دمشق ـ «القدس العربي»: في ثاني قرار من نوعه خلال أيام، قضت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، الثلاثاء، بالحكم بالإعدام على وسيم الأسد، ابن عم رئيس النظام السوري السابق، بشار الأسد بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتشكيل مجموعات رديفة لجيش النظام شاركت في الهجوم على مدن الغوطة الشرقية في ريف دمشق.
مجزرة المليحة
واحتضنت قاعة المحكمة في القصر العدلي القديم والقريب من سوق الحميدية، الجلسة السادسة المخصصة للنطق بالحكم، وسط إجراءات أمنية مشددة، لكن الوضع ظل طبيعيا أمام القصر، ولم تظهر حشود كما كان الحال خلال جلسة الحكم الخاصة بعاطف نجيب الأسبوع الماضي.
وبحضور عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية وصحافيين، وعدد من المدعين الشخصيين ومحاميهم، قرأ رئيس المحكمة فخر الدين العريان، قرار الإعدام، وظهر في القاعة المتهم وهو يقف خلف القضبان في قفص الاتهام مرتديا الزي المخطط من دون أن يبدي أي تعليق.
وقال العريان إن التحقيقات أثبتت تورط المتهم وسيم الأسد في تشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية بتكليف من العميد غياث دلا (من الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد) استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، وارتكبت مجازر بحق المدنيين ولا سيما في بلدة المليحة، والتي راح ضحيتها 75 مدنيا عام 2013.
وبين أنه قد ثبت للمحكمة بالأدلة اليقينية تورط مجموعة مسلحة تابعة للمتهم في الهجوم على محل تجاري في بلدة جرمانا وسرقة محتوياته واختطاف مالكه بسبب موقفه المعارض للنظام البائد، إلى جانب التورط في عمليات اختطاف وقتل مواطنين سوريين في مناطق عدة.
وحسب القاضي فإن وسيم الأسد شارك بقمع الحراك السلمي في سوريا، عبر ممارسات القتل والاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، منذ بداية الثورة السورية منتصف آذار/ مارس 2011، بقرار من الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
وبالمقابل، برأت المحكمة وسيم الأسد من جرم تجارة المخدرات، بسبب عدم توفر الأدلة الكافية، مشيرة إلى وجود صورة مع شخص اشتهر بتجارة المخدرات، نوح زعيتر، لا تشكل دليلاعلى الاتجار بها.
ومنتصف الأسبوع الماضي، أصدر العريان قراره بالإعدام وجاهيا على رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عند انطلاق الثورة عاطف نجيب، إلى جانب الحكم غيابيا بالإعدام على كل من رئيس النظام السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وستة آخرين من ضباط الأمن متهمين بجرائم بحق مدنيين.
وسادت أجواء من الراحة في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بعد إصدار حكم الإعدام على وسيم الأسد، وقالت مديرة مؤسسة «منتدى المرأة السورية – إشراقات» ميساء سعيد إن الأهالي في مدن سقبا وعربين والمليحة وغيرها، فرحين اليوم كثيرا لأنهم شاهدوا مجرما كبيرا كان قد نكل بهم وهو يتلقى عقوبة الإعدام.
وفي تصريحها لـ«القدس العربي»، اعتبرت سعيد، وهي من سكان مدينة سقبا في الغوطة الشرقية، أن السوريين يعيشون واقعا مأسويا يقتضي بالضرورة محاكمة هؤلاء المجرمين ومحاسبتهم والحكم عليهم بالإعدام، مؤكدة أن هذا الإجراء خطوة مهمة وتساهم بترسيخ مفهوم بأن العدالة لا بد لها وأن تأخذ مجراها في النهاية.
عضو في هيئة العدالة الانتقالية: ننتظر تنفيذ الأحكام
وأردفت: أتمنى أن أشاهد الكثير من هذه الأحكام بحق مجرمين آخرين من المعروفين كرؤساء الأجهزة الأمنية وعناصرها، أو من غير المعروفين، من دون النظر إلى أن هناك جريمة كبيرة وأخرى صغيرة لأن كل الجرائم التي ارتكبت في عهد الأسد كانت كبيرة وحجم المقتلة كان ضخما جدا.
ورحب عضو هيئة العدالة الانتقالية ورئيس مجلس الصلح في دوما نزار الصمادي بالحكم على وسيم الأسد، مشددا على ضرورة محاكمة كل من تلوثت أياديه بدماء السوريين، وقال في تصريح لـ «القدس العربي» نتمنى ألا يقف الأمر عند صدور أحكام الإعدام بحق هؤلاء، وإنما بتنفيذ هذه الأحكام ومشاهدة هؤلاء معلقين على حبال المشانق لأنهم ارتكبوا مجازر ضد الإنسانية وجرائم حرب تستحق الحكم عليهم بالإعدام.
وقال: نريد تنفيذ أحكام الإعدام حتى ترتاح أرواح الشهداء ويطمئن الناس ممن تمت الإساءة لهم بشكل كبير جدا من قبل هؤلاء المجرمين كوسيم الأسد وعاطف نجيب وغيرهما.
فيما اعتبر مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رديف مصطفى أن حكم الإعدام بحق وسيم الأسد عادلٌ ومنصفٌ، ويتناسب مع حجم الجرائم التي تورط فيها المتهم.
وقال مصطفى في تصريح لوكالة الأنباء السورية «سانا» إن المحكمة اعتمدت في حكمها على المعيار الدولي، وفقاً للقانون الدولي للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وعلى المعيار الوطني، استناداً إلى القانون السوري، مشيرا إلى أن المتهم لم يقدم خلال مسار المحاكمة معلومات جوهرية يمكن أن تسهم في كشف مسؤولية متهمين آخرين أو تحديد أدوارهم، الأمر الذي لم يوفر أساساً لتقدير أسباب مخففة بحقه.
وقال مصطفى إن الحكم يمثل جزءاً من مسار قضائي مستمر لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، ومعيار المسؤولية هو الأفعال والأدلة المثبتة بحق كل متهم، بما يكرس سيادة القانون ويضمن إنصاف الضحايا وعدم الإفلات من العقاب.
العقوبة لن تسقط بالتقادم
وفي تعليقه لـ «القدس العربي» أوضح المحامي والناشط السياسي محمود مرعي أن القاضي العريان اعتمد في اصدار الحكم كما أعلن، على القوانين الدولية حتى لا تشتمل العقوبة بالتقادم، كما اعتمد على قانون العقوبات السوري لإصدار الحكم بالإعدام، مشيرا إلى أن القضاء مضطر للاستعانة بالقانون الدولي الإنساني وبالمواثيق والاتفاقيات الخاصة بالعدالة الانتقالية التي طبقت في العديد من دول العالم، حتى لا يتم تشميل الجرائم المرتكبة في سوريا بالتقادم.
وبين أن هيئة العدالة الانتقالية السورية أنجزت قانون العدالة الانتقالية وقدمته إلى مجلس الشعب، لكن الأخير لم يصدره بعد، موضحا أن المحكومين غيابيا بالإعدام لن تقوم دول العالم بتسليمهم لسوريا، على اعتبار أن هذا الحكم قد تم إلغاؤه في كثير من الدول وخصوصا منها دول الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن تسليم وتبادل المجرمين بين الدول يتعلق بالاتفاقات الثنائية أكثر من ارتباطه بإلغاء عقوبة الإعدام، وقال إن المحاكمات التي تجري والأحكام الصادرة عنها لها طابع سياسي وعلى هذه الخلفية لن يقدم الكثير من الدول على تسليم المجرمين المدانين بجرائم سياسية.
واستبعد إقدام موسكو على تسليم رئيس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر، اللذين حكما بالإعدام غيابيا الأسبوع الماضي مع ابن خالتهما عاطف نجيب الذي حكم وجاهيا، وقال إنه ورغم وجود اتفاقية ثنائية بين سوريا وروسيا لتسليم وتبادل المجرمين، لكن موسكو تعلن حاليا أنها لن تسلم رأس النظام السابق وكل من كان معه في السلطة من الموجودين في روسيا، على اعتبار أن هذه الأحكام ذات طابع سياسي، وتسليمهم غير وارد حتى الآن، مع الأخذ بعين الاعتبار مدى أهمية روسيا الاتحادية على المستوى الدولي وباعتبارها دولة هي عضو دائم في مجلس الأمن.
- القدس العربي






















