دمشق – “القدس العربي”: أحالت محافظة دمشق ملف خمسة موظفين في إحدى مديرياتها إلى الجهات المختصة، بعد بلاغ أمني وورود معلومات ومعطيات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن مشاركتهم سابقاً في أعمال قتالية إلى جانب ميليشيات تابعة للنظام المخلوع.
وحسب مصادر رسمية، فقد باشرت مديرية الرقابة الداخلية التحقيق معهم بالتنسيق مع الجهات المختصة، حيث استدعوا وأخذت إفاداتهم، قبل أن تقول المحافظة إن التحقيقات أظهرت إقرارهم بارتباط سابق بميليشيات تابعة للنظام، بينها “الدفاع الوطني”.
وقال معاون مدير الرقابة الداخلية، أحمد جاسم، في تصريحات رسمية، إن المعلومات الواردة أشارت إلى مشاركة الموظفين في أعمال قتالية إلى جانب تلك المجموعات، ما دفع المديرية إلى أعداد مذكرة تقضي بكف يدهم عن العمل وإحالتهم إلى الجهات الأمنية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية.
حالات محدودة
وحول مدى استمرار حضور شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة السورية، يرى الباحث السياسي والحقوقي في مركز حوار السوري، أحمد قربي، أن الظاهرة لا ترقى، وفق المعطيات الحالية، إلى حالة عامة أو شبكة واسعة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن ثغرات في عملية التدقيق الوظيفي والأمني خلال المرحلة الانتقالية.
ويقول لـ”القدس العربي” إن التعامل مع هذه المسالة يجب أن يأخذ في الاعتبار الاختلاف بين مؤسسات الدولة، موضحاً أن وزارات مثل الدفاع والداخلية شهدت تغييرات واسعة، ولم يبق فيها العدد نفسه من العاملين السابقين، في حين ما يزال قسم كبير من الموظفين موجوداً في بعض الوزارات الأخرى، ولا سيما الخدمية، لأسباب متعددة، وبالتالي فمن الطبيعي أن تظهر بين حين وآخر حالات لأشخاص كانوا جزءاً من منظومة النظام السابق”.
قربي: الظاهرة لا ترقى، وفق المعطيات الحالية، إلى حالة عامة أو شبكة واسعة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن ثغرات في عملية التدقيق الوظيفي والأمني خلال المرحلة الانتقالية
أما على مستوى الأجهزة الأمنية، فيرى أن اكتشاف هذه الحالات يعطي “مؤشراً أن المؤسسة الأمنية الجديدة ما تزال في طور التشكل، ولم تصل بعد إلى مستوى القدرات التي تمكنها من ضبط وتتبع جميع الحالات بصورة واسعة ومنهجية”.
وبرأي المتحدث، فان “حجم المشكلة نفسه يمثل تحدياً كبيراً، نظراً إلى العدد الواسع من الأشخاص الذين كانوا جزءاً من المنظومة العسكرية والأمنية والميليشيات التابعة للنظام السابق، إذ يناهز تعداد هؤلاء نحو مليون شخص عند احتساب أفراد الجيش والأجهزة الأمنية والميليشيات، الأمر الذي يجعل مهمة حصرهم وتتبع خلفياتهم والتحقق من أدوارهم السابقة عملية بالغة الصعوبة، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد يتعلق بضعف المؤسسات الأمنية الجديدة”.
الخطر في إعاقة المؤسسات
ويربط قربي استمرار بعض هؤلاء الأشخاص داخل المؤسسات الحكومية بعدة عوامل متداخلة، من بينها اتساع قاعدة الأشخاص الذين كانوا مرتبطين بالمنظومة السابقة، وحداثة المؤسسة الأمنية وضعف قدراتها الحالية على التتبع، إضافة إلى طبيعة النظام القانوني والإداري الذي كان سائداً في عهد النظام السابق، والذي ارتبطت فيه نسبة من عمليات التوظيف والعلاقات الوظيفية بشبكات أمنية وميليشياوية.
وبالتوازي مع ذلك، يحذر الباحث السياسي والحقوقي من انعكاس وجود هذه الحالات على الأداء الإداري والخدمي، موضحاً أن “بقاء أفراد مرتبطين بالنظام السابق قد يتحول إلى عامل إعاقة لعمل المؤسسة، حتى لو لم يكن بمقدورهم إسقاطها أو السيطرة عليها بالكامل”.
ويشبه هذه الحالات بما يمكن وصفه بـ”الذئاب المنفردة” التي استخدم تنظيم “الدولة الإسلامية” هذا المفهوم في سياقات مختلفة، بمعنى أن التأثير قد يصدر عن أفراد متفرقين من دون وجود شبكة مركزية تديرهم أو تنسق بينهم.
وعن احتمال تحول بقايا شبكات النظام داخل المؤسسات إلى مراكز نفوذ، لم يستبعد المتحدث هذا الاحتمال على المدى البعيد، و”لا سيما في المؤسسات الخدمية التي ما يزال فيها حضور واسع للكوادر السابقة”.
وانطلاقاً من ذلك، يؤكد قربي أن “التفحص الوظيفي” يمثل أحد الحلول الأساسية لمعالجة المشكلة ومنع إعادة إنتاج شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة.
ويشدد على أن اعتماد مثل هذا الإجراء من شأنه أن يساعد في الكشف المنهجي عن الارتباطات السابقة، كما يمكن أنه يشكل “آلية لمنع شبكات النظام السابق من إعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة مع مرور الوقت”.
حالات فردية أم شبكات نفوذ؟
وحول طبيعة حضور العناصر المرتبطة بالنظام السابق داخل مؤسسات الدولة، ومدى تأثيرها في المرحلة الانتقالية، يرى الكاتب والباحث السياسي، عباس شريفة، أن المعطيات المتاحة حتى منتصف آب/ أغسطس 2026 لا تشير إلى وجود شبكة مركزية منظمة تسيطر على مفاصل المؤسسات المدنية والإدارية، بل إلى حالات فردية أو مجموعات صغيرة ما تزال موجودة داخل بعض المؤسسات.
ويقول لـ”القدس العربي” إن قضية الموظفين الخمسة في دمشق تمثل نموذجاً واضحاً لطبيعة هذه الحالات، إذ جرى اكتشافها بعد ورود معلومات وبلاغات ومعطيات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ثم إخضاع الموظفين للتحقيق، وصولاً إلى إقرارهم بارتباط سابق بميليشيات، بينها “الدفاع الوطني”. ويرى أن ذلك لا يعكس، وفق المعطيات المتوفرة، وجود اختراق مؤسسي واسع تديره جهة خارجية أو شبكة متماسكة تنسق من داخل المؤسسات، بقدر ما يكشف عن استمرار أفراد أو مجموعات محدودة من إرث المرحلة السابقة.
يربط شريفة استمرار وجود بعض المرتبطين بالنظام السابق داخل المؤسسات بجملة من العوامل، في مقدمتها فوضى المرحلة الانتقالية الأولى وطبيعة الإرث الإداري للنظام السابق
ويشير إلى أن “الدولة السورية ركزت في المرحلة الأولى من الانتقال على تفكيك الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق وحل الميليشيات، بالتوازي مع عمليات التسوية التي شملت تسليم السلاح والتدقيق في أوضاع العناصر الذين لم تثبت بحقهم جرائم كبرى”.
كما شهدت تلك “المرحلة اعتقالات طالت آلاف العناصر السابقين في الجيش والأجهزة الأمنية، مع الإفراج عن بعضهم في الحالات التي لم تتوافر فيها أدلة كافية على ارتكابهم انتهاكات”.
أما في المؤسسات المدنية والإدارية، فيوضح شريفة أن “المشهد كان مختلفاً، إذ شهدت المرحلة الأولى عمليات فصل واسعة، أعقبتها مراجعات وإعادة بعض الكوادر إلى مواقعها، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى خبرات تقنية وإدارية لضمان استمرار الخدمات العامة”.
وبذلك “بقي جزء من العاملين في مؤسسات الدولة السابقة، سواء لعدم وجود أدلة فورية بحقهم أو لحاجة المؤسسات إلى خبراتهم، قبل أن تخضع بعض الملفات لاحقاً للمراجعة والتدقيق”.
ويربط شريفة استمرار وجود بعض المرتبطين بالنظام السابق داخل المؤسسات بجملة من العوامل، في مقدمتها فوضى المرحلة الانتقالية الأولى وطبيعة الإرث الإداري للنظام السابق. ويشير المتحدث إلى أن “أجهزة الدولة القديمة كانت تعاني من فساد واسع وضعف في التوثيق، فضلاً عن وجود ما كان يعرف بالموظفين الوهميين، الأمر الذي جعل بناء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة حول العاملين وخلفياتهم أمراً صعباً، ولم يكن متاحاً بصورة فورية بعد التغيير”.
ويقول شريفة إن “الأولوية في المرحلة الأولى انصبت على تفكيك البنية العسكرية والأمنية وحل المجموعات المسلحة، بينما حظي التدقيق الشامل في خلفيات الموظفين المدنيين بدرجة أقل من الاهتمام”. ويضاف إلى ذلك، بحسب شريفة، أن الحاجة إلى الحفاظ على الحد الأدنى من عمل مؤسسات الدولة واستمرار الخدمات الأساسية، مثل الصحة والإدارة المحلية والمرافق العامة، فرضت الإبقاء على كوادر تقنية وإدارية لم تكن أدوارها السابقة بارزة أو لم تكن قد وردت بحقها بلاغات مباشرة.
بقايا النظام تعرقل الإصلاح
ويرى الكاتب الأكاديمي، باسل معرواي، أن وجود عناصر موالية للنظام السابق داخل مؤسسات الدولة يشكل خطراً على إصلاحها ورفع كفاءتها، وقد يتحول بعضهم إلى “طابور خامس” يسعى إلى تعطيل الأداء أو التأثير في مواقع القرار، فضلاً عن إمكانية تسريب معلومات أو نشر أخبار مضللة تثير القلق واليأس في المجتمع.
كاتب أكد على ضرورة أن تكون معالجة إرث النظام السابق، دقيقة، وألا تتحول إلى عملية اجتثاث جماعي
ويشدد في حديث مع “القدس العربي” على ضرورة أن تكون معالجة إرث النظام السابق، دقيقة، وألا تتحول إلى عملية اجتثاث جماعي كتلك التي شهدها العراق، بحيث يفصل الموظف لمجرد عمله في مؤسسات الدولة سابقاً، مؤكداً على “أهمية التمييز بين من ثبت تورطه وبين من لم يرتكب مخالفات، تجنباً لخلق مشكلات اجتماعية واقتصادية جديدة”.
ويضيف لـ “القدس العربي” أن غياب داعم خارجي واضح لبقايا النظام، وتراجع القوى المحلية التي كانت قادرة على تهديد وحدة الدولة، يقللان من فرص تحول هؤلاء الأشخاص إلى شبكة قادرة على العمل بصورة منظمة ومؤثرة داخل المؤسسات، وإن كان استمرار وجود بعضهم يستدعي تدقيقاً ومحاسبة دقيقين.
- القدس العربي






















