تسارعت الأحداث في سوريا خلال أيام قليلة بشكل اختصر سنوات من التحولات في مشاهد سينمائية مثيرة: طائرات إسرائيلية تقصف مطار أبو الضهور أدى إلى تصعيد من تركيا، التي اعتبرت ما حصل «رسالة» عدوانية إسرائيلية ضدها، وما لبث أن شارك المبعوث الأمريكي توم براك في الجدل بنفيه ادعاء إسرائيل وجود نية لدى أنقرة لاستخدام المطار قاعدة عسكرية، فردّ عليه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس معتبرا ما قاله «مليئا بالمغالطات».
تم الإعلان بعد ذلك عن اجتماع جرى في العاصمة الأردنية عمّان بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد، وهو ما اعتبر محاولة سورية لوقف التصعيد، ليخرج بعدها شيخ عقل الطائفة الدرزية في سوريا حكمت الهجري بخطاب يربط فيه مستقبل محافظة السويداء بإسرائيل، قبل أن تأتي المفاجأة الأكبر من جهتين: إعلان مظلوم عبدي، قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، حل هذه القوات واندماجها في الدولة، وإعلان وزير خارجية أمريكا، ماركو روبيو، شطب واشنطن اسم سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب».
رغم الالتواءات الغريبة في هذه الأحداث فإن هناك سؤالا كبيرا ينتظمها: من يرسم معالم سوريا الجديدة؟
كشفت ضربة المطار، بصورة خاصة، عن تحوّل نوعي في الصراع الإقليمي، فإسرائيل، التي تمتعت لسنوات طويلة بحرية شبه مطلقة في المجال السوري، تواجه الآن سوريا مختلفة: ضعيفة عسكريا، لكنها تمتلك عناصر قوّة تتصاعد نتيجة كونها لم تعد معزولة أو محصورة في محور إيراني – روسي، ولم تعد على علاقة عداء مع محيطها الجغرافي كما كان الحال في عهدي حافظ وبشار الأسد، إضافة إلى أنها قلبت الميزان السابق في علاقتها الإيجابية المستجدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. أصبحت أنقرة، الجار الجغرافيّ شريكا رئيسيا لدمشق، فيما أخذت واشنطن في الاستثمار في قضية استقرار الحكم الجديد، فيما تعمل الدول الخليجية والأوروبية على إعادة سوريا إلى سكّة الاقتصاد الإقليمي.
لهذه الأسباب، كان لقاء الشيباني – غوفمان، يحمل معاني أكبر من مجرد الغرابة التي تحيط بدلالات وقوعه. تمسك وزير الخارجية السوري في اللقاء بوقف الهجمات واحترام سيادتها وأكد استمرار التفاوض على ترتيبات أمنية. عكس هذا انتقالا مهما من أن سوريا كانت أرضا تتفاوض القوى الأخرى حولها، إلى سعي دمشق لاعتبارها طرفا يفاوض بنفسه على شروط التوازن فوق أراضيه.
تقاطع إبراز القوة الإسرائيلية في المقابل مع الهشاشة التي أدّت إليها الديناميّات العنيفة والمفاجئة للوضع الانتقالي. أظهرت تصريحات الهجري الأخيرة حول الارتباط «العقائدي» بإسرائيل اعتراضات حتى داخل البيئة الدرزية، مما أوضح إحدى معضلات «سوريا الجديدة»: كلما فشلت الدولة في بناء الثقة مع مكوّناتها، كلما انفتح الباب أوسع أمام إسرائيل لتحويل المخاوف المحلية إلى أوراق جيوسياسية (وانتخابية في حالة بنيامين نتنياهو وشركائه). لا يكفي، بهذا المعنى، الرد على المطالب الانفصالية بشعار «وحدة الدولة والحكومة والجيش» في سوريا (والذي قاله، للمفارقة، المبعوث الأمريكي نفسه تعليقا على حل «قسد»). المطلوب هنا صيغة مواطنة وضمانات سياسية وإدارية وثقافية تجعل الوحدة خيارا مقنعا لا مجرد أمر فُرض من فوق.
انتقلت القضية الكردية، بحلّ «قسد»، ولو نظريا، من صراع على الجغرافيا والموارد والسلاح إلى تفاوض حول الحقوق واللغة والمشاركة داخل الدولة، ونجاح هذا النموذج سيكون أهم بكثير من أي انتصار عسكري، لأنه سيقدم صيغة قابلة للتطبيق للدروز في السويداء وتنزع من الشيخ الهجري ادعاءاته البائسة المقابلة عن «وحدة العقيدة والتاريخ» مع إسرائيل.
يكتسب إعلان واشنطن شطب سوريا من «قائمة الإرهاب»، ضمن هذا السياق المتزامن، أهمية وأثرا بعيدا. كان هذا التصنيف يجعل الدولة التي تحمله أشبه بالشخص المصاب بالجذام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهو لقب بقي ملتصقا بسوريا سبعة وأربعين عاما، وإعلان شطبه يزيل عوائق رئيسية أمام عودة سوريا دولة طبيعية.
لا تزال سوريا، بعد سنة وثمانية أشهر تقريبا من هروب الأسد، محاطة بالألغام: إسرائيل في الجنوب، صراع إقليمي يضرب اقتصادات الدول العربية، حساسيات كردية ودرزية وعلوية، ودولة لا تزال تناضل لبناء مؤسساتها، لكن الاتجاه العام يصعب تجاهله، فتوحد الجغرافيا الداخلية هو أحد تداعيات انفتاح الجغرافيا الخارجية، ومع تراجع العزلة الدولية وعودة السوريين والعرب والعالم، يعاد التفاوض مع القوى الخارجية التي تسعى لتقسيم سوريا.
الفرصة أمام السوريين اليوم نادرة تاريخيا: إنهم ينتقلون من دولة ارتبط اسمها بالقمع والإرهاب والحروب الإقليمية إلى دولة تتحول إلى ورشة إعادة إعمار، وممر اقتصادي وسياسي بين الدول العربية وتركيا وأوروبا، لكن نجاح سوريا الجديدة سيقاس بقدرتها على جعل سائر مكوناتها يرون مستقبلهم داخل الدولة، لا خارجها، وعندها تصبح استعادة السيادة أكثر من استعادة الأرض.
- القدس العربي














