فتح اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن، أول من أمس الأحد، الباب أمام التساؤلات بشأن إمكانية إعادة تحريك مسار مفاوضات سورية وإسرائيل بعد أشهر من الجمود وتصاعد التوتر الميداني. وجاء الاجتماع بوساطة أميركية واستضافة أردنية، وبمشاركة مسؤولين أمنيين وعسكريين من الجانبين، وفق ما أعلنت دمشق، في وقت كانت فيه الاتصالات بين الطرفين قد توقفت عقب الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب في 18 أغسطس/آب الحالي.
ويعد اللقاء، الذي جمع وزير الخارجية السوري برئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، أعلى مستوى من التواصل المباشر المعلن منذ بدء المسار الأمني بين الجانبين. وكان غوفمان قد أجرى اتصالاً هاتفياً بالشيباني في 14 أغسطس، قبل أن تتصاعد التوترات وصولاً إلى قصف أبو الظهور. علماً أن حكومة بنيامين نتنياهو ادعت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كان أوصى مراراً بمهاجمة هذا المطار الواقع في ريف إدلب الشرقي، بناءً على معلومات استخبارية يزعم أنها تشير إلى نية تركيا تنفيذ أعمال داخل المطار من شأنها تهديد “أمن إسرائيل”.
وتقول دمشق إن الاجتماع ركّز على خفض التصعيد ووقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، إلى جانب بحث إعادة إحياء مفاوضات سورية وإسرائيل بهدف الوصول إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكّل لاحقاً أساساً لاتفاق أكثر شمولاً. كما شدّدت على أن أي ترتيبات يجب أن تحترم سيادة سورية ووحدة أراضيها وحقها في إعادة بناء جيشها وتحديد تحالفاتها.
عقد الطرفان خمس جولات تفاوضية سابقة، كانت آخرها في باريس في يناير الماضي
وكان الشيباني قد أكد في مقابلة مع وكالة رويترز، السبت الماضي، أن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات الأمنية مع إسرائيل قريباً، رغم غياب الثقة بين الطرفين، مضيفاً أن الأولوية السورية تتمثل في وقف الهجمات الإسرائيلية، على أن يؤدي الاتفاق الأمني في نهاية المطاف إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام 2024. وقال الوزير السوري إن دمشق تمدّ يدها للدبلوماسية والتفاهم والسلام، لكنها تحتاج في المقابل إلى خطوات إسرائيلية لبناء الثقة، مشيراً إلى أن الاتصالات انقطعت بعد قصف أبو الظهور، لكنه اعتبر أن التواصل ضروري مع طرف تعتبره دمشق مصدر تهديد مباشر لأمنها.
وتقول دمشق إن تصور الاتفاق الذي جرى بحثه في مراحل سابقة كان قد اقترب من الاكتمال، وتضمن إنشاء مناطق أمنية في الجنوب السوري، بينها منطقة عازلة تكون فيها الأمم المتحدة الجهة الوحيدة الموجودة، ومناطق أخرى تنتشر فيها القوات السورية بدرجات متفاوتة. لكن الشيباني اتهم إسرائيل في المقابلة بعدم إظهار الإرادة اللازمة لتنفيذ ما تمّ التفاهم عليه، مؤكداً في الوقت نفسه أن بلاده لن تتخلى عن دعم تركيا لها في إعادة بناء الجيش السوري، وهو ملف بات أحد أبرز مصادر التوتر بين إسرائيل وتركيا داخل الساحة السورية.
مفاوضات سورية وإسرائيل… 5 جولات بلا اتفاق
وأعلن الأردن، أمس الاثنين، إنه استضاف، أول من أمس، اجتماعاً لبحث خفض التصعيد بين سورية وإسرائيل. ونقلت وكالة الأنباء الأردنية عن مصدر رسمي قوله إن “الاجتماع تمّ تلبية لطلب من الأشقاء في سورية وبحث خفض التصعيد وتحقيق التهدئة بعد القصف الإسرائيلي للأراضي السورية الأسبوع الماضي”. وذكر المصدر: “الأردن يؤكد وقوف المملكة المطلق مع الحكومة السورية في جهودها لحماية أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها”. وتابع: “نشدد على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على سورية فوراً وانسحاب إسرائيل من الأرض السورية المحتلة واحترام اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974”.
من جهتها، نقلت وكالة الأنباء السورية “سانا”، أول من أمس، عن مصدر دبلوماسي في الخارجية السورية قوله إن الاجتماع جاء في أعقاب القصف الإسرائيلي الأخير للأراضي السورية وتصاعد التوترات في جنوب البلاد، وتركزت المناقشات على وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساساً لاتفاق مستقبلي أكثر شمولاً. وأكد الجانب السوري خلال الاجتماع، وفق المصدر، أن سورية دولة ذات سيادة، ولها كامل الحق في إعادة بناء جيشها الوطني وتطويره وتحديد تحالفاتها وشراكاتها بما يتوافق مع مصالحها الوطنية، مشدداً على رفض أي ترتيبات أو آليات من شأنها تقييد هذه الحقوق السيادية.
خالد خليل: انتقال التواصل إلى مستوى رئيس الموساد يعكس ارتفاع أهمية الملف الأمني
وجدد الجانب السوري “موقفه الثابت بأن الجولان المحتل أرض سورية”، مشيراً إلى أن “مناقشة وضعه النهائي والمسار المؤدي إلى ذلك لا تزال سابقة لأوانها في المرحلة الراهنة، وأن الأولوية المباشرة تتمثل في انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل. كما تناولت المناقشات أهمية دعم استقرار سورية والحفاظ على أمن المنطقة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل، وضمان عدم انعكاس التوتر القائم بين البلدين على الأراضي السورية. وبحسب المصدر، ركّز الاجتماع على اتخاذ خطوات عملية لخفض التصعيد بالتوازي مع بحث سبل العودة إلى مسار التفاوض، مع تأكيد سورية أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تحترم سيادتها ووحدة أراضيها وحقوقها السيادية.
ولم تبدأ مفاوضات الشيباني وغوفمان من نقطة الصفر. فقد عقد الطرفان خمس جولات تفاوضية سابقة، كانت آخرها في باريس في يناير/كانون الثاني الماضي، وانتهت باتفاق على زيادة وتيرة الاجتماعات واتخاذ إجراءات لبناء الثقة، إضافة إلى إنشاء قناة اتصال لتبادل المعلومات الاستخبارية. لكن هذه التفاهمات لم تمنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها داخل الأراضي السورية، وهو ما دفع دمشق إلى القول إن إسرائيل لم تلتزم عملياً بما تم التوافق عليه.
وتكشف التطورات الأخيرة حجم الفجوة بين الطرفين. فالغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور التي استهدفت مدرجات ومنشآت في القاعدة، تبعتها ضربة إسرائيلية أخرى في جنوب سورية في 22 أغسطس. في المقابل، تزعم إسرائيل أن عملياتها مرتبطة بمخاوف أمنية وبمنع تهديدات محتملة لقواتها.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل أن التواصل الأخير يمثل أعلى نقطة في المسار التفاوضي حتى الآن، لافتاً في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن مفاوضات سورية وإسرائيل كانت تجرى في مراحلها السابقة عبر فريق إسرائيلي سياسي ودبلوماسي يقوده وزير الشؤون الاستراتيجية السابق رون ديرمر، ومعتبراً أن انتقال التواصل إلى مستوى رئيس الموساد يعكس ارتفاع أهمية الملف الأمني، لكنه استبعد تحقيق اختراق سريع بسبب أزمة الثقة والتباين العميق في رؤية الطرفين.
الانسحاب مقابل الأمن
تتعلق العقدة الأولى في مفاوضات سورية وإسرائيل بمصير المواقع التي سيطرت عليها إسرائيل في جنوب سورية عقب سقوط نظام الأسد. وتطالب دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخطوط التي كانت قائمة قبل 8 ديسمبر 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل. كما تؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة، لكنها تعتبر أن بحث وضعه النهائي سابق لأوانه في المرحلة الحالية.
في المقابل، لا تبدو إسرائيل مستعدة للعودة ببساطة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل سقوط النظام السابق. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن إسرائيل تريد ترتيبات أمنية أوسع من تلك التي نصّ عليها اتفاق 1974، بما يشمل قيوداً على حجم القوات السورية وتسليحها وانتشارها في الجنوب.
قالت دمشق صراحة في اجتماع الأردن إن سورية لها الحق في إعادة بناء جيشها وتطويره وتحديد تحالفاتها وشراكاتها
وهنا تظهر معضلة أساسية: دمشق تريد أن تكون المفاوضات مدخلاً إلى استعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي، بينما تريد تل أبيب أن تكون الترتيبات الأمنية الجديدة ضمانة طويلة الأمد لمنع أي تهديد من الأراضي السورية. ومن هنا، فإن جوهر الخلاف لم يعد فقط حول مبدأ الانسحاب، وإنما حول الخط الذي ستنسحب إليه إسرائيل وما الذي ستحتفظ به من المواقع التي سيطرت عليها ميدانياً.
عقدة الجنوب السوري
ويشكل الجنوب السوري العقدة الأكثر تعقيداً في مفاوضات سورية وإسرائيل وأي اتفاق محتمل بينهما. فإسرائيل تريد، وفق ما تظهره مواقفها، جنوباً منزوع السلاح إلى أكبر قدر ممكن، مع منع انتشار أسلحة ثقيلة وصواريخ وطائرات مسيّرة قرب الجولان. كما تسعى إلى ضمانات تمنع عودة النفوذ الإيراني أو نشاط جماعات مرتبطة بـ”حزب الله” اللبناني في المنطقة، إلى جانب آليات رقابة أكثر فاعلية على الحدود.
في المقابل، ترفض دمشق أي صيغة تنتقص من حقّها السيادي في بناء جيشها وتطوير قدراته. وقالت صراحة خلال اجتماع الأردن إن سورية دولة ذات سيادة، ولها الحق في إعادة بناء جيشها وتطويره وتحديد تحالفاتها وشراكاتها بما يتوافق مع مصالحها الوطنية. وبذلك، فإن التفاوض حول الجنوب لن يكون تقنياً فقط، بل سيتعلق بمفهوم السيادة نفسه: إلى أي حدّ يمكن لسورية أن تنتشر عسكرياً داخل أراضيها، وإلى أي مدى ستحتفظ إسرائيل بما تسميه حق التدخل إذا اعتبرت أن هناك “تهديدا” لأمنها؟
تركيا.. الطرف الثالث
وبرز العامل التركي خلال الأسابيع الأخيرة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات الإسرائيلية. وتقول اسرائيل إن أي انتشار عسكري تركي أو إنشاء بنية دفاع جوي تركية داخل سورية يمكن أن يشكل تهديداً لها، خصوصاً أنه قد يحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية والإقليمية.
وكان رئيس الموساد قد ناقش مع الشيباني، خلال الاتصال الهاتفي في 14 أغسطس، مخاوف إسرائيل من تنامي الوجود العسكري التركي في سورية، قبل أيام من قصف أبو الظهور.
وتنفي دمشق وأنقرة وجود خطط لإنشاء قاعدة تركية تهدد إسرائيل، فيما وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك أخيراً الغارة الإسرائيلية بأنها تصعيد غير ضروري، ودفع باتجاه آلية لتجنب الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسورية.
ومن هنا، قد تتحول مفاوضات سورية وإسرائيل إلى جزء من مسار تفاوض إقليمي أوسع، لا يتعلق فقط بالعلاقة بين دمشق وتل أبيب، بل أيضاً بمستقبل الدور التركي في سورية.
بين مطلبي الضمانات والسيادة
ويرى المحلل السياسي أحمد الموسى في حديث مع “العربي الجديد” أن دمشق شاركت في اجتماع الأردن بمطالب سيادية واضحة، أبرزها وقف الغارات والاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق، وخفض التوتر الإسرائيلي التركي، والحفاظ على حق سورية في بناء قدراتها وعقد تحالفاتها. ويعتبر الموسى أن التفاوض في هذه المرحلة لا يمثل تطبيعاً، وإنما تواصلاً أمنياً لإدارة الصراع ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
أما المحلل السياسي غازي دحمان، فيرى أن السياسة الإسرائيلية تجاه سورية تجاوزت مفهوم الإجراءات الأمنية والدفاعية إلى محاولة فرض واقع طويل الأمد على الدولة السورية، معتبراً في حديث مع “العربي الجديد” أن استمرار الضربات والتوغلات يهدف إلى إبقاء دمشق في حالة من الضعف وعدم الاستقرار.
وبغض النظر عن اختلاف التقييمات، فإن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بالتوازي مع مفاوضات سورية وإسرائيل يمثل إحدى أكبر مشكلات المسار الحالي، ويجعل كل جولة تفاوض عرضة للانهيار عند أول تصعيد ميداني.
حظوظ قليلة لنجاح الجولة السادسة
إذا استؤنفت مفاوضات سورية وإسرائيل قريباً، فإن الجولة المقبلة ستواجه اختباراً أكثر صعوبة من سابقاتها، لأن الطرفين يدخلانها بسجل من عدم الثقة وبوقائع ميدانية جديدة.
وفي هذا السياق، يعرب خالد خليل عن اعتقاده أن التعنت الإسرائيلي، إلى جانب الاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل، يجعل تحقيق تقدم سريع في مفاوضات سورية وإسرائيل أمراً مستبعداً. ويرى أن الحكومة الإسرائيلية قد تلجأ إلى التصعيد عندما تواجه ضغوطاً سياسية أو إقليمية.
في المقابل، تواجه دمشق معادلة مختلفة، فهي تريد تثبيت سيادتها واستعادة الأراضي التي فقدت السيطرة عليها، لكنها في الوقت نفسه لا تملك، في المرحلة الحالية، القدرة العسكرية التي تسمح لها بفرض شروطها بالقوة. لذلك تبدو المفاوضات بالنسبة إليها أداة لإدارة مرحلة انتقالية أكثر منها مساراً جاهزاً للتوصل إلى سلام شامل. وتقول دمشق إن الاتفاق الأمني يمكن أن يشكل مقدمة لاتفاق أوسع، لكن هذا الاحتمال يبدو بعيداً في المدى القريب. فحتى وإن نجح الطرفان في الاتفاق على وقف الهجمات والانسحاب وترتيبات الجنوب، فإن ملف الجولان سيبقى مؤجلاً، إلى جانب قضايا التطبيع والعلاقات الدبلوماسية ومستقبل الحدود.
وتؤكد دمشق أن الجولان أرض سورية محتلة، بينما تضع حالياً الأولوية لوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة حديثاً وإعادة العمل باتفاق 1974. أما إسرائيل، فهي تركز على ضمانات أمنية تتعلق بالجنوب السوري، والحد من الدور العسكري التركي، والحفاظ على حرية عملها في المجال الجوي السوري.
ولهذا، فإن استئناف المفاوضات، إذا حدث، لن يعني بالضرورة قرب التوصل إلى اتفاق نهائي. والأرجح أن تبدأ المرحلة المقبلة بمحاولة تثبيت تفاهم أمني محدود يمنع التصعيد، قبل الانتقال إلى الملفات السياسية الأكثر تعقيداً. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن تحويل التهدئة الحالية إلى اتفاق قابل للتنفيذ، أم أن المفاوضات ستظل رهينة للوقائع العسكرية والسياسية المتغيرة؟
- العربي الجديد


























