شهدت العلاقات السورية الروسية منعطفًا مهمًا مع إعلان دمشق وموسكو، في 11 آب/ أغسطس 2026، توقيع مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي في سوريا، وتضع حدًا لنمط القواعد العسكرية المستقلة الذي ساد منذ عام 2016.
وتأتي المذكرة بعد مسار تفاوضي استمر أكثر من عام، ركزت خلاله الحكومة السورية الجديدة على استعادة سيطرتها على المنشآت الحيوية في الساحل السوري، ولا سيما مطار اللاذقية وميناء طرطوس، مع مراعاة التحولات السياسية والميدانية التي شهدتها سوريا والمنطقة بعد سقوط نظام الأسد وتغير موازين القوى الدولية.
وبموجب المذكرة، يجري إعادة تنظيم طبيعة الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس، بحيث تنتقلان من وظيفتهما العسكرية العملياتية إلى دور يتركز على التدريب والتأهيل والتعاون اللوجستي، ضمن السيادة السورية.
إدارة سورية للمنشآت المدنية
في الجانب المدني، تنص المذكرة على استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع التجاري والمدني.
ووفق التفاهمات، يتولى الجانب السوري إدارة مطار حميميم كمطار مدني يخدم محافظة اللاذقية، فيما تنتقل إدارة المواقع التجارية في ميناء طرطوس، بما فيها الرصيف الرابع، إلى هيئة المنافذ والمعابر السورية.
ويؤدي ذلك إلى إنهاء صيغة التقاسم بين الاستخدامين العسكري والمدني في هذه المنشآت، لمصلحة إدارة سورية للأنشطة التجارية والخدمية، مع إبقاء الوجود الروسي في مساحات محدودة مخصّصة للتدريب والخدمات اللوجستية المشتركة.
تأثير على الدور الروسي في شرق المتوسط
ومن المتوقع أن يترك هذا التحول أثرًا مباشرًا على طبيعة الدور العسكري الروسي في شرق المتوسط. فموسكو ستفقد جزءًا مهمًا من المزايا التي وفرتها لها القواعد الجوية والبحرية في سوريا، والتي شكلت خلال السنوات الماضية نقطة ارتكاز لعملياتها وإمداداتها نحو ليبيا وأفريقيا.
وفي المقابل، تمنح المذكرة السفن الروسية إمكانية الوصول المحدود والمنظم فنيًا إلى ميناء طرطوس، وفق آليات تنسيق مع دمشق.
رسالة إلى واشنطن وأوروبا
سياسيًا، تمثل المذكرة رسالة مهمة من دمشق إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خصوصًا أن الوجود العسكري الروسي في سوريا كان طوال السنوات الماضية أحد الملفات التي أثارت مخاوف غربية بشأن مستقبل العلاقات مع دمشق.
وتحاول الحكومة السورية، من خلال إعادة تنظيم هذا الوجود واستعادة السيطرة على المنشآت الحيوية، تأكيد قدرتها على إدارة الإرث العسكري الذي خلفته المرحلة السابقة من موقع الدولة صاحبة السيادة.
ويرى المتخصّص في الشأن الروسي ديمتري بريدجة، أن ما يجري يمثل إعادة هندسة للوجود الروسي في سوريا أكثر من كونه انسحابًا روسيًا كاملًا.
وقال بريدجة في حديثه لـِ “المدن”: “نحن أمام إعادة هندسة للوجود الروسي في سوريا، أكثر من كوننا أمام انسحاب روسي كامل. تنقل المذكرة العلاقة من نموذج القواعد ذات الوظيفة العملياتية الواسعة إلى نموذج حضور عسكري محدود ومشروط بالسيادة السورية، فالمعلن هو انتقال المنشآت المدنية في حميميم وطرطوس إلى الإدارة السورية، وتحويل المكونات العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، وهذا يعني أن موسكو تحاول الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي بأقل كلفة سياسية وعسكرية، بينما تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة القانونية والإدارية على بنيتها التحتية”.
وأعرب عن توقعاته في أن يتراجع حجم القوات والمعدات الروسية وقدرتها على تنفيذ عمليات مستقلة واسعة من الأراضي السورية، مقابل الإبقاء على طواقم تدريب واستشارة وصيانة وربما قدرات لوجستية محدودة، معتبراً أن هذا يخدم روسيا أيضا، لأنها تحتفظ بالحضور والنفوذ والعلاقات مع المؤسسة العسكرية السورية من دون تحمل العبء السياسي والمالي لنموذج ما قبل سقوط نظام الأسد، حسب تعبيره.
ورأى أن ما يجري يعني الانتهاء التدريجي لمرحلة “سوريا كمنصة عسكرية روسية”، لتبدأ مرحلة “روسيا كشريك أمني وعسكري ضمن السيادة السورية”.
مصالح متبادلة
من جهته، يقول الباحث في مركز جسور للدراسات محمد سليمان، إن الاتفاق يحول القواعد الروسية في الساحل إلى منشآت للتدريب المشترك، مع تولي الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية، بما فيها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس.
ويعتبر سليمان في حديثه لـِ “المدن”، أن هذا الترتيب يخفض الوجود الروسي إلى مستوى محدود لا يمثل تهديدًا للأطراف الإقليمية والدولية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح المشتركة من خلال الاستشارات العسكرية والتعاون الفني.
ويشير إلى أن روسيا بدأت منذ عام 2025 بنقل جزء من عتادها تدريجيًا إلى قاعدة الخادم في ليبيا، في محاولة للحفاظ على حضورها في البحر المتوسط وخطوط إمدادها نحو أفريقيا.
الانتقال من العسكري إلى الاقتصادي
بدوره، يصف الدكتور محمود الحمزة، المتخصص في الشأن الروسي، مذكرة التفاهم بأنها “وثيقة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين”، معتبرًا أنها تقوم على أسس جديدة ترتبط بالسيادة والتنسيق والمصالح المتبادلة.
ويقول الحمزة لـِ “المدن”، إن “ميناء طرطوس التجاري يمكن أن يشهد نشاطًا اقتصاديًا أكبر تحت إدارة مدنية سورية، بما قد يوفر عوائد تساهم في جهود إعادة الإعمار”.
ويضيف أن قاعدة حميميم ستتحول إلى مركز للتدريب، مع وجود عدد محدود من الضباط الروس لأغراض التأهيل والتدريب، من دون دور قتالي روسي في سوريا.
ويدعو الحمزة إلى التركيز خلال المرحلة المقبلة على الجانب الاقتصادي من العلاقات السورية الروسية، مشيرًا إلى إمكانية تطوير مشاريع استراتيجية في قطاع الطاقة، من بينها بحث إنشاء محطة للطاقة النووية بمساعدة روسية، في إطار معالجة أزمة الكهرباء.
القامشلي كمؤشر مبكر
وكان الانسحاب الروسي من قاعدة القامشلي مطلع عام 2026 قد شكل، وفق هذا المسار، مؤشرًا مبكرًا على استعداد موسكو للتكيف مع الواقع السوري الجديد.
ولم تعرقل روسيا في ذلك الوقت تقدم القوات الحكومية، وهو ما اعتُبر خطوة ساعدت على فتح الطريق أمام تفاهمات أوسع بشأن طبيعة الوجود الروسي في سوريا.
وتفضل دمشق، في هذا الملف، اعتماد مسار تدريجي لتقليص الوجود العسكري الأجنبي، بعيدًا عن خطوات مفاجئة قد تؤدي إلى توترات أمنية أو سياسية، خصوصًا في ظل العلاقات الطويلة التي تربط موسكو بمؤسسات الدولة السورية.
مرحلة جديدة في العلاقات
وتعكس مذكرة التفاهم، وفق مراكز أبحاث ودراسات سورية، مرحلة جديدة في العلاقات السورية الروسية، تقوم على معادلة دقيقة بين رغبة دمشق في توسيع علاقاتها مع الغرب ودول الخليج، وحرصها في الوقت نفسه على عدم خسارة روسيا، التي تملك مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي.
في المقابل، يبدو أن موسكو قبلت بإعادة النظر في الامتيازات العسكرية الواسعة التي حصلت عليها خلال السنوات الماضية، مقابل الحفاظ على دور مستقبلي في سوريا كشريك أمني واقتصادي.
وبذلك، لا يبدو أن العلاقة السورية الروسية تتجه إلى القطيعة، بل إلى إعادة تعريف طبيعتها.
فبدلاً من أن تكون سوريا منصة رئيسية للانتشار العسكري الروسي في المنطقة، تسعى دمشق إلى جعل العلاقة قائمة على التعاون والتنسيق والمصالح الاقتصادية، مع وضع الوجود الأجنبي، بما فيه الروسي، تحت مظلة السيادة السورية.
- المدن























