تصاعدت وتيرة التهديدات الإسرائيلية تجاه سوريا في الآونة الأخيرة، حيث تصدرت تصريحات وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي المشهد، بعد وصفه سوريا بأنها “غزة المضخمة”، والرئيس السوري بـ”العدو القادم”، وأن المواجهة مع سوريا حتمية، وهو ما اعتبره مراقبون جزءاً من معركة رسائل أكثر من كونها إعلان حرب، فإسرائيل تتعامل مع النظام الجديد في دمشق، بوصفه مجالاً أمنياً ضعيفاً ومفككاً غير مسموح له بالنهوض.
لغة الخطاب الإسرائيلية المتصاعدة تأتي في إطار المتغيرات الإقليمية، وتنامي قوة سوريا السياسية والعسكرية، بوقت دخلت فيه المفاوضات الأمنية بين سوريا وإسرائيل حالة من الجمود بعد خلافات على بعض الملفات، وتحديداً المنطقة الأمنية التي تريدها إسرائيل، وهو ما شكّل قلقاً لدى تل أبيب من توجه دمشق نحو تحالفات إقليمية كبيرة، وتحديداً مع تركيا التي تشهد علاقتها مع تل أبيب توتراً واضحاً على خلفية النفوذ في سوريا.
تصعيد وضغوط
الكاتب والمحلل السياسي السوري، علي العبد المجيد، اعتبر في حديثه للـ”المدن”، أن “الخطاب الإسرائيلي الجديد في دلالته الإستراتيجية، لا يعني حتمية الحرب، بل يعكس محاولة رفع سقف الضغط على سوريا”.
ورأى العبد المجيد أن “التصعيد الإسرائيلي يقرأ بدرجة أكبر باعتباره محاولة لاستخدام القوة من أجل تحسين شروط التفاوض، وليس مجرد نتيجة لتعطل المفاوضات، فالمقاربة الإسرائيلية تطورت من مجرد اختبار البيئة السورية والضغط عليها، إلى إدارة التفاوض بالتوازي مع فرض وقائع ميدانية، ثم محاولة تحويل هذه الوقائع إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استدامة”.
وتابع أنه “لا ينبغي النظر إلى التصعيد والمفاوضات باعتبارهما مسارين متناقضين، فالتصعيد نفسه يمكن أن يكون جزءاً من عملية التفاوض، وأداة لتحسين شروطها، بمعنى أن إسرائيل تحاول أولاً فرض وقائع على الأرض، ثم إدخال هذه الوقائع إلى طاولة التفاوض باعتبارها نقطة انطلاق جديدة لأي اتفاق أمني”.
وتابع الباحث العبد المجيد: “السؤال الأهم ليس فقط هل تريد إسرائيل الحرب مع سوريا؟ وإنما ما الذي تريد إسرائيل أن تنتزعه من دمشق عبر الضغط العسكري والسياسي قبل أن تقبل بتسوية أمنية؟ وهنا يمكن فهم التصعيد في الجنوب، والضغط على دمشق، ومحاولة تكريس ترتيبات أمنية جديدة، باعتبارها أدوات لرفع سقف المطالب الإسرائيلية في أي تفاوض مقبل”.
وأشار العبد المجيد إلى أن “المرحلة المقبلة ستبقى قائمة على معادلة: ضغط إسرائيلي على الأرض يقابله تفاوض سياسي، وليس بالضرورة انتقالاً مباشراً من التصعيد إلى الحرب”، مضيفاً أنه “كلما استطاعت دمشق الحفاظ على تماسك الدولة وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، ازدادت قدرتها على منع تحول الوقائع الإسرائيلية المؤقتة إلى قواعد أمنية دائمة”.
وأشار إلى أن “عام 2025 قد شهد تنفيذ 416 عملية إسرائيلية، تركز 95.5% منها في الجنوب السوري، و78.6% في القنيطرة، بينما كانت 77.7% من العمليات توغلات برية، وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد ضربات جوية لاحتواء تهديدات، وإنما انتقال إلى إدارة المجال الميداني، ومحاولة إنتاج وقائع قابلة للتحويل لاحقاً إلى ترتيبات سياسية وأمنية”.
من جهته، الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي المستشار طه عودة أوغلو، رأى أن “الموقف التركي من التهديدات الإسرائيلية لسوريا واضح، وأنقرة تشكل مظلة سياسية وداعم كبير لسوريا، لكن هذا لا يعني أن تركيا يمكن أن تدخل في حرب مباشرة مع إسرائيل دفاعاً عن سوريا”.
وأوضح المستشار أوغلو أن “وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، تحدث قبل عام بصراحة: نحن لا نريد مواجهة مع إسرائيل، وبالتالي فإن تركيا تعي تماماً وجود توازنات إقليمية، وخاصة علاقتها مع حلف الناتو، وحسابات لها مع الولايات المتحدة الأميركية، ولهذا السبب سوف تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى استخدام ما يمكن أن نسميها أدوات الردع، أي الضغط السياسي والدبلوماسي، قبل الانتقال إلى مواجهة عسكرية”.
وأضاف المستشار أوغلو أنه “يمكننا أن نقول إذا تعرضت الأراضي السورية أو القوات التركية الموجودة في سوريا إلى هجوم مباشر، سيكون الرد التركي حازماً، فتركيا تحاول قدر الإمكان الموازنة في هذا الأمر، ولا تريد مواجهة مباشرة مع إسرائيل، لعدة أسباب منها: ألا تُحدث خلطاً للأوراق على الساحة السورية، وألا تتأثر علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية”.
اعتراف بلا أثر
اعتراف كولومبيا في العاشر من آب / أغسطس 2026، بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، لا يغيّر الوضع القانوني للجولان، طالما أن مجلس الأمن الدولي كان قد اعتبر في القرار 497 لعام 1981م، أن فرض إسرائيل قوانينها وإدارتها على الجولان المحتل باطل وليس له أثر قانوني دولي، وبالتالي يرى خبراء أن الخطوة الكولومبية تصب في خانة إعادة التقارب مع إسرائيل، خاصة أنها جاءت بعد أيام من تولي الرئيس الكولومبي الجديد منصبه، فالاعتراف الكولومبي ليس خطراً بحد ذاته، ولكن الخطر يكمن في أن يتحول الاعتراف الكولومبي إلى مسار سياسي تتبناه دول أخرى.
المحلل السياسي المختص بالشأن التركي المستشار طه عودة أوغلو، وصف اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل بأنه “تطور سياسي مهم، ولكن هذا لا يعني حتى الآن وجود تحول دولي واسع في الموقف من الجولان، يعني كما نعلم كولومبيا هي ثاني دولة بعد الولايات المتحدة الأميركية التي تعترف بالموقف الإسرائيلي بشأن السيادة، وبتصوري الأهم أن قضية الجولان هي حالياً تأتي في سياق أوسع، يعني إسرائيل لا تنظر إلى الجولان باعتباره ملف حدودي، إنما إلى جانب الجنوب السوري باعتباره منطقة أمن قومي، وكنا لاحظنا محاولات إسرائيل التوغل داخل سوريا قدر الإمكان”.
ورأى أوغلو أن “اعتراف كولومبيا يمكن أن يكون من الناحية القانونية محدود الأثر، ولكن من الناحية السياسية رمزي، وهو مهم وقد يدفع تركيا وسوريا إلى تكثيف التحركات الدبلوماسية لمنع انتقال الموقف من حالات فردية إلى مسار دولي أوسع، وهذا ما يريده الاحتلال الإسرائيلي”.
من جهته، نوه الباحث والمحلل السياسي السوري، علي العبد المجيد، أنه “يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي وملف الجولان ضمن بيئة إسرائيلية أوسع، تهدف إلى إعادة تشكيل قواعد التعامل مع سوريا الجديدة، وإن كان من الصعب القول إنهما جزء من خطة واحدة أو قرار مركزي واحد”.
ولفت إلى أن “إسرائيل تحاول منذ سقوط الأسد، تحويل تفوقها العسكري والوقائع التي فرضتها على الأرض، ولا سيما في الجنوب السوري، إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استدامة، لكن التحدي أمامها هو أن فرض الوقائع ميدانياً لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى نظام إقليمي مستقر وفق الرؤية الإسرائيلية، أما بالنسبة لدمشق، فلا أعتقد أن الخيار الأكثر فاعلية هو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما استثمار هذه الشبكة من المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة باستقرار سوريا ووحدتها”.
هل تدخل تركيا الحرب؟
الدعم التركي لسوريا يتخذ مساراً يعاكس طموحات تل أبيب التي تسعى لتجزئة سوريا وإضعافها، بحيث تضمن حرية الحركة والتوغل داخل الأراضي السورية، في حين تتجه أنقرة إلى إعادة بناء الدولة السورية، عبر دعمها سياسياً وأمنياً، والمساهمة في إعادة تأهيل بعض القطاعات الحيوية، وترسيخ مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية.
لذلك، فإن الخلاف بين أنقرة وتل أبيب ليس تنافساً على النفوذ في سوريا فحسب، بل يأخذ مسارين مختلفين حول مكانة سوريا نفسها، بين هل تبقى مجالاً مفتوحاً لإدارة التهديدات وتعدد مراكز القوة، أم تستعيد دورها كدولة مركزية قابلة للاندماج في ترتيبات إقليمية جديدة، وهو ما تخشاه تل أبيب.
وفي هذا السياق، قال الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي المستشار طه عودة أوغلو إن “التخوف الإسرائيلي من تنامي الدور التركي في سوريا بدا واضحاً منذ سقوط نظام الأسد، حيث لاحظنا وجود حالة من المواجهة غير المباشرة بين أنقرة وتل أبيب”، مشيراً إلى أن “حالة القلق الإسرائيلي ليست من الوجود التركي، إنما من تحويل سوريا إلى قوة كبيرة، خاصة بعد الدعم التركي الكبير الذي حصل خلال الأشهر الماضية، سواء سياسياً أو عسكرياً واقتصادياً”.
وتابع أن “إسرائيل تنظر بعين الريبة إلى تنامي الدور التركي، خشية من التغيير في ميزان القوى داخل سوريا، لأن أنقرة تتحرك في سوريا بكافة المجالات السياسية والعسكرية وبشكل خاص بناء الجيش والأجهزة الأمنية، وهذه الأمور يمكن أن تشكل حالة من القلق لدى إسرائيل بأن تتحول سوريا من دولة ضعيفة مجزأة إلى دولة أكثر تماسكاً وقوة، خاصة إذا ربطنا علاقة سوريا مع الدول الخليجية بنفس الوقت، فكل هذه الأمور تثير حالة من القلق”.
ورأى أوغلو أن “النقطة الأساسية من وجهة نظري هي محاولة تركيا لأن تكون سوريا قوية، وتبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وحقيقة هذا يخدم تركيا بالدرجة الأولى، وفي المقابل هذا التحرك يزعج إسرائيل التي تريد أن تبعد أي تهديدات عن حدودها من خلال بقاء سوريا ضعيفة لا تشكل تهديداً لها”.
وفي السياق، أشار الباحث السوري علي العبد المجيد إلى أن “إسرائيل لا تخشى تركيا لأنها تريد مواجهة إسرائيل بالضرورة، وإنما لأنها قد تساعد سوريا على أن تصبح دولة مركزية قادرة، وهذا يتعارض مع نموذج أمني إسرائيلي يقوم على إدارة سوريا عبر تعدد مراكز القوة”.
وتابع العبد المجيد أن “إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد لم تعد تتعامل مع سوريا فقط باعتبارها مصدر تهديد يجب احتواؤه، إنما انتقلت إلى محاولة التأثير في شكل البيئة الأمنية والسياسية السورية نفسها، وهذا ظهر عسكرياً من خلال التوغلات، واستهداف البنية العسكرية، وتوسيع الحضور في الجنوب، ومحاولة التأثير في شروط إعادة بناء البيئة الأمنية السورية”.
وأشار إلى أنه “كلما نجحت الدولة السورية الجديدة في ترسيخ نفسها كدولة مركزية مستقرة وقادرة على ضبط أمنها وحدودها، ارتفعت الكلفة السياسية والإقليمية لأي محاولة لفرض ترتيبات أمنية خارج إطار الدولة السورية، وبالتالي فإن التحدي أمام دمشق هو تحويل التقاطعات الإقليمية والدولية حول استقرار سوريا من مجرد مواقف سياسية إلى أوراق تفاوضية ومكاسب أمنية وسياسية فعلية، وهذا في تقديري، هو جوهر المسألة: إسرائيل تحاول تحويل تفوقها العسكري إلى قواعد دائمة، بينما تحتاج دمشق إلى تحويل موقع سوريا داخل شبكة المصالح الإقليمية والدولية إلى قدرة على حماية سيادتها ووحدة أراضيها”.
الزيارة المنتظرة
الزيارة المؤجلة منذ عام ونصف باتت أقرب للواقع، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكد في تصريح صحفي أنه يعتزم زيارة سوريا قريباً، فالزيارة المنتظرة تأتي وفق ما يراه خبراء لتثبيت الشراكة السورية التركية، وتوجيه رسائل لتل أبيب بأن أنقرة تتعامل مع دمشق على أنها حليف وشريك، وأنها ستترجم نفوذها السياسي والأمني عبر شراكة طويلة الأمد.
الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي المستشار طه عودة أوغلو أكد أن “أردوغان أعلن عن عزمه زيارة سوريا، وهذه الزيارة إذا تمت يمكن أن تكون تاريخية بكل معنى الكلمة، وخاصة أنها ستوجه رسائل سياسية للجميع، وخاصة في مسار العلاقات ما بين سوريا وتركيا، يعني التوقيت مهم، ويمكن أن نقول إن الزيارة تأتي في مرحلة تتزايد فيها التحركات الإسرائيلية داخل سوريا، وأتوقع أن تتم الزيارة في الشهر الأخير من العام الجاري، وتعتمد بشكل كبير على الوضع الأمني”.
وتابع أن “التوقعات كانت أن تحدث الزيارة في اليوم الأول لسقوط النظام، لكن حالياً توقيتها مهم من وجهة نظري، خاصة في ظل الحاجة السورية لدعم كبير من الدول الإقليمية وتركيا، وتوجيه رسائل إلى إسرائيل بأن أنقرة لا تتعامل مع سوريا باعتبارها فراغاً جيوسياسياً، وهذا يمكن أن يحدث حالة من القلق والصداع بالنسبة للجانب الإسرائيلي الذي يخشى من التحرك والنفوذ التركي في المنطقة”.





















