لا ينطوي مصطلح «مجلس الشعب» على مضمون دستوري ثابت، إذ تتحدد سلطاته وفقًا للنص الدستوري، وقانون الانتخابات، والنظام الداخلي، وتشريعات الموازنة، والممارسة السياسية المستقرة. غير أنَّه لا يجوز، في إطار النظام الرئاسي، تصور المجلس بوصفه مؤسسةً مساعدةً للرئيس، أو هيئةً يقتصر دورها على إقرار المبادرات التنفيذية. فغايته الدستورية تتمثل في تمثيل الناخبين، وسنّ التشريعات، والإذن بالإنفاق العام، والرقابة على السلطة التنفيذية، والمشاركة في منظومة مؤسسية من الضوابط والتوازنات. ولا يكمن السؤال فيما إذا كان ينبغي للمجلس أن يتعاون مع السلطة التنفيذية، لأنَّ هذا التعاون ضروري لعمل الحكومة، بل فيما إذا كان النظام الدستوري يصون قدرته على الاعتراض والتعديل والرفض والتحقيق، من دون أن يفضي ذلك إلى شلل مؤسسي أو إكراه سياسي.
ويرتكز هذا السؤال على مبدأ يتمثل في استقلال النشأة والاستمرار. فالمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات ولجنة البندقية تصفان السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام الرئاسي بأنَّهما وكيلان متميزان للناخبين، يستقل كل منهما عن الآخر من حيث النشأة والاستمرار. ويتولى الرئيس منصبه، في العادة، لمدة محددة، ولا يعتمد بقاؤه على استمرار ثقة المجلس السياسية؛ كما لا يستطيع المجلس عزل الرئيس لمجرد فقدانه الثقة السياسية بالسلطة التنفيذية. ومن ثم، لا يشكل الخلاف بين السلطتين، في حد ذاته، إخفاقًا مؤسسيًا، بل قد يعكس الأداء الاعتيادي لمؤسسات منفصلة تستند إلى قواعد انتخابية مختلفة. ويجب على النظام الدستوري أن يوفر وسائل قانونية لإدارة هذا الخلاف، من بينها التفاوض التشريعي، والرقابة من خلال اللجان، وإجراءات تجاوز حق النقض، والرقابة القضائية، والآليات المحددة لمعالجة حالات الانسداد المؤسسي. وتنبع سلطة المجلس من تفويضه التمثيلي الخاص، لا من أي علاقة سياسية تربطه بالرئاسة.
ويُعد التمثيل أولى الوظائف الدستورية الثلاث، إلى جانب التشريع والرقابة. ولا يقتصر التمثيل على إجراء الانتخابات؛ فقد يكون المجلس منتخبًا من الناحية الشكلية، ومع ذلك يعجز عن تمثيل المجتمع إذا كانت القواعد الانتخابية تستبعد فئات مهمة، أو كانت المنافسة الحزبية مقيدة، أو كان الأعضاء غير قادرين على التصرف باستقلالية، أو كانت الإجراءات تتيح للسلطة التنفيذية أو للأغلبية احتكار جدول الأعمال. وتحمي المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة من خلال ممثلين يُختارون بحرية، غير أنَّ هذا الضمان يفقد قدرًا كبيرًا من قيمته العملية عندما يفتقر الممثلون إلى المعلومات، أو حرية النقاش، أو الحقوق الإجرائية. ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في النظم الرئاسية، إذ قد يدّعي رئيس منتخب مباشرةً أنَّه المعبّر الوحيد عن الإرادة الشعبية. ويمثل التفويض المستقل للمجلس إقرارًا دستوريًا بالطبيعة التعددية للتمثيل الديمقراطي.
ويُعد التمثيل أولى الوظائف الدستورية الثلاث، إلى جانب التشريع والرقابة. ولا يقتصر التمثيل على إجراء الانتخابات؛ فقد يكون المجلس منتخبًا من الناحية الشكلية، ومع ذلك يعجز عن تمثيل المجتمع إذا كانت القواعد الانتخابية تستبعد فئات مهمة
وتشكّل السلطة التشريعية القيد الأساسي على عمل السلطة التنفيذية. وقد يمنح الدستور الرئاسي السلطة التنفيذية أدوات تشريعية مهمة، تشمل حق اقتراح مشروعات القوانين، والاختصاص الحصري بتقديم الموازنة، وإجراءات النظر العاجل، وحق النقض. ولا تنسجم هذه الصلاحيات مع مبدأ الفصل بين السلطات إلا إذا أتاحت التنسيق من دون أن تسمح للسلطة التنفيذية بالتحكم في العملية التشريعية، بحيث تعمل في إطار اعتماد متبادل مقيّد، لا في إطار هيمنة تنفيذية. ويوضح حق النقض هذا المبدأ؛ فهو يجيز للرئيس الامتناع عن التصديق على تشريع أقره المجلس، غير أنَّ طبيعته الدستورية تتحدد وفقًا للنصاب المطلوب لتجاوزه، ونطاق تطبيقه، والمهل الزمنية المقررة له. فحق النقض الذي يتطلب تجاوزه أغلبية مرتفعة على نحو غير واقعي يفرغ السلطة التشريعية الرسمية للمجلس من مضمونها، كما أنَّ حق النقض الذي يمكن تجاوزه بسهولة مفرطة يُبطل الوظيفة الرقابية التي يؤديها اشتراط موافقة السلطة التنفيذية. وينطبق المنطق ذاته على التشريع المفوض، الذي يكون مشروعًا عندما يقتصر على التفاصيل الفنية استنادًا إلى سلطة يمنحها المجلس، ويصبح إشكاليًا عندما يتحول إلى مسار موازٍ لسن التشريعات العادية.
وتُعد الرقابة على المالية العامة من أكثر أدوات المجلس تأثيرًا في ضبط السلطة التنفيذية. ففي معظم التصاميم الدستورية، تتولى السلطة التنفيذية إعداد الموازنة وتنفيذها، بينما يأذن المجلس بالاعتمادات المالية ويراقب الإنفاق. ولا يجوز أن يظل هذا التقسيم شكليًا فحسب؛ إذ تصبح السلطة المالية غير فعالة عندما يتلقى المجلس مشروع الموازنة في وقت متأخر لا يسمح بدراسته، أو عندما يفتقر إلى بيانات الإنفاق، أو يعجز عن الحصول على إيضاحات من الوزراء، أو يجري تجاوزه من خلال الاعتمادات الطارئة، والصناديق الخارجة عن الموازنة، وعمليات إعادة التخصيص غير المقيدة. وتتطلب الرقابة الفعالة، في العادة، وجود مؤسسة مستقلة للرقابة على المال العام، تكون نتائجها متاحة للمجلس، ويمكن أن تفضي إلى فحص علني ومتابعة لاحقة. ومن دون هذه الشروط، قد تتحول الموافقة على الموازنة إلى إجراء شكلي، بدلًا من أن تكون أداة دستورية فعالة للرقابة.
ولا تعني الرقابة في النظام الرئاسي التصويت بحجب الثقة، فهي لا تجعل السلطة التنفيذية معتمدة على الدعم السياسي الاعتيادي للمجلس، وإنَّما تتعلق بمدى امتثال العمل التنفيذي للقانون، واحترامه للحقوق الدستورية، ومشروعية استخدامه للموارد العامة، وقابليته للتبرير أمام الجمهور. وتتوقف فعاليتها على إمكان استخدام الإجراءات المتاحة عمليًا، وهو ما يقتضي الوصول إلى المعلومات، وحماية عمل اللجان، وتوفير خبرات قانونية ومالية مستقلة، ووضع قواعد محددة بشأن السرية. ويجب التمييز بين المساءلة الاستثنائية، المتمثلة في الاتهام الدستوري على المخالفات الدستورية أو الجنائية الجسيمة، وبين الإقالة السياسية العادية. وتتطلب آلية العزل السليمة نصابًا مرتفعًا لبدء الإجراءات، وتحقيقًا محايدًا، وضمانات كافية لحقوق الدفاع، ونسب تصويت معززة. فلا ينبغي أن يكون العزل سهلًا إلى حد تحوله إلى أداة للإطاحة الحزبية، ولا صعبًا إلى حد تمكين الرئيس من التصرف بصورة غير قانونية من دون وسيلة انتصاف فعالة.
وتنطوي سلطات الطوارئ على خطر متكرر، لأنَّها قد تركز السلطات التشريعية والتنفيذية والأمنية في يد السلطة التنفيذية، وتزيح المسار الاعتيادي للحصول على الإذن التشريعي. وينبغي للدستور الرئاسي أن يحدد الظروف التي تجيز اتخاذ تدابير الطوارئ، وأن يشترط إعلانها على الملأ وبيان أسبابها، ويفرض قيودًا زمنية صارمة عليها، ويوجب الحصول سريعًا على موافقة المجلس لاستمرارها، ويصون الحقوق التي يعدها القانون الدولي غير قابلة للتقييد، ويبقي الرقابة القضائية قائمة. كما يجب حماية استمرارية عمل المجلس من خلال ضمان انعقاد جلساته، وتأمين وصوله إلى المعلومات، واعتماد إجراءات معجلة مع الحفاظ على علنيتها. ولا ينبغي أن تتحول حالة الطوارئ إلى مسار دستوري تحل من خلاله السلطة التنفيذية محل السلطة الاعتيادية للمجلس.
ولا يدعم النقاش المركزي القول إنَّ النظام الرئاسي ديمقراطي بطبيعته أو سلطوي بطبيعته. وبالتالي فإنَّ النتيجة التي يمكن الدفاع عنها مؤسسية لا تصنيفية؛ فالفصل الرسمي بين السلطات ضروري، لكنَّه غير كافٍ، والسؤال العملي هو ما إذا كان المجلس يمتلك سلطة قابلة للاستخدام إجرائيًا لسن التشريعات، وتعديل الموازنات، والحصول على المعلومات، وتفعيل إجراءات المساءلة.
وعليه، ينبغي فهم مجلس الشعب في النظام الرئاسي بوصفه سلطة تمثيلية متكافئة مع غيرها، تتمتع بمجال اختصاص تحميه أحكام الدستور. ولا يتمثل دوره في استنساخ نظام الثقة البرلمانية، ولا في أن يحكم بدلًا من السلطة التنفيذية، بل في ضمان أن تكون ممارسة السلطة العامة مأذونًا بها بموجب القانون، وخاضعة للرقابة، ومقيّدة من خلال مؤسسة تمثيلية مستقلة عن الرئاسة. وتتمثل المهمة الدستورية في الجمع بين الشرعية المستقلة والمساءلة الفعالة؛ فالفصل من دون ضوابط يهدد بتركيز السلطة في يد الرئيس، والضوابط من دون استقلال مؤسسي تهدد بإخضاع السلطة التشريعية. ويجب على أي دستور رئاسي ملتزم بالحكم الديمقراطي أن يضمن تزويد المجلس، إجرائيًا وماديًا، بما يمكّنه من العمل بوصفه مركزًا مستقلًا للسلطة التمثيلية.
- تلفزيون سوريا

























