أوقفت إدارة مكافحة الإرهاب أمس السبت، الضابط السابق في أجهزة أمن النظام المخلوع مصعب أبو ركبة، في بلدة نوى بدرعا، وذلك بعد أيام من وصوله إليها قادماً من النمسا التي تلقّى فيها حكماً بالسجن 8 سنوات على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وتعذيب معتقلين خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.
جاء ذلك بعد أن تداولت منصات التواصل الاجتماعي صوراً تظهر أبو ركبة عقب وصوله إلى نوى، مسقط رأسه، وهو محاط بأقاربه وأبناء عشيرته، ما أثار موجة واسعة من الاستياء لدى طيف واسع من السوريين، وخاصة أبناء مدينة الرقة التي كان أبو ركبة يرأس فيها قسم التحقيقات الجنائية في أول عامين من الثورة، مطالبين السلطات السورية بتوقيفه ومحاسبته “وفق الأطر القانونية والقضائية المختصة”، وخاصة بعد صدور الحكم القضائي بحقه في النمسا، حرصاً على عدم ضياع حقوق الضحايا.
وعبّر ناشطون وحقوقيون عن استهجانهم إزاء ما وصفوه باستقبال أبو ركبة “استقبال الفاتحين المنتصرين والأبطال” من قبل أقاربه وأبناء عشيرته في بلدة نوى، في مشهدٍ أعاد إلى الواجهة مشاهد استقبال بعض وجهاء العشائر وقادة ميليشيات رديفة للنظام المخلوع من قبل أبناء عشائرهم شرقي سوريا، مثال ما حصل مع نواف البشير، ومدلول العزيز، والمرسومي، وغيرهم.
الهروب الاول
في مطلع شهر آذار من العام 2013، تمكنت فصائل المعارضة السورية من السيطرة على مدينة الرقة، لتكون بذلك أول مركز محافظة يخرج عن سيطرة نظام الأسد المخلوع. وبالاستيلاء على المدينة حينذاك أصبحت محافظة الرقة خارج سلطة النظام بشكل شبه كامل، باستثناء مقر الفرقة العسكريّة 17 ومطار الطبقة العسكري.
تمكن الثوار حينذاك من أسر المحافظ، وأمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي، ورؤساء الأفرع الأمنية والعسكريّة. أما مصعب أبو ركبة، فتفيد مواقع إخبارية محلية بأنه بقي محاصراً من قبل الثوار داخل مبنى الأمن السياسي بمدينة الرقة قبل أن تخرجه وساطة عشائرية آمنا، وليخرج لاحقاً من سوريا.
وأفاد المحامي أسيد الموسى، أن مصعب أبو ركبة لم ينشق عام 2012 كما أشاعت بعض الأطراف، كما لم يصدر عنه أي بيان يعلن فيه انشقاقه، مشيراً إلى وجود مقطع فيديو يظهر فيه أبو ركبة على التلفزيون الرسمي حينذاك، نافياً الأنباء التي تحدثت عن انشقاقه.
وفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أكّد الموسى، وهو شاهد ومدّع شخصي في قضية أبو ركبة، أن الأخير “بقي على رأس عمله في الأمن الجنائي خلال الانتفاضة الكبرى لمدينة الرقة في آذار 2012 التي شهدت استشهاد أول ثوار الرقة “علي البابنسي”، ثم التظاهرة الكبيرة التي أعقبت تشييع البابنسي، والتي انطلقت نحو ساحة الساعة بهدف إسقاط تمثال حافظ الأسد، إلا أن قوات الأمن، وعلى رأسهم الأمن الجنائي بإشراف أبو ركبة، فتحوا النار على المتظاهرين وارتكبوا مجزرة راح ضحيتها قرابة 30 شهيداً”.
بعد المجزرة بنحو 3 أيام، يضيف الموسى “انتشرت إشاعة تزعم بأن أبو ركبة قد انشق، إلا أن الأخير ما لبث أن خرج لينفي نبأ انشقاقه عبر التلفزيون الرسمي حينذاك بطريقة ساخرة”.
وأشار الموسى إلى أن أبو ركبة تمّت ترقيته بعد ذلك إلى نائب رئيس الأمن السياسي بالرقة. وتزامناً مع محاصرة فصائل الجيش الحر لمقر الأمن السياسي بالرقة (آذار 2013)، جرى تهريبه بالتنسيق مع أحد شيوخ العشائر. وبعد ذلك بأشهر قليلة، تمكّن أبو ركبة من مغادرة البلاد والوصول إلى تركيا، ثم انتهى به المطاف لاجئاً في النمسا.
وبحسب الموسى، فقد ارتبط اسم أبو ركبة خلال ترأسه قسم التحقيقات في الأمن الجنائي بالرقة، بتعذيب المئات من شبان المدينة الذين شاركوا في المظاهرات المناهضة للنظام المخلوع، حيث كان أبو ركبة أحد أعضاء الخلية الأمنية التي كان مقرها في فرع الأمن الجنائي نفسه، وكان المشرف المباشر على التحقيقات مع المعتقلين.
المحاكمة والهروب الثاني
في تموز الفائت، وتحديداً في السادس منه، قضت محكمة فيينا الجنائية بسجن الضابطين السابقين في النظام المخلوع، رئيس فرع أمن الدولة في الرقة خالد الحلبي، ورئيس قسم التحقيقات في الأمن الجنائي مصعب أبو ركبة، لمدة ثماني سنوات لكل منهما، “لارتكابهما جرائم تعذيب وإيذاء جسدي جسيم وإكراه مشدد وإكراه جنسي” بحق معتقلين مدنيين في الرقة بين عامي 2011 و2013.
وجاءت جلسة النطق بالحكم، بعد أسابيع من جلسات الاستماع التي استمعت خلالها المحكمة إلى شهادات عدد من الضحايا والشهود، إضافة إلى مرافعات الادعاء والدفاع.
وأوضح الموسى أن القضاء النمساوي استمع خلال الجلسات إلى شهادة 21 شخصاً من أبناء الرقة “بعضهم كانوا ما يزالون أطفالاً حين تعرضوا للاعتقال والتعذيب في ذلك الوقت، ما تسبب بإصابات في أعضائهم التناسلية، وكسور دائمة في الأطراف. قسمٌ آخر من الشهود تعرضوا لتشوهات في أجسادهم خلال التحقيق معهم لانتزاع الاعترافات”.
في 29 تموز الفائت، تلقى عدد من أولئك الشهود والضحايا الذين شاركوا في المحاكمة، رسالة من المحامية النمساوية تاتينا، أفادت فيها بأن أبو ركبة “ربما يكون قد هرب”، موضحة أن هذه المعلومات لم تكن قد تأكدت رسمياً من قبل السلطات القضائية النمساوية في ذلك الوقت.
وقالت تاتينا في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، إن لديها “معلومات غير رسمية تفيد بأنه ربما يكون قد عبر الحدود إلى سوريا”، مضيفة أن “السلطات على علم بالأمر، وتتخذ الإجراءات المناسبة”.
وأوضحت أنه في حال تأكد واقعة الفرار، ستتخذ النيابة العامة النمساوية الإجراءات القانونية اللازمة لاستصدار مذكرة توقيف دولية عبر المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول).
وكان أبو ركبة طليقاً في أثناء جلسات المحاكمة وإجراءات الاستئناف، واللافت للنظر هو أن النظام القضائي النمساوي لم يرَ أي خطر لهروبه. وادّعت المحكمة أن لديه عائلة في النمسا وأنه حضر جميع الجلسات. ووفقاً للمحكمة، لم تُفرض أي شروط جديدة حتى بعد صدور الحكم. مع ذلك، كان أبو ركبة قد أرسل عائلته إلى سوريا قبل بدء المحاكمة، وفق ما أفادت صحيفة “بروفيل” النمساوية.
وذكرت الصحيفة أن أبو ركبة كان يخشى الانتقام في النمسا، لأن اسمه أصبح علنياً خلال الإجراءات القانونية. وتلقى أبو ركبة الذي كان يعمل في مجال المعادن في النمسا، تهديداً بالقتل على الأقل خلال المحاكمة، وفقاً لمقربين منه.
استقبال مثير للاستهجان
بقيت الأنباء متضاربة بشأن وصول مصعب أبو ركبة إلى محافظة درعا، إلى أن بدأت تنتشر صورة لدعوة وجهها أقارب مصعب عبر “واتساب” للمشاركة باستقباله، بالإضافة إلى ما نتشر لاحقاً من صور استقباله الاحتفالي من قبل أبناء عشيرته في بلدة نوى، حيث ظهر الضابط السابق وهو يرفع العلم السوري فوق سيارة تجوب به شوارع البلدة.
أثارت تلك الصور موجة واسعة من الغضب والاستهجان، خاصة وأن انتشارها تزامن مع إصدار حكم الإعدام بحق عاطف نجيب. فكتب خليل الحاج صالح، من أبناء الرقة، منشوراً أعرب فيه عن شعوره “بالعار” من أهل أبو ركبة وعشيرته “الذين لم يخجلوا من الاحتفال بمتهم بجرائم ضد الإنسانية بالتزامن مع احتفالاتهم بالحكم الصادر على عاطف نجيب الذي ارتكب ما ارتكبه أبو ركبة ضد أبناء الرقة”.
واحتجّ أحمد الصالح، من الرقة أيضاً، على ظهور أبو ركبة “بكل وقاحة في مدينة نوى، قلب الثورة في درعا، مدّعياً الثوريّة ومحاولاً طمس تاريخه بصورة مع العلم السوري. إن من لم يرفع هذا العلم حينما كان رفعه تهمة، وحيازته سبب من أسباب الاعتقال والتغييب، لن ينفعه رفع العلم اليوم بعد أن أصبح العلم الرسمي للبلاد”.
بينما دعا حسين الرمضان إلى محاسبة جميع المجرمين على حد سواء، بصرف النظر عن انتمائهم القبلي أو المناطقي، وعدم المطالبة بمحاسبة مجرم واستثناء آخر. وكتب: “إجرام مصعب أبو ركبة لا أحد يختلف عليه، طبعاً حول تعذيبه وسجنه لبعض الناس، وقد حكمت محكمة النمسا بذلك. ولكن المزعج أن البعض يتداول الخبر وكأنه مندهش من ذلك”.
وأردف الرمضان: “ابن عمك مجرم وشبيح. وشيخ عشيرتك مجرم وشبيح. ومختار حارتك شبيح. وشيخ المسجد شبيح ورجل خالتك شبيح ورجل عمتك شبيح.. لماذا لم تطالب الحكومة بمحاكمتهم أو نشرت عن إجرامهم؟ وتأتي الآن لتطالب أهالي مدينة نوى والحكومة لاعتقال أبو ركبة؟”.
بين العشيرة والتسوية
“هذه القضايا حساسة نوعاً ما. وأظن أن أبو ركبة مثله مثل غيره من الذين استُقبلوا بالزغاريد والهتافات، مثال ما حصل مع بعض وجهاء العشائر بدير الزور ومحافظات أخرى”، يقول الصحافي والكاتب السوري محمد العويد لموقع تلفزيون سوريا، معلّقاً على مشهد استقبال مصعب أبو ركبة في البلدة التي تعد معقلاً لأبناء عائلته/ عشيرته.
ويوضح العويد، المنحدر من ريف درعا ويقيم اليوم في باريس، أن عشيرة “أبو ركبة” من العشائر الكبرى في المنطقة، وهي كغيرها من العشائر/ العائلات في محافظة درعا، بل وفي باقي محافظات سوريا “فيها الثوار وفيها الموالون للنظام المخلوع، وفيها الرماديون… إلخ. وبذلك، لا يوجد إجماع على توجّه معين بداخل غالبية العشائر”. هذا ما يجعل من التوجهات الشخصية، والميول السياسية أو الفكرية فيها، في منأى عن اتخاذ موقف حازم إزاء أصحاب تلك التوجهات والميول، وهنا يحضر منطق العشيرة ليفرض نفسه بصورة أو بأخرى.
وأطلق العويد توصيفاً جديداً على الحالة المتعلّقة بوصول أبو ركبة واستقباله المُعلن، وعلى الحالات المشابهة لها، أطلق عليها مسمّى “نموذج محمد حمشو” الذي رأى بأنه “موجود في كل بلدة وقرية سورية”، في إشارة إلى الشخصيات التي ارتبطت سابقاً بالنظام المخلوع، سواء كان ذلك الارتباط مالياً أم سياسياَ أم عسكرياً، وتمارس حياتها اليوم بصورة طبيعية بعد عمليات “التسوية” مع السلطة السورية.
إلا أن العويد لفت إلى مسألة قال إن لها دوراً مهماً في الحالة الأخيرة، وتتمثل في أن أهل مصعب ومحيطه في نوى، استقبلوه بهذا الشكل الاحتفالي لاعتقادهم أنه عاد منتصراً، فالشهادات والمعلومات التي لديهم، أو التي حصلوا عليها من ابنهم (مصعب) تفيد بأنه أدّى دوراً وطنياً وإنسانياً حين كان بالرقة، وبأنه ساعد بعض المعتقلين من الثوار وأفرج عن آخرين، وغيرها من المعلومات التي وصلتهم عنه، سواء من خلاله أو من خلال أشخاص آخرين.
ويتابع: “أظن لو أن أبو ركبة يعرف بأنه مطلوب في سوريا بقضايا جرائم حرب أو ضد الإنسانية، أو أنه مهدّد من قبل أي جهة أو أشخاص، من الرقة أو غيرها، لما قرر الهروب من النمسا والعودة إلى سوريا.
وفي تعقيبه على دافع الهروب بعد تلقيه الحكم بـ8 سنوات في النمسا، يرى العويد أن آلية القضاء والمحاكمات في محاكم دول أوروبا التي تعتمد مبدأ “الولاية القضائية”، وخاصة في قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المتعلقة بسوريا، تأخذ بشهادات الشهود والضحايا الذين يملكون نظرة واحدة ومحددة تجاه الخصم (المتهم). كما وأن غياب الأطراف الأخرى والعوامل المساعدة للمتّهم بتلك القضايا، نتيجة بعده عن ميدان الحدث (سوريا)، غالباً ما يفضي إلى إدانته في تلك الدول، وإن كانت الشهادات ضعيفة نوعاً ما.
من جانبه، يرفض المحامي أسيد الموسى مقاربة حالة أبو ركبة مع الحالات المرتبطة بالتسوية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، قائلاً إن “تسوية محمد حمشو، أو مدلول العزيز، أو حتى فادي صقر وغيرهم، جاءت بناء على مواقف أو خطوات كان لها أثر إيجابي على البلد خلال التحرير أو بعده، كتقديم معلومات عن انتشار ميليشيات أو أماكن وجود قادة مقربون من النظام المخلوع، أو تحذيرات معينة، على سبيل المثال. أما أبو ركبة، فماذا قدّم للبلد وأهلها كي يجري تسوية تمسح جرائمه وتبيح لأبناء منطقته استقباله كبطل؟”.
ويختم الموسى حديثه بالقول: “عشيرتنا بالأمس كانت الثورة، واليوم عشيرتنا هي سوريا الجديدة الخالية من أتباع الأسد ومجرميه”.
- تلفزيون سوريا
























