدى سوريا، خلفا للسفير ألكسندر يفيموف الذي أعفي من مهامه بموجب مرسوم منفصل.
وفي المجال الثقافي، أعلنت مؤسسة التعاون الروسي توصل البلدين إلى اتفاق بشأن استئناف عمل المركز الثقافي والعلمي الروسي “البيت الروسي” في العاصمة دمشق، بعد توقف تجاوز عاما ونصف العام.
وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية بدء الخطوط الجوية السورية تشغيل رحلات منتظمة ومباشرة بين دمشق وموسكو اعتبارا من 16 آب الجاري.
ويأتي ذلك ضمن إعادة ترتيب العلاقات بين دمشق وموسكو، إذ تشير مذكرة التفاهم إلى أن العلاقات لن تكون محصورة في المجال العسكري، بل ستنتقل إلى علاقة متعددة المستويات، تشمل المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية، إلى جانب التعاون العسكري والأمني.
أخيرا، تمثل مذكرة التفاهم محطة مفصلية في مسار العلاقات السورية الروسية، كونها تعيد رسم ملامح علاقة جديدة تقوم على احترام السيادة وتبادل المصالح ومراعاتها بين الطرفين، كما أظهرت نجاح الحكومة السورية في إدارة الملفات السيادية عبر التفاوض انطلاقا من المصالح الوطنية، مع الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة.
- الثورة السورية





















